التنافس الباكستاني ـ الهندي وإستراتيجية استغلال مخاوف أفغانستان

26- 3- 2007م

 

أصبحت باكستان تعاني من مشاكل عديدة على الصعيدين الداخلي والخارجي، كما أن الرئيس برفيز مشرف يبدو غير قادر على معالجتها، في الوقت نفسه يشعر الغرب بالإحباط مع زيادة الشكوك حول الدور "السلبي" الذي تلعبه باكستان في أفغانستان، فالرئيس حامد قرضاي اتهم باكستان ومخابراتها بالتدهور الأمني الذي تعيشه بلاده في الأشهر القليلة الأخيرة.

قبل شهور قليلة حصلت البي بي سي على وثيقة مهمة حررها موظف سامي في أكاديمية الدفاع التي تديرها وزارة الدفاع البريطانية تزعم فيها الوثيقة أن وكالة الاستخبارات الباكستانية Inter-Services Intelligence تدعم حركة الطالبان بشكل غير مباشر.

وبينما تبقى إدارة الرئيس بوش تدعم الحكومة الباكستانية علناً؛ فإن الزيارة الأخيرة لنائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني إلى إسلام آباد جاءت في إطار الإحباط الذي يشعر به الكونغرس الأمريكي من باكستان ورئيسها مشرف، بعد تزايد هجمات الطالبان على القوات الأمريكية في أفغانستان، وعلى قوات الحلف الأطلسي، وارتفاع حدة عداء الشعب والمؤسسات، والأحزاب والمنظمات الأهلية، والحركات الإسلامية النافذة في المجتمع، وفي بعض القطاعات العسكرية الحساسة؛ مثل المخابرات، وتمرد مناطق باكستان العشائرية الموالية لطالبان والقاعدة التي تقع على الحدود مع أفغانستان.

زيارة ديك تشيني لباكستان جاءت في وقت هدد فيه الحزب الديمقراطي بأن تكون المساعدات الأمريكية لإسلام آباد من الآن فصاعداً مشروطة بقمع "المتمردين" في مناطق باكستان العشائرية، وأن يقوم مشرف بمراقبة مخابراته المتهمة من أكثر من طرف وجهة بالتعاون مع حركة الطالبان.

وكما لو أن اتهام مشرف بالتقاعس عن محاربة طالبان والقاعدة غير كاف في نظر واشنطن والغرب؛ جاء قراره بفصل رئيس محكمة باكستان العليا افتخار محمد شودري ليشعل بذلك احتجاجات عامة وواسعة في مختلف أنحاء البلاد، بعد أن كان تدخل قوات حفظ الأمن قاسياً وفي غير محله، جعلت موقعه أمام الرأي الباكستاني والدولي يبدو ضعيفاً لدرجة كبيرة.

فالاحتجاجات الشعبية والحزبية اكتسبت لوناً تعكس حقيقة الحراك الناشئ بعد انقلاب مشرف وانضمامه إلى معسكر "مكافحة الإرهاب الدولي" بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، فهي أزالت الغشاء الرقيق للديمقراطية التي كان يلف بها مشرف نظامه العسكري، وقد أدرك تماماً أن ضجيج المعارضة الباكستانية وقطاع واسع من الشعب في الشوارع منذ أيام لا يخدم مستقبله السياسي الخاص.

 

دور باكستان المحوري كحليف أساسي للغرب:

لقد دعم الرئيس مشرف دوره كحليف أساسي مقرب من الغرب منذ أن طرحت إدارة بوش على حكومته خيار إسناد الولايات المتحدة في احتلالها لأفغانستان، والحرب العالمية على الإرهاب، أو أن يتهم بتأييده للتطرف الإسلامي.

كان هناك دائماً اعتقاد عند الآخرين أن مشرف لا يعمل بالقدر الكافي لضبط الأوضاع داخل باكستان عموماً وفي حدوده مع أفغانستان خاصة، غير أن تدهور الأوضاع في أفغانستان أخيراً، واتخاذه لبعض القرارات "المثيرة للجدل" غير الموفقة المتزامنة مع تدهور شعبيته؛ جعلته يجد صعوبة في الرد على اتهامات منتقديه، أو إقناعهم بصواب خياراته.

وبينما تمكنت باكستان من اعتقال بعض من زعماء القاعدة الرئيسيين، واكتسبت بعض المهارات الاستخبارية في مطاردة حركة الطالبان في المناطق العشائرية في باكستان؛ غير أن هذا يبقى غير كاف في نظر الغرب، خصوصاً في اتجاه ضرورة اتخاذ قرارات حاسمة وصارمة ضد القاعدة الخلفية لتنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن على الحدود مع أفغانستان.

وعلى الرغم من التصريحات العامة لحكومات الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا المساندة لباكستان، إلا أن تصاعد وتيرة الضحايا الغربيين من الجنود والمدنيين في أفغانستان ولدت شكوكاً لدى هذه الدول حول قدرة باكستان وجهودها المبذولة لكبح جماح حركة الطالبان، ما دفع هذه الحكومات مجدداً إلى مراجعة علاقة باكستان بالغرب، ودورها في الحرب العالمية على الإرهاب.

وفي إشارة إلى تزايد الضغوط الأمريكية على باكستان من أجل اتخاذ إجراءات صارمة ضد مناطقها العشائرية حذر المدير السابق في الاستخبارات الوطنية جون نغروبونتي الكونغرس الأمريكي أن باكستان تبقى مصدراً رئيساً للتطرف الإسلامي، وأن زعماء القاعدة وجدوا في باكستان ملجأ آمناً على الحدود الباكستانية - الأفغانية، علاوة على ذلك بدأت الطالبان تعيد بناء قواتها وتنظيم صفوفها في باكستان بالحماسة نفسها التي سبقت ظهور الحركة في أواسط التسعينيات من القرن الماضي.

وكما كان العراق في قلب السياسة الخارجية الأمريكية؛ فإن أفغانستان كانت الهدف الأصلي لحرب واشنطن على الإرهاب، إلا أن التدهور استمر، ولم تستقر الأوضاع في هذا البلد المنكوب بالحروب والانقسامات.

وبعد حوالي خمس سنوات من دخول الولايات المتحدة الحرب المدمرة لهزيمة طالبان، وإسقاط حكومتها، وثلاث سنوات منذ إعلان بوش نهاية العمليات؛ فإن الطالبان نهضت من جديد، واستعادت قوتها، ونظمت صفوفها، وانتشرت في ربوع أفغانستان، ووجدت موطئ قدم في حدود باكستان، وقامت بمطاردة الجيش الأمريكي وحلفائه.

توتر العلاقات بين أفغانستان وباكستان اشتد بحدة مؤخراً وسط قلق واضح من نتائج فشل إسلام آباد في اتخاذ إجراءات صارمة ضد المقاتلين والمتسللين عبر شريطها الحدودي، وتبقى الروابط الثنائية معقدة بينهما بعد الحضور المكثف لنيودلهي في كابول، الذي ربما ستكون له عواقب خطيرة بالنسبة لاستقرار أفغانستان ومحادثات السلام بين الهند وباكستان.

إن التقدم نحو الاستقرار والتطور في أفغانستان مرهون بشكل كبير بنفوذ الدولتين الجارتين الهند وباكستان، والتنافس الحاد بينهما، إسلام آباد كانت دائماً مرتابة من العلاقة التي تربط نيودلهي بكابول وتعاونهما ضدها خاصة بعد سقوط الطالبان، وهو ما أثر في جهود إسلام آباد في محاربة مقاتلي طالبان، وفشل احتواء القتال الدائر في مناطق العشائر مع المقربين من القاعدة، فكان العنصر الأساسي وراء تدهور العلاقات مع أفغانستان.

وكانت العلاقات بين باكستان وأفغانستان ومنذ فترة طويلة معقدة، حيث إن هيئة الاستخبارات العسكرية الباكستانية ساهمت في هزيمة القوات السوفيتية قبل 1988م، وإسقاط حكومة الرئيس المدعوم من قبل السوفييت محمد نجيب الله في 1992م، واستيلاء الطالبان على مناطق واسعة من أفغانستان بعد 1994م، لأن المصالح الاستراتيجية الباكستانية الطويلة المدى شكلت الدافع الرئيس وراء تدخلاتها المستمرة منذ عقود، والاعتقاد بأنه يمكن لباكستان أن تكسب "عمق استراتيجي" ضد الهند من خلال التأثير على سياسة كابول، وهو ما شعرت به إسلام آباد بأنه إنجاز لصالحها أثناء الثمانينات والتسعينيات.

وعلى أية حال فإن المكاسب المتحصل عليه في العقدين الأخيرين أصبحت مهددة منذ سقوط الطالبان في 2001م.

بعد الاعتداءات على الولايات المتحدة الأمريكية كان على الرئيس مشرف أن يختار بين دعم احتلال أفغانستان والحرب على الإرهاب؛ أو عزلة بلاده ونظامه بتهمة مساندة المتطرفين الإسلاميين، لم ينتظر الرئيس مشرف كثيراً حيث انضم كحليف قوي لواشنطن، فالتزمت باكستان منذ الوهلة الأولى على دعم الجهود لتثبيت الوضع "الجديد" في أفغانستان، وتقوية إدارة الرئيس حامد قرضاي، غير أن هناك شكوكاً كبيرة حول قدرة إسلام آباد في احترام التزاماتها خاصة في اتخاذ إجراءات صارمة ضد المتمردين والمتطرفين.

في الوقت نفسه تبقى كابول مرتابة هي أيضاً من إسلام آباد، إذ إن أمنها يتأثر بأي استراتيجية تتخذها إسلام آباد بمعزل عنها، كما أن المخابرات العسكرية الباكستانية متهمة من الغرب بتشكيل وتمويل حركة الطالبان، حيث تقوم قيادتها الحالية باستغلال المناطق العشائرية "المتمردة" التي تدار بشكل اتحادي، وكذا المحافظة الشمالية الغربية الحدودية، فتجديد الطالبان، وتشبيب قياداتها؛ ترى فيه باكستان مكسباً لها من أجل تعزيز دورها كدولة مجابهة في الحرب على "الإرهاب"، وبذلك ضمان ارتباط الولايات المتحدة الأمريكية بحليفها القوي في المنطقة!!

في هذه الأثناء، ومع تصاعد التوتر بين باكستان وأفغانستان؛ تحسنت العلاقات الأفغانية - الهندية بشكل واضح، فالهند دعمت تحالف الشمال بالمال والسلاح، والتغطية السياسية والإعلامية ضد طالبان المدعومة من باكستان في التسعينيات لتفرض مكانتها بعد 2001م، كما أن العديد من الأعضاء البارزين في تحالف الشمال يسيطرون على مناصب مهمة في الحكومة المركزية وفي الأقاليم.

وتعتبر الهند من بين الدول الستة الأكثر تبرعاً بالمال والمعونات الاقتصادية لأفغانستان، فهي قدمت لحكومة كابل ما مقداره 500 مليون دولار، لتضيف إليه مؤخراً ما قيمته 50 مليون دولار، كما أن أغلب مساعداتها غير مشروطة، وموجهة بشكل كبير إلى مشاريع إعادة البناء، بالإضافة إلى التعليم والتنمية الريفية، وقامت الهند بمد يد المساعدة في تدريب عناصر الشرطة والقائمين على تخابية تسييراً ورقابة.

ولتمتين العلاقات بين كابول ونيودلهي تريد حكومة قرضاي من الشركات الهندية أن تستفيد من نظام الضريبة المنخفض، للمساعدة على تطوير المناطق الصناعية، وتشييد البنية التحتية في المناطق النائية مثل مصانع الإسمنت وأنابيب النفط والغاز، والكهرباء، والخدمات ومن ضمنها الفنادق والأعمال المصرفية والاتصالات.

كما فتحت نيودلهي قنصليات لها في كل من هرات ومزار الشريف وقندهار - مركز ثقل باكستان - وجلال آباد، إضافة إلى سفارتها في كابول، وتوجست باكستان من هذا التقارب الأفغاني - الهندي على حسابها، فاتهمت سفارة الهند بكابول بنشر الدعاية المغرضة المعادية لباكستان، وأن فتح القنصليات بهذا العدد الغرض منه جمع المعلومات ضدها، والتجسس عليها بما يهدد المصالح الباكستانية في أفغانستان.

ونتيجة لهذه التحولات التي تشهدها أفغانستان منذ أشهر تعمل إسلام آباد على منع نيودلهي من توسيع تدخلاتها في أفغانستان، حيث رفضت السماح بمرور السلع الهندية إلى أفغانستان، كما أن مخطط بناء أنبوب الغاز الذي يربط إيران بباكستان يتقدم ببطء شديد.

وفي اعتراف بالدور الهندي والباكستاني في استقرار أفغانستان حثت الولايات المتحدة الأمريكية الهند على الإقرار ببعض المخاوف الباكستانية، وأخذ هواجسها محمل الجد، فتجنبت دفع الجيش الهندي للعب دور حفظ السلام في أفغانستان وذلك حتى لا تثير الحساسية الباكستانية المفرطة تجاه الهند.

الهند على أية حال هي أيضاً شريك رئيسي لواشنطن في المنطقة، بل إن نيودلهي قد تلعب في الأشهر القادمة دوراً محورياً في الموضوع الأفغاني، والحرب العالمية على ما يسمى "الإرهاب".

إن الأمن والاستقرار في أفغانستان معتمد على درجة العلاقات بين الهند وباكستان وروابطهما القوية مع الأطراف المختلفة في المشهد الأفغاني، وإن أي منافسة بين نيودلهي وإسلام آباد للتأثير في أفغانستان تشكل تهديداً فعلياً لمستقبل الأوضاع في أفغانستان وفي المنطقة.

http://www.alasr.ws:المصدر