يا حكومة السودان قوموا أداءكم

محمد أبو بكرالرحمنو

 

إن كلمة التقويم تعني في اللغة: تقدير وقياس القيمة، كما تعني أيضا: التعديل وإزالة الاعوجاج كما ورد في مختار الصحاح (ص 557)، والمعجم الوجيز (ص 521 و523)..فيعنى بتقويم الأداء (تقدير الأداء وقياسه وفق المعايير المناسبة للحكم عليه، ومعرفة نواحي قوته وضعفه؛ من أجل تحديد التوصيات التي تؤدي إلى تحسينه ومعالجة أوجه قصوره)..إن التقويم يعنى بدراسة كافة الظروف والعوامل التي تؤثر في تحقيق الأهداف والغايات المأمولة من الكيان محل الدراسة.

إن التقويم هو وقفة تأمل ومراجعة للأداء؛ سعيا نحو تحسينه عن طريق إدراك نواحي القوة لتعزيزها، ونطاقات الضعف لمحاولة تحييدها أو تقويتها، ومعرفة القوى الخارجية التي تؤثر على الأداء وتؤدي إلى تقوية أو إضعاف عوامل الكيان الداخلية، بحيث تشكل فرصاً أو تهديدات.

سقت هذه المقدمة لأتحدث عن ضرورة تقويم الأداء السياسي لحكومة السودان من العديد من النواحي، قاصداً أن يكون التقويم من داخلها لا من الخارج، وأن يتم إسعاف الوضع المتأزم في العديد من القضايا من منطلق توجه استراتيجي واضح الرسالة، محدد الأهداف، له قواعد يرتكز عليها، وقيم لا يحيد عنها.

إن رسالة الأجهزة الحكومية كثيراً ما تحيد عن وجهاتها وأهدافها في زخم ممارسة العمل؛ فتصبح الوسائل المتبعة لتحقيق الغايات غايات في نفسها، بل وتخرج عن نطاقها ومجالها لتتضخم وتتمدد، بل وقد تفقد أهدافها النظرية ووجهتها لتصير مخدومة لا خادمة.. لهذا فإننا نجد أن أهداف الأجهزة الحكومية غاية في التباين بل والتضارب؛ فبين أجهزة تعمل على محاربة الفقر، وأخرى تعززه وتحارب العمل والإنتاج بكافة صوره.. وبين أجهزة تبني علاقات جيدة وممتدة مع المواطنين وتحاول تعزيز الثقة بينهم وبين الحكومة، وأخرى تعمل على زرع الغل والضغينة وتشتت الشمل وتعمل على تعزيز الفرقة من أجل السيادة.. وثالثة تعمل على توحيد كلمة الأمة في مواجهة الأزمات الوافدة، ولها صنو يعمل على تفتيت الكلمة وإظهار الفرقة وإعلانها والمجازفة بكيل الاتهامات في كل ناحية، وبعثرة الألقاب بكل سبيل..

وغير ذلك كثير ظاهر يدل على فوضى عارمة في الأداء، وانفراط التوجه الاستراتيجي، وتضارب الأهداف، والتنافس بين الأجهزة في السلطات والموارد.

وحتى نصير أمة إلى العلا تسير فإنه لا بد من وقفة مراجعة وتأمل عميق لواقع الحال الداخلي؛ بكافة عوامله وعناصره التي تشكل الأرضية التي تستند عليها الحكومة في الظرف الراهن، وتمحيصها لمعرفة النقاط التي تمثل عناصر ضعف قد يستفيد منها الخصوم في ضرب كيانها ومحق جهودها، ومحو وجودها، والتعرف على النقاط التي تشكل عناصر قوة في وجه خصومها.. ووقفة أخرى لمراجعة وتأمل ظروف المحيط الدولي وعناصره التي تشكل مهددات لأسس الحكومة الفكرية، وأهدافها الكلية، وتوجهاتها الاستراتيجية، والفرص التي تتيح تعزيز هذه الأسس والأهداف والتوجهات.

 

إن أهم النقاط التي تضعف قوة الحكومات في مواجهة المهددات -من وجهة النظر الخاصة- هي: فقد تأييد ومساندة رعاياها الناتج عن عدة أمور منها: فقد الثقة فيها لانحرافها عن قيمها، وبغضها لإحفائها وعنتها، والانفصال عنها لترفعها وكبرها.. فيجدر بالحكومة العناية بتحويلها إلى أكبر نقاط قوتها في التصدي للأخطار والمهددات، والقدرة على اقتناص فرص السؤدد والنصر والعلو عن طريق تقوية اللُّحمة بينها وبين رعاياها؛ بخفض جناحها، وتعظيم المحبة والموالاة بينها وبينهم ببذلها وعطائها، وتعزيز الثقة المتبادلة بعدلها والعض بالنواجذ على قيمها ومبادئها.

 

أدركوا يا حكومة السودان مصادر قوتكم الحقيقية، واعملوا على تنميتها وتحسينها، ولا يشككنكم ضغط التيارات المادية -الداخلية والخارجية- في الثابت من سنن الله الكونية في الإعانة والنصرة والمعية، الثابتة في المصادر الصادقة بالعبارات الواضحة.. واعلموا أن إرهاق الرعايا بالكلف المادية لا يحقق رقيا إلا في عمران يزول بأول صاروخ، ولا يؤدي إلاّ إلى تباعد في الأوضاع والمفاهيم والقلوب، وتناحر على الاستفادة من المكاسب المادية للمناصب والوظائف، وبعد عن الإنتاج الفاعل حتى تصير الوظيفة مطمحاً وغاية، والسلطة شهوة متبعة، ومال المواطن غنيمة مستباحة، وعضد الدولة وسندها أصحاب مصالح وشهوات سرعان ما يتساقطون عند أول ابتلاء؛ فلا تفقدوا تأييد رعاياكم بأخذ أموالهم مشددين، فإن ذلك إنما يؤدي إلى فت عضدكم، وتبديد سندكم الذي هو أساس تثبيتكم.

 

 http://www.meshkat.net                        المصدر: