الحوار الأمريكي الإخواني جريٌ وراء السراب

د. محمد مورو

7/4/1428هـ الموافق له 24/04/2007م

ليس جديداً على الساحة السياسية والثقافية أن توجه بعض الأطراف للإخوان المسلمين تهمة الحوار، أو الاتصال بدوائر أمريكية؛ بحثية أو إعلامية أو سياسية، وكثيراً ما تكون التهمة ملفّقة أو مبالغاً فيها، ولكنّ هذا لا يبرّئ ساحة الإخوان المسلمين من هذه التهمة تماماً، ذلك أنه من المرجَّح أن هناك نوعاً من الاتصالات يتمّ بطريقة ما ربما عن طريق شخصيات لا تنتمي رسمياً إلى الإخوان؛ تقيم في أمريكا أو الغرب، وتقوم بهذه الاتصالات على أساس نقل رسالة معينة للأمريكان، فإن نجحت المهمة كان بها، وإن لم تنجح وتم كشفُها قال الإخوان: إن هذا الشخص لا يمثلهم، ولا علاقة له بهم من قريب أو من بعيد.

ولسنا هنا بصدد إدانة أو تبرئة هذا النوع من الاتصال، ولكننا نناقش المسألة فقط دون أن نجزم بوجود أو عدم وجود أو وقوع هذا الاتصال.

الداعون إلى مثل هذا الاتصال يسوّغونه بأن الحوار فريضة إسلامية، وأن الله تحاور مع الشيطان فلماذا لا يتحاور الإخوان مع الأمريكان؟ وأنه لا ينبغي أن تحكمَنا عقدة الخوف من الحوار، ولا بد من كسر الحواجز النفسية، والتحرر من العقد قديمِها وحديثِها.

وعلى الطرف الآخر فإن الجهات الحكومية المصرية تعتبره جناية كبرى ليس لأن ذلك الاتصال ضارٌ بالإسلام، أو الحركة الإسلامية، أو العرب، أو مصر؛ ولكن لأنهم يشعرون بأن الإخوان يشكّلون بالفعل قوةً كبيرةً في الشارع، ومن ثَمّ فإن الحوار مع الأمريكان يشكّل إمكانية اعتبار الأمريكان لهم كبديل، ومن ثَمّ يكونون خطراً مباشراً على الحكومة المصرية لا تطيقه، ولا تقبله تلك الحكومة، وربما يمكن تفسير الضربات الحكومية للإخوان المسلمين في مصر بأنها عادةً تتعقب مثل هذا الحوار.

وما زلنا نقول: إن الحكومة لم تُقدّم دليلاً جذرياً حتى الآن لإثبات هذا الحوار على الإخوان.

هذه الضجة حول الحوار الإخواني - الأمريكي جاءت بمناسبة زيارة النواب الأمريكيين من الكونجرس الأمريكي بمجلسيْه: النواب، والشيوخ؛ لمصر برئاسة الرجل الثاني في مجلس النواب ستيني هوير، ولقائهم بالمتحدث الرسمي للإخوان بمجلس الشعب الأستاذ سعد الكتاتني مرتين، تمّ إحداها في مجلس الشعب المصري علناً في إطار لقاء المجموعة البرلمانية الأمريكية بعدد من النواب المصريين من بينهم رئيس مجلس الشورى المصري، وعددٍ من نواب الحكومة والمعارضة، والثاني تمّ في مبنى السفارة الأمريكية في القاهرة، وضمّ أيضاً ممثلي الإخوان، بالإضافة إلى ممثلين للحكومة والمعارضة على حدٍ سواء، وهذا أيضاً لقاء علني ومعروف سلفاً، وتمّ بدعوة من السفير الأمريكي، وبديهي أن ما هو مباح وحلال لنواب الأغلبية والمعارضة المصرية هو أيضاً مباح ومتاح لممثلي الإخوان، وإلاّ كانت معاييرنا مزدوجة؛ لأن الأمر ليس فيه شيء خطأ من الناحية الشكلية والجوهرية معاً قياساً على هذا المبدأ، ومن ثَمّ فإن الضجة التي حدثت إزاء تلك اللقاءات مفتعلة ومفتقرة إلى الموضوعية.

على أن للمسألة بعداً آخر خطيرٌ وهامٌّ لا عَلاقة له بالتجريم والتحريم الحكومي وهو: هل مثلُ تلك الحوارات واللقاءات مفيدة حقاً للإخوان؟ أم أنها في المحصّلة الأخيرة ضارةٌٌ بهم وبالحركة الإسلامية عموماً؟

في إطار اللقاء الأخير مثلاً الذي تمّ بين الكتاتني وهوير فإن السيناتور هوير نفسه حاول التنصُّل من تبِعة هذا اللقاء، وقال المتحدث الرسمي باسمه: إنه ليس له ذنب في اللقائين؛ لأن أحدَهما تمّ بناءً على دعوة رئيس مجلس الشعب المصري، والثاني تمّ بناءً على دعوة السفارة الأمريكية في القاهرة للسيد سعد الكتاتني، وأن هوير لم يطلب لقاء الكتاتني على الإطلاق، وردّت السفارة الأمريكية على ذلك بقولها: إن دعوة سعد الكتاتني بالتحديد للقاء هوير في منزل السفير الأمريكي بالقاهرة تمت بناءً على رغبة السيناتور هوير شخصياً؛ إذن فإن الطرفين يتملّصان من هذا اللقاء!!

من طرف الإخوان فإن الأوساط الإخوانية اعتبرت اللقاء نقلةً إيجابيةً في السياسة الخارجية الأمريكية فهل هي حقاً كذلك؟

وبدايةً يجب أن نُقرّ أن الحوار بالفعل فريضة إسلامية، وأننا لا نرفض الحوار، شريطة ألاّ يكون حبٌ من طرف واحد، أو جريٌ وراء السراب.

ونحن هنا في باب نصيحة الإخوان المسلمين وليس التشنيع عليهم، فمن غير المعقول ولا المقبول لقاء الذين يقتلون أهلَنا في العراق وفلسطين، وأفغانستان والصومال، ويحاصرون السودان!! وإلاّ نكون بهذا نضرب المناضلين في تلك الأماكن في ظهورهم.

ومن ناحية ثانية فإن الموقف الاستراتيجي الأمريكي كان ولا يزال يرفض السماح لأي اتجاه إسلاميّ بالوصول إلى السلطة مهما كان معتدلاً، والتقرير الأخير الصادر عام 2007 لمؤسسة راند - وهى كبرى المؤسسات البحثية الأمريكية والتابعة لسلام الطيران الأمريكي - قال صراحةً: إنه ليس هناك معتدلون ومتطرفون في الحركة الإسلامية، وأنه وإن كان للحوار مع هذه الحركات بعض الفائدة؛ فإن أضرارها أكثر، وإن أمريكا لن تسمح بوصول هؤلاء إلى السلطة، بل وعرّفت الاعتدال بأنه: عدم الدعوة إلى الشريعة سراً أو علناً، وعدم اعتبارِها مرجعيةً، بل وضرورة الإعراب عن رفض تطبيقها، وكذلك ضرورة الاعتراف بإسرائيل، والقبول بالكيان الصهيوني، وعدم ممارسة أيِّ شكل من أشكال المناهَضة له.

وإذا كان هذا هو رأي الأمريكان ففيم يكون الحوار إذن؟ اللهم إلاّ أن يكون حباً من طرف واحد، أو جرياً وراء السراب.

كلمة أخيرة: هناك فرقٌ بين الرسالة الإعلامية الموجّهة إلى الشعوب الأخرى، وبين الحوار مع مسؤولين أمريكيين، وهذا أمر مفهوم طبعاً للإخوان ولغيرهم.

http://www.islamtoday.net:المصدر