اللعبة الانتخابية الفرنسية والحبل المشدود نحو الأطلسي!

ياسمينة صالح

1/4/1428هـ

السباق إلى الرئاسيات الفرنسية صار على صدر الصحف الأمريكية، كان غريباً بل ومفاجئاً أن تشن أهم الصحف الأمريكية القريبة إلى القرار السياسي حملة ضد المرشحة الاشتراكية "سيغولين غوايال" ربما لأنها كما قالت الواشنطن بوست تطالب بإعادة الهيكلة على الصعيدين الفرنسي والأوروبي لقطع الطريق أمام الهيمنة الأمريكية على البيت الأوروبي، بالخصوص بعد أن عادت قنوات تلفزيونية أمريكية مثل فوكس نيوز (القريبة سياسياً من البيت الأبيض) إلى الحديث عن فرنسا القديمة كما لو أنها تعاير بشكل مباشر المرحلة التي تعتبرها فاشلة تماماً بقيادة العجوز جاك شيراك، ليس هذا فقط بل المفاجأة من الطراز القوي أن شيراك نفسه أعلن دعمه الكامل لنيكولا ساركوزي، وهو الدعم الذي أثار الكثير من التساؤلات بالخصوص وأن نيكولا نفسه كان الصديق اللدود ليس لجاك شيراك فقط بل لسياسته ولمرحلته الرئاسية التي وصفها من قبل بالفاشلة، وبأنها أدت بفرنسا إلى "الاعوجاج" على حد تعبيره، صحف مثل اللوموند التي احتلها العديد من المفكرين الفرنسيين المنحازين بفظاظة إلى المحافظين الجدد الأمريكيين/ الصهيونيين؛ يعتبرون ساركوزي الحل المناسب، حتى لو أن القانون الفرنسي في النهاية لا يبدو "مسروراً" على وصول "أجنبي الأصلي" إلى قيادة دولة كولونيالية التاريخ مثل فرنسا: (لأن فرنسا ليست فريق كرة يقوده زين الدين زيدان قالها أحدهم متهكماً)، هو الانقلاب بنحو 180 درجة جعلت الحديث اليوم عن ساركوزي كأنه الرئيس القادم الذي سيفتح شعار الجمهورية السادسة على مصراعيها نحو التغيير ونحو التطور ونحو الإصلاح الشامل أمام تهجم أغلب الصحف الأوروبية التي بدورها انتقدت جاك شيراك، ومرحلته التي أثرت سلبياً على فرص التقدم بالنسبة لفرنسا وللاتحاد الأوروبي على حد قولهم، والحقيقة أن صحيفة مثل بيرن الألمانية لم تنتقد شيراك سوى لأنه أبدى تأييده غير المبرر لساركوزي الذي تعتبره نفس الصحيفة كارثة حقيقية لأنه سيؤدي إلى انحياز فرنسا للدور الأمريكي في العالم، وبالتالي سيرمي فرنسا كلها بين أحضان الحلف الأطلسي بكامل الشروط والتنازلات التي - قبل أربعين سنة - كان الجنرال شارل ديغول يعدها خيانات مغلفة لا يمكن لدولة صنعت ثورة أوروبية كبيرة أن تنحاز إليها، ولكن شيراك يبدو وكأنه أراد أن ينتقم من الاشتراكيين الذين انتقدوه انتقاداً وصل إلى البحث عن بعض الأسرار الشخصية لفضحها أمام الملأ بالخصوص فيما يتعلق بالعلاقة الخاصة جداً التي كانت تجمعه بالرئيس المعدوم صدام حسين بوصفها علاقة نهب ومساهمة في الصمت على الجرائم، برغم ذلك لم يكن يعارض شيراك الحرب على العراق إلا حين فقد مصالحه الخاصة في طريقة التوجه الأمريكي لتلك الحرب ضد ذلك البلد.

 

موتور التحرك نحو اليمين!:

قبل فترة سابقة وبعد أن أعلن الرئيس شيراك عن عدم رغبته في الترشح لفترة رئاسية أخرى بعبارة "تعب من السياسة" التي تداولتها الصحف الفرنسية؛ أعلن رئيس مؤسسة (Heritage Foundation) الأمريكية والقريبة جداً من بول وولفويتز (رئيس مؤسسة النقد الدولي) أن شيراك لأول مرة منذ سنوات يمارس عقلانية الانسحاب بشرف، بيد أن عبارة "بشرف" سرعان ما صارت "تعني تقييماً ذكياً للمرحلة القادمة" خاصة بعد أن أعلن شيراك شخصياً تأييده لساركوزي، بمعنى أن كل الحزب (والأحزاب) التي وقفت إلى جانب شيراك وسياسته ستساند اليوم بشكل غير مشروط ساركوزي لأجل قطع الطريق أمام اليمين المتطرف الذي يقوده "جون ماري لوبين"، والذي لم يتغير لا في برنامجه السياسي، ولا في خطابه التهديدي، ولا في نبرته المطالبة بتصفية اللافرنسيين بمعنى طرد الأجانب من فرنسا دون أدنى رحمة أو شفقة، تلك هي السياسة التي تغلفها الكثير من الشعارات المبهرجة التي يحملها جون ماري لوبين لتغطية عورات ضغينته الكبيرة ضد الأجانب، وضد العرب والمسلمين بالخصوص، لكن الغريب بل السخيف أن ساركوزي في خروجه إلى الناس مؤخراً أطلق عبارة "وزارة المهاجرين"، والتي تعني أنه بدوره سيضع المهاجرين في إطار "شرعي" كما تقول صحيفة اللموند، بحيث أن الإطار الشرعي هو القفص القانوني الذي سيسير بموجبه المهاجرين ببطاقة زرقاء تتحدد على أساسها إن كان يحق لهم البقاء أو لا، وإن كان هذا الاقتراح "النابغة" من ساركوزي قد أثار إعجاب أكثر من ثلاثين بالمئة من الذين سألتهم اللوموند؛ إلا أن هؤلاء كأنهم نسوا أو تناسوا أن ساركوزي نفسه مهاجر، وأنه من أصل يهودي مجري (من هنغاريا)، وأنه إن طبق ذلك القانون فسوف يدخل إلى قفص "وزارة المهاجرين" من باب "أولى بالتطبيق" ولكنه هيهات إن كان هذا المهاجر سيصبح رئيساً على جمهورية التناقضات والألاعيب السياسية التي استطاعت أن تضحك على العالم كله بشعار "الحرية المطلقة"؛ لأن الذين سيدفعون الثمن هذه المرة هم أنفسهم الذين يتفق هؤلاء الفرنسيون على وضعهم في القفص: أي في قفص المهاجرين العرب، والأفارقة والآسيويين (غير الفاعلين وعددهم أكثر من 6 ملايين على حسب إحصائية خيالية حملتها الليبراسيون المعروفة بتطرفها وحقدها على العرب وعلى السود بالخصوص)، لكن المخيف ليس في هذا فقط؛ بل في الاهتمام المبالغ فيه الذي توليه شخصيات أمريكية فاعلة في البيت الأبيض للحملة الانتخابية الفرنسية، بحيث أن العديد منهم زاروا فرنسا "للسياحة"، والحال أنهم لم يختاروا السياحة إلا في هذا الوقت من الحملة الانتخابية المفتوحة على أكثر من احتمال، أهمها: أن يتم تعديل الدستور الفرنسي بمجرد وصول الرئيس الجديد إلى الحكم، بحيث سيكون القانون الجديد مناسباً ليس للحركيات الأوروبية بل للحركيات الأمريكية والتي تسعى من خلالها إلى رسم رزنامة جديدة من حرب يقال أنها قادمة في المنطقة، وستكون فرنسا طرفاً (مباشراً أو غير مباشر فيها).

 

حملة كشفت الكثير من المستور!

لعل أكثر وأهم ما كشفته الحملة الانتخابية الفرنسية (إن صح تسميتها هكذا) هو الدور الأمريكي غير المسبوق في تحديد ملامح الرئيس الجديد، وإن كانت باريس قد ظلت ترفض هذا النوع من الوصاية من الخارج لسنوات وحقب طويلة تحت شعار الثورة الفرنسية؛ كبنود يتأسس على أغلبها الدستور الفرنسي، إلا أنه في هذه المرة تبدو الأمور سائرة إلى حالة من الاختلاف عن السابق بحيث أن الصحف الأمريكية وبشكل علاني تهاجم مباشرة المرشحة الاشتراكية سيغولان روايال بطريقة غريبة، وربما سابقة من نوعها بهذه الشراسة التي تخوضها بالخصوص الأقلام المنحازة إلى الجمهوريين وإلى المحافظين الجدد، ليس هذا فقط فقد كشفت الحملة الانتخابية انحيازاً مغلفاً "بحرية التعبير" في الصحف الفرنسية نفسها التي تسعى إلى ترجمة أهم ما يكتب في نظيرتها الأمريكية فيما يخص "مستقبل فرنسا" و"الحكم الفرنسي القادم"، وكأنها تمارس حالة مساندة "غريبة" لأسماء ومفكرين فرنسيين يساندون بدورهم ساركوزي، ويساندون التجربة الأمريكية في طرح فكرة المحافظين الجدد، وهو الذي ظل شيراك نفسه رافضاً له في سنوات ماضية خوفاً من انجراف فرنسا نحو نفس الفكر الأمريكي المتطرف الذي استساغ الحرب الصليبية بشكلها "الديمقراطي" (أي تحت شعار نشر الديمقراطية في العالم)، بالخصوص وأن القاسم المشترك بين فرنسا وأمريكا يكمن في الهاجس "الكولونيالي" للأولى، والهاجس الإمبريالي الاحتلالي المهيمن للثانية، لكن قوى الضغط تبدو أمريكية أكثر منها فرنسية، والتوازن بين البلدين مختل كثيراً، ويصب في صالح الأمريكيين الذين يعرفون جيداً أنهم قادرين على استغلال أكثر من ورقة لصالحهم منها ورقة الإعلام الفرنسي الذي تقوده من سنتين شخصيات تسعى إلى خلق جو "صهيوني" متعاطف مع " القضية اليهودية" في محاربة الإرهاب الفلسطيني المدعوم من قبل "تنظيم القاعدة" كأشهر نكتة سخيفة أطلقها "سيمون ليفي" الموظف السامي في السفارة الإسرائيلية في باريس، ولأنها شروط لا يمكن تأسيسها في ظروف رافضة للهيمنة الأمريكية، ورافضة للدور الذي يقوم به الحلف الأطلسي، بل ورافضة للدور المشبوه لأغلب الجمعيات والمنظمات الإنسانية الأمريكية التي كشف عن بعضها بأنه جزء لا يتجزأ من مكتب التحقيقات الفدرالية الأمريكية، ومكتب الاستعلامات الأمريكي، والبنتاجون؛ مثل هيئة " B'nai B'rith International " الذي تم الكشف أن جون بولتون (السفير الأمريكي السابق في الأمم المتحدة) عضو سري في الفريق العامل فيها، ليس هذا فقط بل سفير إسرائيل في الأمم المتحدة "دان غيليرمان" عضو سري فعال فيها أيضاً، إلى جانب شخصيات قيل أنها تتكون من ضباط بارزين في الشاباك الإسرائيلي، وفي مكتب الاستخبارات (الموساد)، مع العلم أن هذه الهيئة تنشط بشكل كبير في دارفور في الوقت الحالي، وتسلل نشاطاتها قبل عامين إلى الصومال أيضاً تحت غطاء الدعم الإنساني للمنكوبين ولضحايا الحروب، لهذا تبدو الأمور على وضوحها معقدة أمام أولئك الذين يعتقدون أنها لن تكن صعبة في اختيار الرئيس النزيه للجمهورية السادسة، بالخصوص إن استطاع ذلك الرئيس أن يلم حوله العديد من العرب من أصل مغاربي (كالناطقة باسمه الجزائرية الأصل)، والمستشار لديه المغربي الأصل، وغيرهم من العرب الذين وضعهم لتزيين الواجهة الأمامية لحملة انتخابية شعارها: كل شيء واضح، وليس عليك سوى تتبع النهاية المقبلة، والتي ستكون وجهاً جديداً لفرنسا (الكلونيالية) المتعطشة للعب الدور من جديد بأدوات جديدة بعيدة كل البعد عن شعارات "الثورة الفرنسية" التي أكل عليها الزمن وشرب!

http://www.almoslim.net:المصدر