ألمانيا والإسلام.. شد وجذب

وائل الأجهوري

16 ربيع الأول 1428هـ الموافق له 3- 4- 2007م

تعيش ألمانيا حالة من الانفصام في تعاملها مع الإسلام، ففي الوقت الذي يعاني فيه المسلمون من العديد من المشكلات الناتجة عن انتمائهم للدين الإسلامي؛ نجد إحدى الولايات الألمانية تقر تدريس الإسلام في مدارسها لمزيد من التعرف على الإسلام والحوار معه.

الغريب في الأمر، والذي يدلل على هذا التناقض؛ أنه في الوقت الذي أقرت ولاية بادن فورتمبرج إدخال حصة للدين الإسلامي في مدارسها نجدها من أوائل الولايات الألمانية إن لم تكن أولها على الإطلاق التي سارعت باستصدار قانون مؤيد بحكم المحكمة العليا يعيق ويمنع أية معلمة من ارتداء الحجاب, وينص القانون على تخيير المعلمة المسلمة بين ارتداء الحجاب أو التخلي عن وظيفتها، ولعل الأمر الأغرب هو أن سبب رفض الحجاب من قبل مسئولي الولاية هو - بحسب رؤيتهم - أن المدرّسة التي ترتدي الحجاب تشجع الطالبات بصورة غير مباشرة على ارتدائه باعتباره رمزاً دينياً، وهو ما يؤكد سوء الفهم الألماني للإسلام، وعدم قدرتهم على التفريق بين الرمز الديني والفريضة الدينية.

القضية التي يجب أن نسلط عليها الضوء، ويجب على العالم العربي والإسلامي أن يهتم بها هي: قضية كيف يتم تدريس الإسلام في هذه المدارس؟! هل هو الإسلام كما هو في حقيقته، أم هو الإسلام كما يريده الغرب؟! الإسلام الذي يعطي كل ذي حق حقه، أم الإسلام الذي يتخذه الغرب ذريعة لكيل الاتهامات بالإرهاب والتطرف؟! ونرى أنه على الهيئات والمنظمات الإسلامية - ولاسيما المعنية بصورة الإسلام في الغرب - أن تتواصل مع تلك الولايات التي تقر تدريس الإسلام، ويعقد معها اتفاقيات لتبادل المترجمين والمعلمين التربويين الإسلاميين المؤهلين الذين يجيدون اللغة الألمانية، وفي نفس الوقت على دراية وفهم جيد بجوهر الدين الإسلامي، وقادرين على تصحيح صورته.

وبمناسبة انتهاء أول فصل دراسي لتدريس الدين الإسلامي بولاية "بادن فورتمبرج" الألمانية أجرت مجلة دير شبيجل حواراً مع "هيلموت راو" وزير التعليم المحلي بالولاية أجاب خلاله عن تقييمه للتجربة، وكيفية تطويرها, وفيما يلي ترجمة كاملة للحوار:

* دير شبيجل: السيد الوزير, سوف تقوم مساء اليوم خلال اجتماع مع نظرائك من الاتحاد المسيحي الديمقراطي، والحزب الاشتراكي الاجتماعي؛ بمناقشة تجربة تدريس الدين الإسلامي في المدارس الألمانية، وهو ما يعتبر تجربة فريدة وغير مسبوقة لديكم في بادن فورتمبرج ترى ماذا يمكنك أن تقوله لنا في هذا السياق؟!

راو: لقد بدأنا تطبيق هذه التجربة في نحو 12 مدرسة ابتدائية؛ منها 10 مدارس تقوم بتدريس المذهب السني، واثنتان تدرسان المذهب العلوي الشيعي، منذ شهر سبتمبر الماضي بعد استعدادات محكمة، وترتيبات مجهدة ومضنية دامت لنحو ست سنوات؛ كانت أحياناً تؤثر في أعصابنا، وقد جاءت النتائج الأولية مشجعة إلى حدٍ كبير, حيث كشفت بوضوح عن أن الطلاب يقبلون على حضور حصة الدين الإسلامي بحماس، حيث أصبح الدرس الإسلامي جزءاً مقبولاً ومعترفاً به في منظومة التدريس بالمدارس الابتدائية، وقد كان تقييم التجربة في بدايتها أمراً غاية في الأهمية بالنسبة لنا، ويقوم بالتدريس في هذه الحصص مدرسون مدربون بالتعاون مع أشخاص تربويين آخرين، وتشهد حصص الدين الإسلامي المزيد من الإقبال بين الطلاب, حيث إننا تلقينا العديد من الطلبات - بزيادة عن العام الماضي - من قبل الطلاب للمشاركة في هذه الحصص من العام الدراسي القادم.

 

* دير شبيجل: كيف تمكنتم من العثور على مدرسين يقومون بتدريس هذا التخصص للطلاب الألمان؟!

راو: يعمل في ولاية بادن فورتمبرج نحو 110 آلاف مدرس؛ من بينهم مسلمون أيضاً, ولقد بحثنا عن مدرسين مدربين ولديهم الاستعداد للعمل في تدريس الدين الإسلامي, وهو ما ساهم في نجاح التجربة حتى الآن.

 

* دير شبيجل: من الذي يقوم بوضع المناهج التي يتم تدريسها خلال حصص الدين الإسلامي؟!

راو: لقد تم التنسيق بين أحد أساتذة التربية في جامعة كارلسروهي بالتعاون مع ممثلين عن المنظمات الإسلامية في ألمانيا لوضع خطة لتدريس هذه المادة، ولم يكن الأمر سهلاً؛ لأن المسلمين ليست لديهم مرجعية عليا يمكن الرجوع إليها في المسائل الدينية بألمانيا, وقد خضعت التجربة بأكملها لإشراف وزارة الثقافة، وقد راعينا أن تكون حصة الدين الإسلامي خاضعة للرقابة التعليمية, وأن تكون باللغة الألمانية, وأن يكون مدرسو المادة ليسوا من خارج هيئة التدريس بل يكونوا أحد أعضائها.

 

دير شبيجل: أعلنت بعض المنظمات الإسلامية مؤخراً عن وجود خطة لديها للاندماج في منظمة واحدة يخوّل إليها التحدث باسم المسلمين في ألمانيا، هل تأملون في الحصول على دعم من هذه المنظمة الإسلامية الموحدة المزمع تكوينها والتعاون معها؟!

راو: هذا أمر جيد إذا ما حدث بالفعل؛ لأنه سوف يتيح لنا الفرصة في توفير الجهد المبذول من قبلنا كهيئات ومؤسسات ألمانية للتنسيق بين الجماعات الإسلامية المتعددة، وحينها سوف نتمكن من الحوار والتنسيق المباشر مع هذه المنظمة.

 

* دير شبيجل: متى تقومون بإدخال حصة الدين الإسلامي بولاية بادن فورتمبرج كمادة دراسية أساسية منتظمة؟!

راو: تجربتنا مقرر لها أن تستمر أربع سنوات, وسوف ننتهي منها عام 2010، وأنا لا أدري كيف سيكون تقييمنا للتجربة في عام 2010، وإذا ما كانت ستكون كافية أم نضطر لتمديدها، ولكن ما يمكنني قوله في الوقت الراهن هو أن التجربة تشهد تطوراً من أجل إنجاحها, حيث من المقرر أن يشهد الفصل الدراسي الشتوي القادم فتح باب القبول بكليتيْ التربية في كارلسروهى ولودفيجسبورج, وربما كلية ثالثة للتدريب على تدريس الدين الإسلامي، فإذا ما كنا نرغب في تعميم التجربة، وتوسيع نطاقها؛ فإننا نحتاج إلى إعداد جيد وسليم للمدرسين يضمن استمرارية التجربة ونجاحها.

 

* دير شبيجل: ما موقف الاتحاد المسيحي الديمقراطي من هذه القضية؟!

راو: الأمر ليس له علاقة باليمين واليسار, فنحن في التحالف الحاكم نولي عناية كبيرة بالتربية الدينية لأطفالنا, وهو واجب المدارس, وحينما نتحدث عن الأمر بجدية فإنه أيضاً واجبنا تجاه أطفال المسلمين الذين يعيشون داخل بلادنا، وفي حاجة للتربية الدينية التي تتناسب مع الديانة التي يعتقدونها.

وعن قضية أخرى تصدرت العديد من الصحف والمجلات الصادرة في ألمانيا خلال الأسبوع الماضي بعناوين: "فضيحة قضائية.. حكم قضائي يستند إلى القرآن"، "الإسلام وقهر المرأة"، "ويتواصل الإرهاب في بيوت المسلمين"، "قاضية ألمانية تبرر عنف الأزواج ضد الزوجات استناداً إلى قرآن المسلمين" تحكي لنا مجلة دير شبيجل الآتي:

إنه يضربها بل إنه يهددها بالقتل، إنها امرأة مغربية ذات أصول ألمانية كانت ترغب في الطلاق السريع من زوجها في أسرع وقت ممكن، إلا أن القاضية التي تنظر المشكلة رفضت طلب الطلاق بدعوى أن كتاب المسلمين المعروف لديهم بالقرآن يبيح التأديب البدني للزوجة من قبل زوجها.

وتابعت المجلة رصدها للواقعة التي اعتبرتها فضيحة غير مسبوقة بأنها قصة شاذة وخارجة عن المألوف في مجتمع غربي لا يدين بالإسلام، ويتخذ من المسيحية شعاراً له، أم تبلغ من العمر 26 عاماً، ولديها طفلان، وأرادت أن تتخلص من زواجها عن طريق الطلاق، وقد أكدت الشرطة أن زوجها المغربي يقوم بضربها بالأيدي, وأن الشرطة قد حضرت إلى مسكنهم في مايو 2006 لفض اشتباك نشأ بينهما، واضطر زوجها إلى ترك منزل الزوجية, لكن الإرهاب يتواصل حيث هددها بعد الانفصال المكاني بينهما بقتلها والتخلص منها.

إلا أن القاضية رفضت الطلاق بدعوى أن القرآن يبيح ضرب المرأة, وأن هناك سورة تسمى بسورة النساء تقول الآية رقم 34 فيها: ((الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً)).

الطلاق السريع بدا وكأنه الحل الوحيد, ولم ترغب السيدة المغربية في البقاء بعيداً عن زوجها وهي على ذمته, ورأت أنها عندما تحصل على الطلاق فإنه لن يكون بإمكانه أن يؤذيها، لذا تقدمت عن طريق محاميتها إلى محكمة مدينة فرانكفورت الابتدائية بطلب للحصول على الطلاق السريع في نهاية أكتوبر الماضي، وقد كانت المحامية وموكلتها على يقين من الحصول على حكم بالطلاق استناداً إلى اعتدائه البدني عليها، وتهديده لها بالطلاق كما هو الحال في قضايا الطلاق الأخرى.

وفي يناير تلقت السيدة المغربية خطاباً من القاضية الدائمة بمحكمة فرانكفورت وهو الخطاب الذي يمثل فضيحة بدرجة امتياز - حسب وصف المجلة -، حيث جاء في الخطاب أنه استناداً للقرآن رفضت القاضية محاولة الطلاق من جانب السيدة المغربية، مضيفة أن تأديب الزوج لزوجته لا يبرر اتخاذ إجراء عنيف طبقاً للمادة 1565 من الدستور الألماني، وأنه يجب الأخذ في عين الاعتبار أن الزوجين من أصول مغربية, وهو ما يعني وجود ثقافة مشتركة ينهما.

وقالت المحامية: إنه نظراً لأن القرآن يسمح للرجل بضرب زوجته رفضت القاضية الألمانية طلب تطليق المرأة التي يضربها زوجها، مفسرة "حق التأديب" بحق الضرب.

وطالبت المحامية الصحافة ووسائل الإعلام بالتدخل، وإثارة القضية، وتحويلها إلى قضية رأي عام, على اعتبار أنها المرة الأولى التي تستند قاضية ألمانية على القرآن, وأنها فزعت من خطاب القاضية لأنها لم تقابل في حياتها مثل هذا التصرف الغريب من القضاء الألماني.

وقد أثارت هذه القضية موجة من الانتقادات داخل ألمانيا باعتبار أنه لا يجوز الاستناد في الأحكام القضائية إلى غير الدستور الألماني، وهو أمر ربما يكون له ما يبرره لديهم باعتبارهم دولة مسيحية علمانية ليس لها علاقة بالإسلام, إضافة إلى أن الدول التي تتخذ من الإسلام ديناً رسمياً لها لا تعتمد في الغالب على القرآن في أحكامه, فما بالك بدولة مثل ألمانيا.

إلا أن الأمر غير المبرر الذي دأبت عليه الدول الغربية هو أن تتخذ من أية واقعة ذريعة لمهاجمة الإسلام وأهله، واتهامهم بالتخلف والرجعية، وانتهاك حقوق الإنسان والمرأة، حيث يجد المتابع للإعلام الألماني أن الكثير من هذه الوسائل حولت دفة الموضوع من مجرد قاضية استندت إلى فهم منقوص لنص قرآني في إصدار حكمها إلى قضية ظلم المرأة في الإسلام ووحشية المسلمين الهمج الذي يضربون زوجاتهم, بل أكثر من ذلك فإن دينهم هو الذي يأمرهم بهذا.

وتثير هذه القضية مجموعة من الأسئلة يجب التوقف عندها، ومحاولة التوصل إلى إجابة لها: ما موقف المسلمين ومؤسساتهم من مثل هذه الافتراءات؟! ما الذي يدفع قاضية ألمانية إلى الاستناد في حكمها على نص قراني؟! هل هو التشويه المتعمد لصورة الإسلام، أم أنه سوء فهم حقيقي من جانبها؟!

وقد قررت المحكمة في فرانكفورت إعفاء القاضية من نظر القضية، وإسنادها إلى قاضية أخرى, وهو ما ربما يولد شعوراً بأن الهدف كان إثارة قضية ضرب المرأة في الإسلام.

 

استياء حقوقيين من الحكم:

وقد أبدت "كريستا شتوليه" مديرة منظمة "تيريه ديس فيميس" لحقوق المرأة غضبها الشديد لمنطوق الحكم قائلة: "إنه أمر غير معقول أن تستند قاضية في ألمانيا على القرآن في إصدار حكمها"، وطالبت باتخاذ إجراءات عنيفة وقوية مع هذه القاضية, معتبرة أن الأساس الذي قام عليه الحكم يمثل ضربة قاصمة، وشراً وبيلاً على كل النساء اللاتي يحاولن الانفصال عن أزواجهن الذين يقومون بضربهن، وأتمنى أن تكون هذه الحالة استثناءً، وألا تشهد ألمانيا حكماً مشابهاً في قضايا أخرى مماثلة.

http://www.islammemo.cc:المصدر