أسباب الثورة ضد الكنيسة (7)
وبعد أن استعرضنا مسلك الكنيسة في تحريف العقيدة وكذلك تحريف الشريعة؛ كان لا بد من إلقاء الضوء على الأسباب التي جعلت الناس تشعر بالسخط تجاه الكنيسة، مما أدي بدوره بعد ذلك عبر مرور العقود والقرون إلى قيام الثورات ضد الكنيسة، ومن أهمها الثورة الفرنسية عام 1789م، هذا إلى جانب عرض الممارسات العملية لعملية التحريف النظري الذي قامت به الكنيسة، وماذا كان أثره بعد قيام الثورات ضدها؟
وبداية وقبل الشروع في تعديد تلك الأسباب يجب أن نبين أن مرجع تلك الأسباب يتمحور حول عنصرين أساسيين:
1- طمع رجال الكنيسة وفسادهم الديني.
2- تفتح العقل الغربي، والذي كان من أهم أسبابه الاحتكاك بالعالم الإسلامي من خلال الحروب الصليبية، كذلك الحضارة الإسلامية التي قام بها المسلمون في الأندلس.
أما تفصيليًا فكانت أسباب الثورة على الكنيسة ترجع إلى:
1- طغيان الكنيسة وكان له صور عدة الطغيان الروحي والعقلي الطغيان المالي الطغيان السياسي الطغيان العلمي(وهو من أهمها)).
2- فساد رجال الدين، وما كان من فضائح أخلاقية في الأديرة.
3- محاكم التفتيش.
4- مساندة الكنيسة لنظام الإقطاع.
أولًا: طغيان الكنسية:
حين يصدر الطغيان من حاكم وثني أو زعيم دنيوي؛ فإنه يكون معقولًا إلى حد ما، وإن كانت فظاعته لا يسوغها عقل ولا ضمير، أما حين يصدر الطغيان عن رجال يراهم الناس قديسين ورسل سلام وطلاب للآخرة، فذلك مما يشق على النفس احتماله، ويبعد عن الذهن قبوله؛ لا سيما إذا كان رجال دين يجعلون المحبة شعارهم، والتسامح ميزتهم، ويقولون لأتباعهم: (من لطمك على خدك الأيمن فأدر له الآخر أيضًا، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضًا، ومن سخرك ميلًا واحدًا فاذهب معه اثنين)((1)).
وذا نظرنا في الأحقاب التاريخية المتوالية سنجد أن الكنيسة لن تدع جانبًا من جوانب الحياة دون أن تمسكه بيد من حديد، وتغله بقيودها العاتية، فهيمنت على المجتمع من كل نواحيه الدينية والسياسية والاقتصادية والعلمية، وفرضت على عقول الناس وأموالهم وتصرفاتهم وصاية لا نظير لها البتة، وإن التاريخ ليفيض في الحديث عن طغيان الكنيسة، ويقدم نماذج حية له في كل شأن من هذه الشؤون، ولنستعرض شيئًا من ذلك في نواح مختلفة من الحياة:
صور الطغيان الكنسي:
1- الطغيان الروحي:
سبق أن أشرنا إلى الاضطهاد البالغ الذي تعرض له أتباع السيد المسيح - عليه السلام - من بعده، ذلك الاضطهاد الذي أدَّى إلى تحول الدعوة المسيحية إلى دعوة سرية، فاختفى الكثير من دعاتها، وتستروا في أقاليم مختلفة وأخفوا معهم نسخ الأناجيل، بل دونوا الأناجيل آنذاك، وكتبوها بلغاتهم الخاصة، وظلوا يتناقلون نسخها سرًا، إذ كانت تتعرض للحرق والمصادرة من قبل الروم، وكان الداخل الجديد في دينهم يأخذ عنهم التعاليم مشافهة بعد ترجمتها إلى لغته الدارجة، ثم يبثها في بني قومه سرًا، وكان إذا أشكل عليهم أمر رجعوا إلى الداعية الذي يملك نسخة لأحد الأناجيل، فيبين لهم رأي الإنجيل أو رأيه الخاص في ذلك الأمر.
ولم يكن الدعاة يسمحون للأتباع بتمليك النسخ أو يطلعونهم عليها خشيةً على أنفسهم وعلى الكتب أيضًا، بالإضافة إلى كون عقلية الأتباع وظروف البيئة لم تكن تؤهلهم للأخذ المباشر أو الاستنباط والاجتهاد الذاتي، ويزداد الأمر صعوبة إذا كانوا يجهلون اللغة التي كتب بها الإنجيل، كل ذلك أدى إلى انحصار المصادر الدينية للمسيحية في أيدي فئة قليلة من الناس، واقتصار حق شرحها وتأويلها عليهم وحدهم.
ولما انقضت عصور الاضطهاد، واعتنقت الدولة الرومانية الدين الكنسي؛ احتفظ رجال الكنيسة بحق قراءة وشرح الكتب المقدسة، وأيَّدتهم الدولة في ذلك؛ لتجمع رعاياها على عقيدة واحدة بإتاحة الفرصة للكنيسة للقضاء على الفرق المنشقة، والذي حدث هو أن رجال الكنيسة روثوا عن أحبار اليهود صفاتهم الممقوتة؛ من التعصب الأعمى، واتباع الهوى واحتكار الرأي.
وهكذا ظلت مصادر الدين الكنسي حكرًا عليهم لا تقع عليها يد لباحث أو ناقد من غير رجال الدين، وكان باستطاعة الكنيسة أن تفرض كل شيء باسم الإنجيل وهى آمنة من أن أحدًا لن يقوم حيالها بأدنى معارضة، حيث كانت الغالبية العظمى من الروم وسكان مستعمراتهم من الأميين السذج، الذين ألفوا العبودية والخضوع المستمر للقوى المسيطرة، وكانوا من الضحالة الفكرية إلى درجة ليست قليلة، وكان سكان أوروبا عبارة عن قبائل همجية، تعيش في أسوأ مراحل التاريخ الأوروبي كله، لا سيما العصور الأولى من القرون الوسطى، التي تسمى العصور المظلمة.
لذا كان لرجال الدين سلطان روحي طاغٍ على الناس بوصفهم الوسطاء بينهم وبين الله((2))، فالطفل لا يعد مسيحيًا حتى يعمد، والتعميد لا يتم إلا على يد كاهن، ومن ثم تبدأ حياة المسيحي بتلك الوساطة الكهنوتية التي تدخله -ابتداءًا- في الدين، ثم يظل حياته كلها مرتبطًا بالكاهن؛ هو الذي يزوجه، وهو الذي يصلي به صلاة الأحد في الكنيسة، وهو الذي يتقبل اعترافه بخطاياه ويتقبل توبته!! ثم هو الذي يصلي عليه في النهاية حين يموت.
فهو من مولده إلى مماته مرتبط بالكاهن ذلك الرباط الذي يمثل في حسه الصلة التي تصل قلبه بالله، ولا يستطيع مهما كانت حرارة وجدانه أن يعقد صلة مباشرة بالله بعيدة عن سلطان الكاهن، أو غير معرضه لتدخله في أي وقت من الأوقات، وهذا إلى جانب الأسرار المقدسة ((3))التي جعلتها الكنيسة معيارًا للإيمان وجعلت المتكلم في صحتها من المهرطقين ((4)).
وعززت الكنيسة سلطتها الدينية الطاغية بادعاء حقوق لا يملكها إلا الله، مثل حق الغفران، وحق الحرمان، وحق التحلَّة((5))، ولم تتردد في استعمال هذه الحقوق واستغلالها، فحق الغفران أدَّى إلى المهزلة التاريخية صكوك الغفران السالفة الذكر، وحق الحرمان عقوبة معنوية بالغة كانت شبحًا مخيفًا للأفراد والشعوب في آن واحد.
فأما الذين تعرضوا له من الأفراد فلا حصر لهم، منهم الملوك أمثال فردريك ((6))، وهنري الرابع الألماني((7))، وهنري الثاني الإنجليزي، ورجال الدين المخالفين من آريوس((8)) حتى لوثر((9))، والعلماء والباحثون المخالفون لآراء الكنيسة من برونو ((10)) إلى أرنست رينان ((11)) وأضرابه.
وأما الحرمان الجماعي فقد تعرض له البريطانيون عندما حصل خلاف بين الملك يوحنا ملك الإنجليز وبين البابا، فحرمه البابا وحرم أمته، فعطلت الكنائس من الصلاة، ومنعت عقود الزواج، وحملت الجثث إلى القبور بلا صلاة، وعاش الناس حالة من الهيجان والاضطراب، حتى عاد يوحنا صاغرًا يقر بخطيئته ويطلب الغفران من البابا، ولما رأى البابا ذله وصدق توبته رفع الحرم عنه وعن الأمة!! ((12)).
على أن الكنيسة لم تقتصر على هذا، بل طبقت عمليًا ما يثبت إصرارها على الطغيان، وحشدت الجيوش الجرارة لمحاربة من سولت له نفسه مخالفة آرائها أو اعتنق ما يخالف عقيدتها، ولا نعني بذلك المسلمين أو اليهود، بل الطوائف النصرانية التي اختلفت مع الكنيسة في قضية من قضايا العقيدة أو الشريعة.
ومن أوضح الشواهد على ذلك في العصور الوسطى ما تعرض له الكاثاريون و الوالدونيون الذين لم يتخلوا عن الدين، بل كانوا يطالبون بحياة مسيحية حقيقية، تستمد مقوماتها من الكتاب المقدس نفسه، وأنكروا على الكنيسة ثراءها ودنيويتها، ومع ذلك فقد أعلنت الكنيسة الحرب عليهم، وحرَّض البابا أنوسنت ((13)) على حرب صليبية- كما وصفها المؤرخ الإنجليزي ويلز- ضد هذه الشيع، وأذن لكل نذل زنيم أو متشرد أثيم أن ينضم إلى الجيش، وأن يعمل السيف والنار واغتصاب الحرائر، ويرتكب كل ما يمكن أن يتصوره العقل من أنواع انتهاك الحرمات.
ويعلق المؤرخ الإنجليزي على ذلك بقوله: (القصص التي تروى عن هذه الحروب الصليبية تحكي لنا من أضرب القساوة والنكال البشع ما يتضاءل إزاء بشاعته قصة استشهاد المسيحيين على أيدي الوثنيين، وهي فوق هذا تسبب لنا رعبًا مضاعفًا لما هو عليه من صحة لا سبيل إلى الشك فيها، كان هذا التعصب الأسود القاسي روحًا خبيثًا، يتعارض تمامًا مع روح يسوع الناصري، فما سمعنا أنه لطم الوجوه أو خلع المعاصم لتلاميذه المخالفين له، ولكن البابوات كانوا طوال قرون سلطانهم في حنق مقيم ضد من تحدثه نفسه بأهون تأمل في كفاية الكنيسة الذهنية) ((14)).
و لا شك أن تلك الممارسات العملية قد جعلت الناس وخاصة في القرون الأخيرة التي كانت قبل الثورة العامة على الكنيسة- يحاولون التخاص من ربقة المسيحية بأن يكونوا ملحدين أو حتى كفارًا في وجهة نظر الكنيسة؛ هربًا من ذلك الإذلال الروحي، وكان لذلك أكبر الأثر في تقنين الحرية الدينية بعد ذلك.
و سنعرض في المقال القادم بإذن الله صور من أخرى من الطغيان الكنسي مع ربطه بنتيجته ذلك الطغيان في نفسية الرجل الغربي، وكيف كان أثر ذلك في القوانين والدساتير العلمانية التي تبعت الثورات ضد الكنيسة؟
----------------------------------------
((1)) متى، (5/40-42).
((2)) راجع بتوسع المقال الرابع من هذه السلسلة.
((3)) راجع بتوسع المقال السادس من هذه السلسلة.
((4)) والهرطقة هو لقب أطلقته الكنيسة على كل من يحاول المناقشة في الأسرار المقدسة، ويعني أنه من الضالين الكفار المغضوب عليهم من الكنيسة.
((5)) حق التّحلة هو حق خاص يبيح للكنيسة أن تخرج عن تعاليم الدين، وتتخلى عن الالتزام بها متى اقتضت المصلحة -مصلحتها هي- ذلك.
((6)) أكبر امبراطور في العصور الوسطى الأوروبية، كان في عصر الكامل الأيوبي، وجاء إلى الكامل الأيوبي، تقابلا في فلسطين وتخاطبا باللغة العربية الفصحى بدون مترجم.
((7)) إمبراطور جرماني قاوم جريجوري السابع، ثم خضع له.
((8)) كاهن إسكندري، انتشرت الأريوسية عند طوائف القوط واللومبارد، ودامت حتى القرن السابع.
((9)) مارتن لوثر (1483-1546)م، أبرز زعماء البروتستانتية، هاجمت نظرياته فساد الكنيسة الكاثوليكية، وخاصة بيع صكوك الغفران.
((10)) فيلسوف إيطالي من أوائل الرافضين لفلسفة أرسطو في علم الكون، اتهم بالإلحاد وأحرق سنة (1600)م.
((11)) المستشرق الفرنسي من كتبه (مستقبل العلم) و(تاريخ نشأة المسيحية) مات سنة (1892)م.
((12)) حرية الفكر، سلامة موسى، ص(56).
((13)) من البابوات المحرضين على الحروب الصليبية.
((14)) معالم تاريخ الإنسانية، (3/905).
12/7/ 1427هـ
7 /8/ 2006م