خبراء الجماعات الإسلامية بين الجهل والتجهيل

فرحان العطار

2/4/1428هـ

إلى وقت قريب ومصطلح الخبير يحظى بهيبة وحرمة تمنع المتسورين على حسابه، وظل عزيزاً عالي القامة يأبى أن يطأطئ لغير الجدير والمستحق، حتى أدرك بعض المفسدين خطورة هذا المصطلح، وإمكانية استغلال وقعه في النفوس لتمرير بعض الأفكار والتوجهات.

فأصبح بين كل مدة وأخرى يطل علينا من خلال بعض القنوات وجه جديد قد دون تحت اسمه بخط عريض (خبير الجماعات الإسلامية)، يخرجون علينا بأشكال وألوان شتى، لا ندري ما هي المؤهلات التي أهلتهم للحصول على هذا اللقب؟ وكيف تمت ولادتهم بين عشية وضحاها، وبفحص شروط القبول وجدنا بأن المظهر الخارجي والوسامة وحسن الشكل قد يكون أحد المؤهلات! أو يكون أحد المنتسبين لإحدى الجماعات سابقاً ولو بالنصرة والتأييد، ولو كان لا يفقه الحديث عن مسألة فقهية في زمنه الغابر، أو يكون أحد الساخطين على الدعاة والمصلحين، وبينهم وبينه سجالات ومنازلات، وهم في عامتهم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يتكلمون في الجماعات الإسلامية وأفكارها وأحوالها وظروفها ومستقبلها وماضيها وطريقة تعاطيها مع الأحداث والمستجدات.

العجيب بأن هذا الخبير يركز على هوامش وقشور على أنها منطلقات فكرية وقواعد يفسر على أساسها سلوكيات وتصرفات، وتتم دراسة مستقبل الفرق والجماعات على غير أساسها الصحيح، كما أن هذا الخبير ليس لديه أي رصيد من الخبرة والتجارب مع أعضاء تلك الجماعات ومناقشاتهم، فضلاً عن الغوص والتغلغل في أفكارها ومبادئها، والفحص الدقيق لتاريخها وخلفياتها.

ألا تعلم تلك القنوات أن من شروط الخبير أن يكون محيطاً بالماضي، قارئاً جيداً للتاريخ وسننه، مستشرفاً للمستقبل بما يملكه من معطيات ومعلومات، ملماً بالكليات والجزئيات، مستصحباً للسلبيات والإيجابيات، متحرراً من الحيف والظلم والهوى، متمتعاً بالمصداقية والجرأة والصراحة، ثم يكون بعد ذلك ذا خبرة طويلة وممارسة، قد تثقف مع تتابع السنين، وحنكته التجارب والأحوال.

إننا نعجب من هؤلاء المتسمين بالخبراء كيف رضوا بهذا اللقب الذي لا يستحقونه، وكيف قبلوا أن يكونوا أداة يحركها من يشاء من خلف الكواليس ليحاربوا المعتقدات والمبادئ، في الوقت الذي نرى فيه بعض خبراء الغرب ومفكريه ينصفون بعض الأفكار وردود الأفعال كحق المقاومة، وظلم الغرب وتسلطه، والمساس بدين المسلمين والتعرض لنبيهم، وغير ذلك مما تزخر به ساحة الأحداث، يقولون هذا في وسط الاستعداء الغربي الرهيب على كل ما إسلامي، واستنفاره بكل ما يستطيع برسم صورة ذهنية سيئة عن الإسلام والمسلمين، حتى تكون هذه الصورة من البديهيات التي لا تقبل الجدل، ومع هذا لم يقبلوا بتأجير عقولهم لأحد مهما كان؛ لأنهم يعتبرونه خيانة للمهنية الإعلامية، ومن بني جلدتنا من يقول عبر الفضائيات ويحلل، وهو لا يدري ما يخرج من رأسه، ولا عاقبة ما يقول ولكن على ما قيل: "قيل لي فقلت"، بالرغم من نشأتهم في أكناف الإسلام ورياضه، ولامسوا عدله وسماحته، ثم يلصقون بأتباعه كل رذيلة، ويصمون جماعاته وأطيافه بكل ما هو قبيح، ويهولون من مستقبل تلك الجماعات بمصطلحات وعبارات تستفز المشاعر ضدها، ويضخمون دورها في نسج خيوط الخطر ودق ناقوسه، وكأننا أمام مجرمين وعصابات.

إننا لا نبرئ هنا أي جماعة أو منتسب لهذا الدين، ونرحب بكل نقد يساعد في البناء وتصحيح المسار، ولا ندعي العصمة لأحد بعد نبيها، بل قد نخالف كثيراً من الجماعات في كثير من سياساتها وطرائقها، بل نتبرأ وندين بشدة أي عمل يخلخل الأمن ويريق الدماء، ويفرق الجمع، ويبث الرعب والخوف في المجتمعات، ولكن ندعو إلى العدل والقسط الذي أمر الله به عند الحكم بين الناس، ولو كان من نتحدث عنه ظالماً أو كافراً فكيف بالمنتسبين لهذا الدين! في الوقت الذي لا نرى فيه متسلقاً في الجانب الاقتصادي أو الاجتماعي أو النفسي، ولو تسلق من لا علم له لجوبه بالركل والنعال، وغليظ القول والفعال، ولكن الجانب الإسلامي مصراعه مفتوح، وساحته ميدان للصعب والذلول، والسعيد والشقي، وتلك قاصمة الظهر.

والملاحظ أن هناك أشخاصاً يُلمعون، ثم يُزج بهم في فوهة تلك الشاشات ليدمر المبادئ والقيم، هدفه التشويه والتعميم ورسم النمطية السيئة عبر توليد منظم ومبرمج لأولئك الخبراء لبث السموم والأفكار ليتم إدراجها ضمن الكلام والحديث، لينتشر السم في سائر البدن، وأظن الاستعجال في هذا التوليد قد ساعد على فضحهم، وجعلهم أضحوكة للعقلاء.

وأخيراً فإن الساحة ساحة سجال، والميدان يستوعب الكثير، فكان لا بد من التنبه لهذا الخطر، والترتيب والإعداد لهذا الميدان، وفي نظري أننا نحتاج حالياً إلى العمل على محورين:

أولاً: فضح هؤلاء الخبراء، وإبراز مكامن الخطأ والخلل في تحليلاتهم، والتهوين من أمرهم، ولعل من ذلك ما حدث لبعضهم حين لم يفرق بين كتاب من كتب الفقه وبين باب من أبوابه، ثم ينكر على ذلك العالم الفاضل انشغاله بهذا الباب، كل هذا الوقت والمسكين لا يعلم بأنه يشرح الكتاب كاملاً لا الباب، إلى غير ذلك من نوادرهم وحماقاتهم، ولا ننسى تقديم النصيحة لهم، وإطلاعهم على ما يراد بهم ومنهم.

ثانياً: صناعة الخبراء الناصحين لهذه الأمة، واهتمام الجامعات والمحاضن العلمية بهؤلاء كي يقدموا للأمة الفكرة الناضجة التي تقوّم المسار وتفسح الطريق، مع الاهتمام بالخبراء الصادقين وإبرازهم، وتقديمهم على حساب أولئك المستأجرين، ولن يبقى آخراً إلا الصحيح ((فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)).

http://www.almoslim.net:المصدر