منهج السلف في تفويض الصفات ( 14 )
د. محمد عبد العليم الدسوقي
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
نكمل حديثنا عن ثاني الأسباب المفضية إلى عدم فهم كلام السلف على حقيقته في تفويض الصفات، فنقول مستعنين بالله:
إزالة اللبس عما ورد في عبارة الإمام أحمد:
ومجمل ما يمكن قوله أن «مراد السلف بإمرار الصفات بلا كيف أمران: الأول أن معنى قولهم (أمروها كما جاءت)، إبقاء دلالتها على ما جاءت به من المعاني، ولا ريب أنها جاءت لإثبات المعاني اللائقة بالله - تعالى -، ولو كانوا لا يعتقدون لها معنى لقالوا: (أمروا لفظها ولا تتعرضوا لمعناها) أو نحو ذلك كما سبق أن أشرنا.
الثاني: أن قولهم (بلا كيف) ظاهر في إثبات حقيقة المعنى، لأنهم لو كانوا لا يعتقدون ثبوته ما احتاجوا إلى نفي كيفيته، فإن غير الثابت لا وجود له في نفسه فنفي كيفيته من لغو القول..
وأما ما قاله الإمام أحمد في حديث النزول وشبهه: (نؤمن بها ونصدق، لا كيف ولا معنى)
فجوابه: أن المعنى الذي نفاه الإمام أحمد في كلامه هو المعنى الذي ابتكره المعطلة من الجهمية وغيرهم، وحرفوا به نصوص الكتاب والسنة عن ظاهرها إلى معانٍ تخالفه، ويدل على ما ذكرنا أنه نفى المعنى ونفى الكيفية ليتضمن كلامه الرد على كلتا الطائفتين المبتدعتين طائفة المعطلة وطائفة المشبهة»(1)..
كما يدل عليه قوله فيما أشبه كلامه في حديث النزول وعلى ما جاء في رواية حنبل: «يضحك الله ولا نعلم كيف ذلك»، ولم يقل ولا نعلم معنى ذلك، وقد سبق ذكر نص عبارته التي صرح فيها بـ «أنا لا نعلم كيفية ما أخبر الله به عن نفسه وإن كنا نعلم تفسيره ومعناه»، وكذا الكثير من نصوص كلامه المفصح عن أن هذا هو منهجه الذي لم يخرج فيه عما أجمع عليه السلف الصالح، وفي حقه وفي حق أمثاله يقول صاحب سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد:
وكل ما لــــه من الصفـــات *** أثبتــها في محــــكم الآيــات
أو صــح فيما قالــه الــرسول *** فحقــه التــسليم والقبــــول
نمـــرها صريحة كما أتــت *** مع اعـتقادنــا لما له اقتــضت
من غيــر تحريف ولا تعطيـــل *** وغيــر تكييــف ولا تمثيـــل
بل قـــولنا قول أئمــة الهـدى *** طــوبى لمن بهديهـم قد اقــتدى(2)
وهو واضح في وجوب إثبات كل ما أثبته الله لنفسه وأخبرنا باتصافه به في محكم آياته، أو أثبته له رسوله - صلى الله عليه وسلم - فيما صح عنه، وفي أن نقول في ذلك ما ذكره الله - تعالى -عن الراسخين في العلم حيث قال: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ (7) رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) [آل عمران: 7، 8]، ولا نضرب كتاب الله بعضه ببعض فنتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، بل نمرها على ظواهرها كما أتت عن الله - تعالى -وعن رسوله بنقل العدل عن العدل متصلاً إلينا من غير تحريف لألفاظها كمن نصب لفظ الجلالة في قوله - تعالى -: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) [النساء: 164] على المفعولية فراراً من إثبات الكلام له - تعالى -كما فعله الجهمية، ولا تحريف لمعانيها على مافعله الزنادقة في تأويلهم نفسه - سبحانه - بالغير معتبرين الإضافة إليه كإضافة البيت والناقة، - تعالى -الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
ومن غير تعطيل للنصوص بنفي ما اقتضته من صفات كمال الله - تعالى -ونعوت جلاله فإن نفي ذلك من لازمه نفي الذات ووصفه بالعدم المحض..
ولا تكييف أي تفسير لكنه شيء منها، كأن يقال: استوى على هيئة كذا أو ينزل إلى السماء بصفة كذا أو تكلم بالقرآن على كيفية كذا، ونحو ذلك من الغلو في الدين والافتراء على الله - عز وجل - واعتقاد ما لم يأذن به ولا يليق بجلاله وعظمته ولم ينطق به كتاب ولا سنة، ولو كان ذلك مطلوباً من العباد في الشريعة لبينه الله ولأفصح عنه رسوله، ولاسيما أنه صلوات الله عليه لم يدع ما بالمسلمين إليه حاجة إلا بينه وأوضحه..
ولا تشبيه لشيء منها بصفات خلقه على ما اعتقده ودان به أئمة الهدى من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من الأئمة كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأصحاب الأمهات الست وغيرهم من أعلام المسلمين قديماً وحديثاً ممن قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون.
والفطر السليمة تقضي بما جاء عنهم في هذا وتشهد بعلوه - سبحانه -، فترى كل من حزبه أمر يرفع يديه إلى العلو ويدعو الله - عز وجل -، وقد ورد في رفع اليدين في الدعاء أكثر من مائة حديث في وقائع متفرقة كما في أحاديث القنوت والاستسقاء وحديث دعائه على النفر الذين طرحوا على ظهره الشريف سلا الجزور وهو ساجد وحديث استغاثته ربه ببدر ومناشدته إياه حتى سقط رداؤه وكذا في أحد والخندق وحنين إلخ، وما ذلك إلا لكون ذلك معلوم بالفطر.
يقول أبو الحسن الأشعري في ذكر مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث: «وأن الله مستو على عرشه كما قال: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى.. طه/5)، قال: ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء، لأن الله - تعالى -مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش»(3)، ويقول تلميذه أبو الحسن بن مهدي في كتابه (مشكل الآيات): «إنما أمرنا الله برفع أيدينا، قاصدين إليه برفعهما نحو العرش الذي هو مستوٍ عليه»(4)، وعن العالم الرباني محمد بن أسلم الطوسي - رحمه الله تعالى -قال: «قال لي عبد الله بن طاهر: بلغني أنك لا ترفع رأسك إلى السماء، فقلت: وهل أرجو الخير إلا ممن هو في السماء»(5).
وفي عبارة الحافظ عثمان بن سعيد الدارمي: أن «هذه الأشياء التي اقتصصنا في هذا الباب قد خلص علم كثير منها على النساء والصبيان- يعني لموافقتها للفطر السليمة التي فطر الله الناس عليها- ونطق بكثير منها كتاب الله - تعالى - وصدقته الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه والتابعين، وليس هذا من العلم الذي يشكل على أحد من العامة والخاصة إلا على هؤلاء العميان الملحدة في آيات الله، ولم يزل العلماء يروون هذه الآثار ويتناسخونها ويصدقون بها على ما جاءت حتى ظهرت هذه العصابة فكذبوا بها أجمع وجهلوهم وخالفوا أمرهم خالف الله بهم»(6)، ويقول الإمام العالم أبو محمد بن قتيبة الدينوري ت276 صاحب التصانيف الشهيرة في كتابه (مختلف الحديث): «كيف يسوغ لأحد أن يقول: إن الله - سبحانه - بكل مكان على الحلول فيه مع قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) [طه: 5]، ومع قوله: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) [فاطر: 10]؟، كيف يصعد إليه شيء هو معه وكيف تعرج الملائكة والروح إليه وهي معه؟، قال: لو أن هؤلاء جميعاً رجعوا إلى فطرتهم وما ركبت عليهم ذواتهم من معرفة الخالق لعلموا أن الله - عز وجل - هو العلي الأعلى وأن الأيدي ترفع بالدعاء إليه، والأمم كلها عجميها وعربيها تقول إن الله في السماء ما تركت على فطرها»(7).
وفي خبر عن إمام الحرمين ابن الجويني يحكي الذهبي عن أبي الفتح محمد بن علي الفقيه قال: «دخلنا على الإمام أبي المعالي بن الجويني نعوده في مرض موته فأقعد، فقال لنا: (اشهدوا على أني قد رجعت عن كل مقالة قلتها أخالف فيها ما قال السلف الصالح، وأني أموت على ما تموت عليه عجائز نيسابور)»، يعني لكونهن مؤمنات بالله على فطرة الإسلام ولم يدرين- على حد ما ذكر الذهبي- ما علم الكلام، ومن كلماته التي ختم بها حياته قوله: «قرأت خمسين ألفاُ في خمسين ألفاً.. وركبت البحر الخضم- كل ذلك في طلب الحق وهو يأمن التقليد- والآن رجعت إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الله بلطفه وأموت على دين العجائز وتختم عاقبة أمري على الحق وكلمة الإخلاص وإلا فالويل لابن الجويني»(8)، ومن نظم العلامة أبي الفتح القشيري المعروف بابن دقيق العيد قوله:
تجـاوزت حد الأكثرين إلى الــعلا *** وسافـرت واستبقيــتهم في المفاوز
وخضت بحاراً ليس يدرك قعـرهـا *** وسيـرت نفسي في قـسيم الـمفاوز
ولججت في الأفكار ثم تراجـع اخـ *** تياري إلى استحسان ديــن العجائز(9)
ولقد دعت هذه الفطرة السليمة والمبرَّأة من دخن الجهمية ودخن علم الكلام، وغير الملوثة بأفكار الخلف ومقولة متأخري المتكلمين، دعت الجارية السوداء بأن تبادر حين سُئلت عن الله بمعرفتها بأنه في السماء، وذلك فيما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه وأبو عوانة في مستخرجه عليه والبيهقي في الأسماء والصفات والدارمي في الرد على المريسي وأبو داود والنسائي وابن أبي شيبة وابن أبي عاصم من حديث معاوية بن الحكم السلمي قال: (كانت لي غنم بين أحد والجوانية(10) فيها جارية لي فاطلعتها ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب منها بشاة- وأنا رجل من بني آدم- فأسفت فصككتها فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له، فعظم ذلك عليّ فقلت: يا رسول لله أفلا أعتقها؟ قال: «ادعها» فدعوتها، فقال لها: «أين الله؟ » قالت: في السماء، قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: «اعتقها فإنها مؤمنة».
يقول شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني ت449شيخ نيسابور في زمانه فيما يمكن استنباطه من هذا الحديث: «يعتقد أصحاب الحديث ويشهدون أن الله فوق سبع سماواته على عرشه كما نطق به كتابه، وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف لم يختلفوا أن الله على عرشه، وعرشه فوق سماواته، وإمامنا الشافعي احتج في المبسوط في مسألة إعتاق الرقبة المؤمنة في الكفارة بخبر معاوية بن الحكم، فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن إعتاق السوداء، فامتحنها ليعرف أهي مؤمنة أم لا، فقال لها: «أين ربك؟ »، فأشارت إلى السماء، فقال: «اعتقها فإنها مؤمنة»، حكم بإيمانها لما أقرت بأن ربها في السماء، وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية»(11)..
فـ «الكلام- على حد قول القاضي أبي يعلى بعد أن ذكر حديث الجارية- في فصلين، أحدهما جواز السؤال عن الله - سبحانه - بـ (أين هو؟)، والثاني جواز الإخبار عنه بأنه في السماء، وقد أخبرنا - تعالى -أنه في السماء فقال: أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء [الملك: 16]، وهو على العرش»(12)، يعني بما يفيد حمل هذه الأخبار على ظاهرها على ما دعت به الفطرة، وأنها ليست من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه.
ذلك أنه - تعالى -قد وصف نفسه بصفات كالتي وردت في سورة الإخلاص وآية الكرسي وأول الحديد وآخر الحشر، وكما في قوله - تعالى -: (أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [البقرة: 106، 259 الطلاق: 12]، وأنه يحب المتقين والمقسطين والمحسنين، وبمثل قوله: ( فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ ) [الزخرف 55]، (وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ) [التوبة: 46]، (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) [طه: 5]، (مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) [ص: 75]، (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) [المائدة: 64]، (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ) [الرحمن: 27]، يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام: 52، الكهف: 28]، (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) [طه: 39]، إلى غير ذلك، فمن قال: إن ذلك متشابه لا يعرف معناه ويفوض العلم فيه إلى الله، كان هذا عناداً ظاهراً وجحداً لما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام بل كفر صريح، فإنا نفهم من قوله: (إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الأنفال: 75، التوبة: 115، العنكبوت: 62 المجادلة: 7]، ونفهم من قوله: (إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة: 20، 148] معنى ليس هو الأول، ونفهم من قوله: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) [الأعراف: 156] معنى، ونفهم من قوله: (إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) [إبراهيم: 47] معنى، وصبيان المسلمين وكل عاقل يفهم هذا.. فمن لم يقر ويعترف فهو المعطل، وإن أقر ببعضها قيل له: ما الفرق بين ما أثبته وما نفيته أو سكت بالتفويض عن إثباته ونفيه، خاصة وأن السمع والعقل دلتا على إثبات هذا وذاك؟.
أما الأول - يعني دلالة السمع- فدلالة القرآن على أنه رحمن رحيم، ودود سميع بصير عليّ عظيم، كدلالته على أنه عليم قدير مستو، له يد تليق بذاته ووجه ومجيء ويمين وإتيان وأصابع، ليس بينهما فرق، وأما الثاني: فالمعنى المفهوم في حقنا يمتنع على الله، فكما أن إرادته ليست من جنس إرادة خلقه فرحمته كذلك ليست من جنس رحمة خلقه، وكذلك محبته واستواؤه ووجهه ويداه، وكل ذلك معلوم بالبديهة(13).
والحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فتح رب البرية ص63.
(2) ينظر هذه الأبيات وشرحها معارج القبول 1/279، 289وما بعدهما.
(3) الإبانة ص105: 107والعلو ص160واجتماع الجيوش ص117 والمعارج1 /147، 118.
(4) العلو ص 169والمعارج1/148.
(5) العلو ص 140 والمعارج1/143.
(6) الرد على الجهمية ص 281من عقائد السلف.
(7) مختلف الحديث ص 344وما بعدها وينظر العلو ص 145والمعارج1 /144.
(8) ينظر العلو ص 188وشذرات الذهب1/361، 362.
(9) وقد ذكرها له الإمام الذهبي وينظر في شأنها العلو ص 188.
(10) موضع شمال المدينة المنورة.
(11) العلو ص 179، 180.
(12) العلو ص 184ومعارج القبول 1/151.
(13) ينظر الإكليل ص32:36.