ملامح الشخصية السودانية

د. الحبر يوسف نور الدائم

 

السودان بلد ذو تاريخ قديم ضارب بجذوره، نشأت فيه حضارات متنوعة، وهبت عليه رياح مختلفة، وأثرت فيه تيارات صواخب.

وقد انفتحت حدوده على هجرات إنسانية كان لها تأثيرها البعيد في تكوين الشخصية السودانية بأبعادها المتباينة فكرًا وسلوكًا، وعادات وتقاليد.

وما من شك في أن للصلات الإنسانية شأنها؛ إذ للاحتكاك والتفاعل آثاره سلبًا وإيجابًا.

وكان لكل مجموعة من المجموعات التي هاجرت للسودان إنتماؤها الفكري والقبلي، وكان لكل منها دوافعها التي حدت بها للتحرك والنزوح، ومنهم أصحاب دعوة ورسالة، ومنهم أصحاب طمع في رغد العيش وسعته، ومنهم أهل استكشاف ومغامرة واقتحام.

واستطاعت تلك المجموعات المتنقلة بحضارتها وثقافتها وأعرافها أن تتفاعل مع السكان الأصليين، وأن تقيم معهم علاقات إنسانية في مجالات شتى؛ فكانت العلاقات الاقتصادية من زراعة وتجارة، وكانت العلاقات الاجتماعية من مصاهرة وتزاوج، وكانت العلاقات السياسية من حكم وقضاء وحسم ما قد يقع من تنازع قد يفضي إلى معارك ضارية قد تنتهي إلى مسالمة ومعاهدات ومواثيق؛ فالنوبة مثلاً (رماة الحدق) كانت بينهم وبين المسلمين معاهدة معروفة ومشهورة.

وهكذا كان بين أهل السودان وغيرهم من الصلات وشائج؛ إذ كانت حدودهم مفتوحة؛ تتفاعل مع كل وافد، ولم يعيشوا قط في جزيرة معزولة مقطوعة عما سواها؛ فكانت لهم صلاتهم مع ساكني الشمال من أهل مصر من عهد الفرعون، واستطاع بعض ملوكهم أن ينتصروا على بعض حكام مصر، وهكذا دوى اسم بعانخي وترهاقا في التاريخ؛ وحفروا أسماءهم في ذاكرته حفرًا، ثم كانت لهم مملكاتهم وحضارتهم في مروي ونبته؛ فإذا ما هبت رياحهم المسيحية تكونت سوبا وعلوة؛ حتى إذا أذن الله لشمس الإسلام أن تشرق على أهل السودان فتخرجهم بإذن ربهم من الظلمات إلى النور دخلوا في دين الله - تعالى -أفواجًا، وأقبلت ريح طيبة من الشمال والشرق، ومن الشمال الغربي، وانتشر العلم وذاع، وعلت القيم وسمت الفضائل، وكونت الممالك في تقلي وسنار وفي غيرها من بلاد السودان، وظهرت شخصيات إسلامية ضخمة حملت لواء الدعوة الإسلامية عاليًا خفاقًا؛ فتوحد الناس تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وانتصروا على عدو الله وعدوهم، وحرروا البلاد والعباد، ورفعوا الظلم والضيم عن كاهل المقهورين والمستعبدين.

وما من ريب عندي أن للإسلام خاص الأثر البعيد الذي لا يمحى في تكوين الشخصية السودانية؛ حتى بالنسية للذين لم يعتنقوا الإسلام دينًا؛ وذلك لأنه الأقوى بكتابه، وسنته، وشرعته، ومنهاجه، وأسلوبه في التعامل، والتحاكم؛ وسنحاول أن نضرب أمثلة على ذلكم التأثير العميق، والانقلاب الهائل الذي أحدثه الإسلام في حياة السودانيين الذي أنشؤوا له المساجد التي عمروها بحلق الذكر، والخلاوي التي أوقدوا فيها نار القرآن (وتقابته) الثاقبة التي لا تخبو:

أتذكر نارًا أوقدت حول خلوة عِشاءًا تغنى بالكتاب المنزل، بل إن كثيرًا من مدن السودان وقراه إنما تعرف بعلمائها وشيوخها وصالحيها، وما من عالم من العلماء العاملين الصالحين يحط في منزل إلا تجمع الناس من حوله؛ وأسلسوا له القياد؛ فكان لهم دليلاً يرشد، ومنارة تضيء، ولواءًا يرفع؛ فالسودانيون من قديم ذوو حس ديني مرهف، وقلوبهم صناديق مغلقة مفتاحها العقيدة؛ فمن أدار هذا المفتاح بمهارة اتبعوه، وربما اكتشفوا فيه شيئًا من مخاتلة أو مخادعة فانفضوا من حولة..ومما يدلك على هذا الحس الديني الرهيف عند السودانيين أنه يصبغ حياتهم في جملتها؛ ولك أن تنظر في أحوال حتى غير المتدينين منهم؛ فلربما أبصرت رجلاً يتعاطى الخمر وقد لا يصلى ولا يرتاد مسجدًا ولكنك إذا سببت له دينًا، أو أسأت إلى الرسول الكريم رأيت منه غضبة مضرية؛ لا يقوم لها شيء أبدًا..وانظر في أمثالهم، وفي قصصهم الأسطورية القديمة تجد عجبًا؛ فتفسيرهم لعدم تمكن النعام من الطيران - على ما له من جسم ضخم، وجناحين قويين هو أنه اغتر بقوته؛ وذلك إذ قال الطير: (بَاكِرْ الله إن قِبِل نَرِد أم زِبِل)؛ فقال النعام اعتدادًا بقوته وعنفوانه، وثقته في قدرته وصلابته: (باكر الله إن قبل وإِمَّا قبل نرد ام زبل)؛ فأصابه ما أصابه من لعنة الغرور والتحدي، والاكتفاء والاستغناء، وعدم الاستثناء فمكن الطير؛ لاستثنائه، وحسن تأدبه مع الخالق، ومنع النعام؛ لسوء أدبه وحماقته وتفريطه.

ومن هذا الباب فإن السوداني الأصيل يبرأ إلى الله - عز وجل - من الحول والطول والقوة؛ ولا يقول كما قال قارون الذي آتاه الله - تعالى -من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة؛ (إنما أوتيته على علم عندي)، ولكنه يقول في أدب جم، وتواضع كريم، وإيمان عميق: (كريمًا أدى غشيم) وإيمانه بالغيب عميق؛ لا تحوم حوله شبهة، ولا غشاوة؛ (أنفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب)، وأمله في الله - تعالى -قوي أخضر مشع؛ (الغائب في ضرا شدرة)، و(الحاري أخير من المتعشي).

هذا، وهناك كثير من القيم التي دعا إليها الإسلام؛ وصاغت الشخصية السودانية صياغة جيدة محكمة.. من ذلك مثلاً: (عزة النفس)؛ والسودانيين قوم أولو عزة وأنفٍ؛ لا يقرون ظلمًا، ولا يقبلون ضيمًا، ورأسمالهم كرامتهم..

ولعل القارئ الكريم قد سمع بأولئك الذين أغلقوا عليهم دورهم في سنة 6؛ سنة القحط؛ إذ أنهم لا يريدون أن يتكففوا الناس، ولا يريدون أن يريقوا ماء الوجوه في سبيل لقمة تدفع عنهم مسغبة، ثم إنهم لا كبير عندهم إلاَّ الله - تعالى -..

أما البشر فإنهم يعاملونهم بالمثل؛ ولا يعظمون أحدًا لماله، ولا لجاهه، ولا لسلطانه؛ (يا الباشا الغشيم قول لي جدادك كر)، (الباشا دا البِشْكُولُه شِنْ عَرْضُو وشِنْ طُولُو؛ كان حِرِم حَلَّلُوا حتى شرق الله البارد هولو)، وإن أسأت لأحدهم فإنه ينتصر ما استطاع؛ (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون)، (لا يحب الله الجهر بالسوء إلا من ظُلم)، (إن لصاحب الحق مقالاً)، ولسان حاله يقول:

ولست بمفراح إذا الدهـر شرني  * * *ولا جازع من صـرفه المتقـلب

ولست أريد الشر والشـر تاركي  * * *ولكن متى أحمل على الشر أركب

وإن زارك سوداني مهما كان وضعك، ومهما كانت منزلتك فلتحذر أن يشتمّ منك رائحة ازدراء له، أو استخفاف به، أو التفاتة عنه؛ فعندها تقوم القيامة، وعندها (كبير الجمل)، وعندها (عِيْنًا تشوفك تِنْقَدّ)، وعندها (كُراعًا تَجِيْكْ تاني تِنْقَطِعْ)..

ومما يحكى أن سودانيًا زار بعض إخوان لنا من العرب فقال له وهو بالداخل: (إرجعوا)؛ فقال السوداني: (هِيْ آية، وفي كتاب الله، لكن علي الطلاق مِمَّا نزلت زُوْلاً طبقا غيرك مافي!؛ وتاني أنَّجِيك!!.. )..

ومما يتماز به السوداني أنه إنسان متسامح، وعنده قدرة على التواصل مع الآخرين، والتعايش معهم، والتعاطي، ولكن هذه الصفة ينبغي أن تفهم في سياقها، وأن توضع في إطارها.

وليست هذه الصفة بمعزل عما أشرنا إليه آنفًا من عزة وكرامة وأنف. ومن لا يمازج بين هاتين الصفتين (صفة التسامح، وصفة العزة) فإنه يقع في خطأ جسيم، وسوء تقدير، ولسرعان ما يدرك أنه أكثر الخز، وأخطأ المفصل؛ وذلك أن السوداني سيقلب له ظهر المِجَنّ، وسيريه الوجه الآخر من العملة؛ السوداني (تاكُلْ وُتَقُشّ في طَرَفُه) ولكن حذار من أن تقترب من دائرة الممنوع!؛ حذار أن يرى منك ظلمًا، أو ازدراء؛

(فللحلم أوقات وللجهل مثلها)؛ كما قال الشريف الرضي:

ولي في مجال العلم علم يزينني * * * ولي في مجال الجهل جهل مركب

وكما قال محمد سعيد الكهربجي وهو يعبِّر عن نفس سوداني خالص:

 

فمن شاء تقويمي فإني مقـوم * * * ومن شاء تعويجي فإني معوج

وأختم هذه المقالة بثلاثة أبيات: اثنان لعنترة، والثالث للشنفري، وكلاهما آدمي، ولهما من السودانيين شبه ونسب!:

قال عنترة:

أثني عليّ بما علمت فإنني * * * سمح مخالقتي إذا لم أظلم

فإذا ظلمت فإن ظلمي باسـل  * * *مر مذاقته كطعـم العلقم

 

قال الشنفري:

وإني لحلو إن أريدت حلاوتي * * * ومر إذا نفس العزوف استمرت

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلِّ اللهم على سيدنا محمد، وسلم تسليمًا كثيرًا

 

http://www.meshkat.net             المصدر: