أردوغان و الرئاسة: نموذج للتضحية في سبيل الهدف
علي حسين باكير - بيروت
12/4/1428هـ الموافق له 29/04/2007م
في الوقت الذي كان الجميع يتوقع فيه ترشيح رئيس الوزراء التركي الحالي "رجب طيب أردوغان" نفسه على السباق الرئاسي؛ حصل تحوّل مفاجئ في هذا الإطار أفضى إلى ترشيح وزير الخارجية وعضو حزب العدالة والتنمية أيضاً "عبد الله غول" في 25 نيسان 2007م.
المفاجأة لا تكمن في اختيار "عبد الله غول" كمرشح للرئاسة, فهو يتمتع بصفات شخصية مميزة، وبدبلوماسية عالية, فقد تخرّج "غول" المولود عام 1950 من كلية الاقتصاد في جامعة اسطنبول، ثم أكمل دراساته العليا في الولايات المتّحدة الأمريكية، وحصل على شهادة الدكتوراه من جامعة هارفارد، كما أنّه شارك في الحياة السياسة لأول مرّة في العام 1991 كنائب عن مدينته "قيصري" لصالح حزب الرفاه الإسلامي المنحل الذي كان يتزعمه البروفسور نجم الدين أربكان, ثمّ عُيّن في العام 1995 ناطقاً باسم الحكومة التي تزعمها أربكان, ثمّ تسلم منصب نائب حزب الفضيلة الإسلامي حتى العام 2001؛ إذ شكّل مع أردوغان حزب العدالة والتنمية الذي فاز في الانتخابات التشريعية التي جرت في العام 2002م ليتولى "غول" لأول مرّة منصب رئيس الوزراء، ثمّ تنحى عنه لصالح "أردوغان" في آذار من العام 2003م، وتولى منصبي نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية.
لقد ضحىّ "أردوغان" بمنصب رئاسة الجمهورية وذلك في سبيل خدمة الأهداف العليا التي يضعها الحزب للنهوض بتركيا ليحوز بذلك على إعجاب الجميع, وقد قاطعه أعضاء الحزب والنواب التابعون له أثناء ترشيحه لزميله "غول", قائلين له: "نحن فخورون بك".
وبطبيعة الحال فإنّ هذا القرار لم يأت من فراغ، والتحليل يقودنا إلى ثلاثة عناصر أساسية دفعته إلى هذا التصرف:
1- بما أن الجميع كان يتوقع ترشّح "أردوغان" للرئاسة فإنّ الجماعات العلمانية المتشددة والتيارات التابعة لها قامت بتشديد الضغط عليه في الشهر الأخير عبر المظاهرات والانتقادات، وحملات الإعلام والضغط والتنديد بترشيحه, ولكنه استطاع عبر تجيير ترشيحه إلى زميله "غول" كسر هذا الطوق، وفاجأ الجماعات العلمانية، وبالتالي تفادي أزمة ضخمة، وانقساماً شعبياً بين مؤيد ومعارض؛ إذ إن إعلان اسم "غول" في آخر يوم متاح لقائمة الأسماء أبطل مفاعيل أي ضغوطات أو توترات كان من الممكن أن تحصل فيما لو تمّ الإعلان عنه مبكراً.
2- ينص القانون التركي على أن يترك الرئيس التركي حزبه حال وصوله إلى الرئاسة, وهذا يعني أنّه كان على "أردوغان" ترك حزب العدالة والتنمية في هذه المرحلة التاريخية الهامة التي يقوم فيها الحزب بتعزيز موقعه في تركيا, وبما أنّ معظم استطلاعات الرأي التي أُجريت مؤخراً كانت ترى أيضاً أنّ الحزب سيخسر شعبية كبيرة في حال خوضه الانتخابات التشريعية المقبلة من دون رئيسه "أردوغان"؛ فإنّ الأخير فضّل التضحية بطموحه الشخصي بالوصول إلى سدّة الرئاسة مقابل الحفاظ على زخم حزبه وأهدافه الاستراتيجية المقبلة, ولم يترك في المقابل الفرصة تمر دون أن يكون للحزب دور فاعل في الرئاسة فرشح زميله "غول"، وقام بدعمه لهذا المنصب.
3- اختيار "غول" يتضمن من ضمن ما يتضمن أيضاً طمأنة النخبة القومية التركية التي ترى في الانفصاليين الأكراد خطراً وتهديداً يكتنف تركيا، ويؤدي إلى تقسيمها, ومن هذا المنطلق هناك من يعتبر "غول" أحد أهم المتشددين إزاء هذه القضية أو غير متساهل فيها على الأقل, وتصريحه الأخير الذي هدد به البرزاني برد فوري في حال تدخل أكراد العراق في تركيا خير دليل على ذلك, وهذه رسالة طمأنة إلى الجيش التركي أيضاً الذي لا يتساهل في مسألة الأكراد مطلقاً.
4- صحيح أن منصب رئاسة الجمهورية في تركيا قليل الصلاحيات، وأقرب إلى الرئيس الفخري؛ لكنه من ناحية ثانية يحمل رمزية قوية وكبيرة، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة, كما أنه يمتلك فيتو على تعطيل المشاريع الحكومية المحالة إليه للتوقيع, ولذلك فإنّ وصول رئيس علماني أتاتوركي قوي يعرقل كافة الإصلاحات ذات الطابع الإسلامي التي يقوم بها حزب العدالة والتنمية - وإن لم يصرح أو يعلم أنها إصلاحات إسلامية -, وبالتالي فإنّ قيام "أردوغان" بهذه الخطوة أدّى إلى انتهاز الحزب لفرصتين مستقبلاً بدلاً من حصرها بفرصة واحدة، وتخييره بين رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية.
الطرح الحالي يمهد لإمكانية التجديد لأردوغان في رئاسة الحكومة في حال حصول انتخابات تشريعية قادمة، وفوز حزب العدالة والتنمية أيضاً بالأغلبية البرلمانية، وبذلك يكون الحزب قد أطبق على رئاستي الوزراء والدولة، ونال أغلبية برلمانية، وبالتالي فكل الطرق مفتوحة أمامه إذا لم يتدخل الجيش، ويقلب المعادلة كما جرت العادة.
ومن المتوقع أن يصل "غول" إلى سدّة الرئاسة، ويستلم مهامه في 16 أيار المقبل إذا جرى كل شيء على ما يُرام؛ إذ يحتاج "غول" إلى (367) من أصل (550) صوتاً برلمانياً للنجاح من الدورة الأولى؛ إذ يستطيع حزب العدالة تأمين (353) صوتاً برلمانياً بغالبيته البرلمانية، وعليه فهو بحاجة إلى بعض الأصوات المنفردة أو أصوات الأحزاب الصغيرة، لكن حتى لو يقم هؤلاء بالتصويت له فإنّ "غول" سيصبح رئيساً للبلاد حكماً في الدورة الثالثة التي تحتاج إلى أغلبية بسيطة قوامها (267) صوتاً برلمانياً هي في متناول حزب العدالة والتنمية بالكامل.
وإذا ما تم ذلك يكون "غول" الرئيس الحادي عشر لتركيا، وهو أول رئيس إسلامي أو غير علماني لتركيا منذ انهيار الخلافة العثمانية، وإلغاء أتاتورك لها في العام 1924م، تبقى العقبة الوحيدة للحزب متمثلة في صقور الجيش الذين قاموا بالعديد من الانقلابات العسكرية منذ العام 1960م وحتى العام 1997م، حينما أطاح الجيش بنجم الدين أربكان لتهديده المبادئ العلمانية للبلاد.
لكن الظروف الحالية مغايرة لما كانت سابقاً, وذلك لعدد من الأسباب والمعطيات منها:
1- إن نفوذ الجيش في المؤسسات الدستورية التركية آخذ في الانكماش, وسيزداد انكماشاً حال وصول "غول" إلى سدّة الرئاسة، أضف إلى ذلك فإنّه وخلال معظم الانقلابات السابقة لم يكن هناك أغلبية برلمانية لحزب معين منفرداً, وذلك لم يعد موجوداً منذ فوز حزب العدالة والتنمية لآخر انتخابات تشريعية.
2- حصول أي عملية انقلابية عسكرية سيقضي نهائياً على مساعي تركيا لدخول الاتحاد الأوروبي، وهو يتعارض أيضاً مع طروحات أمريكا حول الإسلام المعتدل؛ إذ إن الجدلية تكمن في استغلال حزب العدالة والتنمية للطروحات الأمريكية، والترويج لنفسه على أنه إسلام معتدل، وتمرير أجندته، وزيادة شعبيته داخلياً تحت يافطة "الديمقراطية الأمريكية وحقوق الإنسان الأوروبية", وبالتالي فإن أي انقلاب عسكري سيقضي على علاقة تركيا بأمريكا وأوروبا معاً، وهو أمر قد لا يراه الجيش مناسباً في هذا الوقت بالذات.
3- إن الجيش لن يتدخل إلاّ إذا شعر بخطر محدق، وهنا نشير إلى الدبلوماسية العالية، وإلى سياسة الحزب الحكيمة، وقدرته الكبيرة على المراوغة والتي تتيح له الامتداد ببطء شديد ولكن بفعالية كبيرة، وبرؤية استراتيجية، وذلك كي لا يثير مخاوف الجيش، ويستدرجه إلى انقلاب، وهذا الأسلوب يختلف عن أسلوب فئات إسلامية أخرى سعت إلى إعلان نواياها باكراً، وحاولت القيام بتطبيق قوانين إسلامية بسرعة كبيرة عند وصولها إلى الحكم، وهو الأمر الذي أثار هلع الجيش ودفعه إلى الانقلاب مرات عديدة، وبالتالي فإنّ حزب العدالة والتمنية على دراية كبيرة بهذه المعطيات، والأرجح ألاّ يتدخل الجيش ويبقى متفرجاً.
ومن المتوقع في حال وصول "غول" رئيساً للجمهورية التركية أن تكتسب العلاقات التركية العربية زخماً أكبر، وقدراً أكبر من التعاون والتنسيق، وذلك لما لـ"غول" من روابط قوية بالعديد من الدول ومنها المملكة العربية السعودية ومصر, ذلك أنّه عمل لفترة طويلة (8 سنوات) في بنك التنمية الإسلامي في مدينة جدة السعودية في الفترة ما بين عامي 1983م- 1991م.