ساركوزي.. كل الطرق تؤدي إلى الإليزية

فتحي مجدي

 

لم تخرج نتيجة الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة الفرنسية التي أجريت في الثاني والعشرين من أبريل عن نتائج استطلاعات الرأي التي توقعت انحصار سباق الوصول إلى قصر الإليزيه بين نيكولا ساركوزي مرشح اليمين الحاكم، والمرشحة الاشتراكية سيجولين رويال من أصل 12 مرشحاً خاضوا منافسات واحدة من أكثر الانتخابات جذباً للناخبين، بعدما شهدت مشاركة قياسية بلغت 85% ممن لهم حق التصويت (نحو 44.5 مليون ناخب).

ومهد فوز ساركوزي بـ31.11% من أصوات الناخبين في الجولة الأولى بفارق أكثر من 6% عن رويال التي حصلت على 25.84%؛ الطريق بشكل كبير أمام اعتلاء المرشح اليميني منصب الرئاسة في ضوء نسبة التصويت التي أحرزها, والتي تجاوزت أصوات أية دورة انتخابية أولى، حتى أنها فاقت ما أحرزه الزعيم الراحل شارل ديجول.

 

خسارة للعرب:

وتعني تلك النتيجة أن السادس من مايو المقبل - وهو اليوم الذي يوافق إجراء الجولة الثانية من الانتخابات - سيكون بوابة عبور مضمونة أمام ساركوزي نحو خلافة الرئيس جاك شيراك الذي أمضى في الحكم 12 عاماً؛ وهو الأمر الذي سيكون له تداعيات يتوقع لها مراقبون أن تغير الوجه السياسي لفرنسا؛ أهمها بالنسبة للعرب خسارة حليفهم الرئيس في أوروبا مع انجذاب باريس نحو المحور الأمريكي - البريطاني.

هذا الاستنتاج الأولي ليس من باب الإفراط في التشاؤم بقدر ما هو قراءة لمواقف ساركوزي التي أظهرت توجه بوصلته نحو واشنطن التي زارها قبل أشهر في خضم حملته الانتخابية، ومغازلته البيت الأبيض في الكثير من تصريحاته، بعدما أبدى استعداداً لبناء سياسة خارجية لفرنسا موالية للولايات المتحدة على النقيض من منافسته اليسارية التي قالت: إنها لن تصافح الرئيس الأمريكي جورج بوش قطعاً قبيل إعلامه برأيها في سياسته الخارجية أولاً.

ومن المؤكد أن ساركوزي لن يكون هو الشخص الودود كما كان العرب ينظرون إلى سلفه شيراك الذي حافظ على قدر كبير من الموائمة في علاقة بلاده بالولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين من جانب، وعلاقته بالدول العربية من جهة أخرى، وسار في كثير من مواقفه عكس تيار واشنطن، وخاصة في مرحلة ما قبل الغزو الأمريكي للعراق قبل أربع سنوات عندما شكل حينئذ مع المستشار الألماني آنذاك جيرهارد شيرودر حلفاً مضاداً للسياسة الأمريكية التي تدفع باتجاه التصعيد في منطقة الشرق الأوسط.

زيارة ساركوزي إلى واشنطن لم تكن تهدف إلى التعبير فقط عن رغبته في مد الجسور معها في حال صعوده إلى سدة الحكم، وتبني سياسة منفتحة إزاءها، وإنما أراد أيضاً أن يوجه الرسالة ذاتها إلى حليفتها "إسرائيل" التي لم تكن علاقتها على ما يرام مع فرنسا في عهد الرئيس شيراك، وخاصة في السنوات الأخيرة.

الرسالة التي أراد ساركوزي إيصالها إلى "إسرائيل" جاءت عبر لقائه بزعماء المؤتمر اليهودي العالمي؛ وهو لقاء سعى المرشح اليميني إلى استغلاله لضمان الصوت اليهودي في الانتخابات بعدما اشتهر اليهود بمساندتهم لليسار في الانتخابات السابقة؛ وهو ما بدا أنه نجح في تحقيقه من خلال نسبة التصويت العالية لصالحه.

 

مثير للجدل:

حسابات الخسارة للعرب والمسلمين من فوز ساركوزي لا تتوقف عند حد موقفه من قضاياهم في سياسته الخارجية المتوقعة، إذ تبدو الخسارة أكبر بالنسبة لأبناء الجالية المسلمة في فرنسا بسبب موقفه المعروف من قضايا الهجرة، وآرائه المثيرة للجدل حول دمج المسلمين في المجتمع الفرنسي.

فلم ينس المسلمون في فرنسا التعبير الفظ لساركوزي - وهو ابن مهاجر مجري من أصل يهودي - إزاءهم أثناء الاحتجاجات التي شهدتها الضواحي الباريسية قبل عامين حينما كان وزيراً للداخلية، عندما وصف آنذاك المهاجرين بالحثالة، ووعد بتنظيف فرنسا منهم، وأنه كان وراء قرار حظر ارتداء المسلمات للحجاب في المدارس والمؤسسات الفرنسية.

كما كان له موقف مؤيد من قضية نشر الرسوم المسيئة للنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - التي أثارت غضب المسلمين في العام باعتبارها "حرية تعبير"(!)، وله أيضاً تصريحات سلبية تجاه مسلمي فرنسا وخاصة عندما تحدث عن "مخالفة" المسلمين للقواعد الصحية، وقيام بعضهم بذبح خروف العيد في حمام المنزل.

وهذه المواقف والتصريحات السابقة تعكس إلى أي مدى سيكون شكل العلاقة بين ساركوزي والمسلمين في فرنسا الذين صوت معظمهم في الجولة الأولى من الانتخابات لصالح منافسته المرشحة اليسارية، ولعبوا دوراً كبيراً في ترجيح كفتها في التأهل إلى الجولة الثانية بما يملكونه من قوة تصويتية تصل إلى مليوني شخص، لكنهم لا يستطيعون حسم النتيجة لصالحها.

ويضع ساركوزي هذا الأمر في حسبانه في حملته لجولة الحسم، إذ سيعمل بشكل أساسي على مغازلة الصوت المسلم لأجل التصويت لصالحه، رغم إدراكه صعوبة ذلك بسبب مواقفه المتشددة من قضية الهجرة، وآرائه المثيرة للجدل، التي لا يزال صداها يتردد في أوساط المسلمين بفرنسا، رغم محاولته التخفيف من حدته، وسعيه لإبراز وده لهم.

كما سيعمل أيضاً على جذب الناخبين الذين صوتوا لصالح مرشح الوسط فرانسوا بايرو الذي حل ثالثاً بإحرازه 18.5%، وكذا أصوات المؤيدين لمرشح اليمين المتطرف جان ماري لوبن الذي حصل على 10.63% من أصوات الناخبين.

ويقول مراقبون: إن ساركوزي تبدو فرصته أفضل للفوز مستغلاً قوة الدفع التي خلفها تصدره الانتخابات، الأمر الذي عكسته استطلاعات الرأي التي أجريت في أعقاب إعلان نتائج الجولة الأولى توقعت فوزه بنسبة أصوات تراوحت ما بين 52 إلى 54% من الأصوات.

لكن رويال لا تبدو معترفة بهزيمتها مسبقاً أمام ساركوزي رغم تضاؤل فرصها في الفوز قياساً لاستطلاعات الرأي والفارق بينهما في الجولة الأولى؛ إذ ستسعى لحشد مؤيديها إلى التصويت بكثافة لصالحها، وجذب الأصوات التي ذهبت لأربعة مرشحين من أقصى اليسار، ومرشحة حزب الخضر دومينيك فوانيه، والبالغة نحو 11%، مدعومة بتأييد المرشحين الأربعة لها، ودعوتهم أنصارهم إلى التصويت لصالحها في الجولة الثانية.

http://www.islammemo.cc:المصدر