تركيا العدالة والتنمية ..نيسان أقسى الشهور
د. بشير موسى نافع
3- 5- 2007م
بدا الأمر كأنه نكتة سمجة عندما أعلن زعيم حزب الشعب الجمهوري (CHP) دينيز بايكال أن نواب حزبه سيقاطعون جلسة البرلمان الخاصة بانتخاب رئيس جديد للجمهورية، مهدداً بأنه سيطعن في شرعية الانعقاد البرلماني أمام المحكمة الدستورية إن فشل حزب العدالة والتنمية (AK) في حشد ثلثي النواب في قاعة المجلس.
ولكن هذا ما حدث بالفعل؛ وهو ما أدخل تركيا أزمة سياسية ودستورية، لم تشهدها منذ أسقط الجيش حكومة إربكان - تشيلر الائتلافية في صيف 1997م، بمزيج من الضغوط العسكرية غير المباشرة، وشراء ذمم النواب.
ولكن بايكال - الذي يحسب حزبه ممثلاً لليسار العلماني الراديكالي - لم يستطع تحقيق هدفه بدون تعاون مفاجئ ومستغرب من حزبي اليمين المحافظ الطريق القويم (DYP) الذي يرأسه محمد آغار، والوطن الأم (AVAVATAN) الذي يرأسه إركان مامجو.
في انتهازية سياسية من الطراز الأول قرر الحزبان اليمينيان؛ اللذان يتمتعان بتمثيل برلماني صغير ولكنه مؤثر؛ الاصطفاف إلي جانب خصمهما السياسي والأيديولوجي الشعب الجمهوري، ومقاطعة جلسة انتخاب الرئيس، ويعتقد أن الرئيس السابق السياسي اليميني المحافظ سليمان ديميريل كان أحد مخططي الأزمة يحركه طموح جامح للعودة إلي قصر الرئاسة.
في خضم الفوضى التي سادت افتتاح الجلسة بعد ظهر الجمعة 27 نيسان (أبريل) تضاربت الآراء في البداية حول عدد النواب الحاضرين، ولكن سرعان ما أصبح واضحاً أن الحضور لم يتجاوز 363 نائباً، وهو ما يعني أن عدداً من نواب أحزاب المعارضة رفض الانصياع لقرار المقاطعة، ولكن هذا العدد لم يكن كافياً للوصول إلي رقم 367 السحري رقم ثلثي أعضاء البرلمان.
المشكلة التركية الدستورية يمكن تلخيصها في التالي: يجادل بايكال، وقادة أحزاب المعارضة الأخري؛ أن الدستور ينص علي أن جلسة انتخاب الرئيس لا تعتبر شرعية إلا بحضور ثلثي أعضاء المجلس، بينما يقول قادة حزب العدالة والتنمية الحاكم - بما في ذلك رئيس البرلمان بولنت أرينتش - إن الجلسة يمكن أن تعقد كأي جلسة عادية بثلث الأعضاء، ولكن انتخاب الرئيس لا يتم في جلستي التصويت الأولى والثانية إلا بثلثي الأصوات.
إن فشل أي من المرشحين للرئاسة في الحصول علي ثلثي الأصوات في الجلستين الأولى والثانية يتفق الجميع على أن أغلبية بسيطة (أي 276 صوتاً) تكفي لانتخاب الرئيس، مرشح العدالة والتنمية، وزير الخارجية الحالي عبد الله غول هو المرشح الوحيد للرئاسة؛ وكما كان متوقعاً لم يحصل في جلسة التصويت الأولى إلا على 357 صوتاً، وهو ما يقل عن ثلثي الأصوات بقليل، ويستدعي بالتالي عقد جلسة ثانية للمجلس، وربما ثالثة؛ لإعادة التصويت.
ولكن الاستمرار في العملية أصبح محل شك، النص الدستوري المتعلق بشرط الثلثين هو نص يكتنفه الغموض، وهذا ما دفع بايكال وحزبه إلى رفع الأمر للمحكمة الدستورية للفصل بين الرأيين، وبينما كانت التوقعات تتضارب حول ما يمكن أن يكونه قرار المحكمة المشكلة من 11 قاضياً؛ فوجئ الأتراك شعباً وقوي سياسية بتطور جديد.
بعد منتصف ليلة 27 - 28 نيسان (ابريل) أي بعد ساعات من انفضاض جلسة البرلمان، وذهاب حزب الشعب باعتراضه على شرعية الجلسة إلى المحكمة الدستورية؛ وضعت قيادة أركان الجيش بياناً علي الموقع الإلكتروني الخاص بالقوات المسلحة، البيان الذي ندد بما سماه تزايد النشاطات الدينية المتطرفة في الأناضول، أكد على أن الجيش هو حارس النظام العلماني في البلاد، وأنه يراقب بقلق الجدل حول انتخاب رئيس جديد، ولن يتردد في إعلان موقفه قولاً وفعلاً من العملية في الوقت المناسب.
ولم يكن خافياً أن بيان الجيش يحمل تهديداً للعدالة والتنمية، وأن قيادة الأركان صاحبة انقلاب 1997م ما بعد الحداثي تحاول هذه المرة وفي اتساق مع روح العصر ربما انقلاباً إلكترونياً، في صباح اليوم التالي حرصت قيادة العدالة التنمية على الحفاظ على هدوئها؛ وبعد جلسة للحكومة ترأسها الطيب رجب أردوغان خرج وزير العدل والناطق باسم الحكومة في تصريح يؤكد على أن بيان الجيش هو أمر غير مقبول في نظام ديمقراطي، وأن الجيش يخضع لقرار الحكومة المنتخبة، ولا يمكن للحكومة قبول تهديدات من أحد.
ولم يتردد أردوغان بعد جلسة الحكومة في الاتصال التليفوني برئيس الأركان يشار بيوك - أنيت للإعراب له عن امتعاض الحكومة، ورفضها الصيغة والطريقة اللتين صدر بهما بيان الجيش.
ممثل الاتحاد الأوروبي في أنقرة، والناطق الرسمي الأمريكي؛ أدليا أيضاً بدلوهما، وطالبا قيادة الجيش عدم التدخل في العملية السياسية، ولأن رؤساء أحزاب المعارضة استشعروا الغضب الشعبي تجاه ضغوط الجيش السافرة على الحكومة فقد أعلن الواحد منهم تلو الآخر أن لا علاقة لموقفه من الانتخابات الرئاسية ببيان الجيش.
أكتب هذه المقالة من مدينة اسطنبول التي يلفها قلق واضح قبل صدور قرار المحكمة الدستورية، ولكن ثمة قليلاً من الشك في أن القرار سيصدر لصالح المعارضة، أولاً لأن أغلب قضاة المحكمة معين من رئيس الجمهورية الحالي نجدت سيزار أحد أعتى الأصوات العلمانية المعارضة للحكومة، والذي لم يخف تحريضه الجيش على التدخل خلال الأسابيع القليلة الماضية، وثانياً لأن المحكمة لابد أن تستجيب لبيان الجيش الذي لم تخطئ قيادة العدالة والتنمية وصفه بمحاولة التأثير على قرار المحكمة.
إن فاجأت المحكمة التوقعات، وجاء قرارها لصالح تفسير العدالة والتنمية للدستور؛ فالأرجح أن تمضي عملية انتخاب غول إلى نهاياتها مهما كانت العواقب، ثمة رأي عام تركي حتى في صفوف رجال الأعمال والأكاديميا، والقطاع الأوسع من الصحافة والإعلام؛ يريد للحكومة أن تقف موقفاً صلباً من ابتزاز النخبة العلمانية الراديكالية، وقيادة الجيش المتكرر، النخبة التي ترى الشعب التركي عبيداً لها، والتي تهدد الاستقرار السياسي والاقتصادي الكبير الذي حققته حكومة العدالة والتنمية.
وبالرغم من مظاهرتي القوى العلمانية الحاشدتين في أنقرة واسطنبول، والتي ضمت الثانية منهما زهاء مائتي ألف، فالجميع يعرف أن بإمكان العدالة والتنمية إن أراد حشد مظاهرات مليونية بالفعل في عدة مدن تركية، أغلبية الشعب وضعت ثقتها في قيادة العدالة والتنمية التي سيرت شؤون البلاد طوال خمس سنوات بكفاءة نادرة.
ولكن إن صدقت التوقعات، وجاء قرار المحكمة موافقاً لتفسير المعارضة؛ فإن المستقبل مفتوح على الاحتمالات، بين هذه الاحتمالات أن تسحب الحكومة مرشحها، ويفتح الباب من جديد للتقدم بمرشحين للرئاسة، بحيث يطرح العدالة والتنمية مرشحاً أقل مدعاة للمعارضة والجدل، الاحتمال الآخر أن تحل الحكومة البرلمان، وتدعو لانتخابات مبكرة في اب (أغسطس) على الأرجح بدلاً من الموعد المقرر في تشرين الثاني (نوفمبر).
في الحالة الثانية سيحتل رئيس البرلمان المتشدد بولنت أرينتش؛ والذي يعتقد أنه الذي دفع إلى ترشيح غول موقع الرئاسة عندما يفرغ الموقع بنهاية فترة الرئيس الحالي في منتصف ايار (مايو)، وقد بات من المؤكد أن العدالة والتنمية سيعزز موقعه في الانتخابات القادمة؛ مما يعني أن موقفه في انتخابات الرئاسة بعد انعقاد البرلمان الجديد مهما كان مرشحه عندها سيكون أكثر قوة.
الانتخابات المبكرة ستكون في الحقيقة أقرب إلى الاستفتاء الشعبي على العدالة والتنمية، وعلى الرئاسة في وقت واحد، وليس هناك شك حتى في الأوساط العلمانية الراديكالية المعارضة؛ أن العدالة والتنمية قد كسب التعاطف الشعبي في هذه الأزمة.
وقوع انقلاب عسكري سافر لا الضغوط الإلكترونية المعنوية وحسب ما يزال أمراً محتملاً؛ ولكن الأرجح أن الجيش لن يلجأ إلى هذا الخيار، الجيش التركي في وضعه الحالي لا يحب الأوروبيين ولا الأمريكيين لأسباب عديدة تتعلق بشروط الوحدة الأوروبية التي تضعف نفوذ الجيش في الحياة السياسية، وبالسياسة الأمريكية في العراق التي تهدد أمن تركيا القومي.
وقيادة الجيش لن تنصاع لنداءات الأوروبيين والأمريكيين، ولكن الجيش يعرف على وجه اليقين أن الشعب التركي لم يعد لديه مزيد من الصبر على تدخلات الجنرالات المتكررة في شؤون الحكم، وأن الانقلاب قد يفجر حالة من الغضب والعنف غير مسبوقة في تاريخ تركيا الحديث، في وقت يعصف الغضب والعنف بكل الجوار التركي.
من ناحية أخرى هناك مؤشرات عديدة على أن قيادة الجيش غير متفقة على نهج التدخل الانقلابي، وأن قطاعاً ملموساً من كبار الضباط لا يريد إدخال الجيش في اللعبة السياسية من جديد، وهؤلاء لن يذهبوا أبعد من دعم ضغوط معنوية على السياسيين مثل البيان الإلكتروني الأخير.
بيد أن من الضروري رؤية القوى الأعمق التي أدت إلى انفجار هذه الأزمة، ثمة من يعتقد أن العدالة والتنمية تسرع في طرح شخصية مثل عبد الله غول لمنصب الرئاسة، إن كان العدالة والتنمية أراد بترشيح غول امتصاص الضجيج الذي أثاره احتمال ترشح أردوغان للمنصب فقد أخطأ الحساب؛ فشخص وتاريخ وزير الخارجية لا يقلان إثارة للجدل من رئيس الوزراء.
كما أردوغان جاء غول من صفوف حزب الرفاه، ومثله أيضاً تضع زوجته غطاء الرأس (أو الحجاب كما هو شائع)، بل إن السيدة خير النساء غول كانت قد تقدمت بشكوى لمحكمة حقوق الإنسان الأوروبية ضد قرار الحكومة التركية منع المحجبات من الأماكن الرسمية العامة، ولم تسحبها إلا عندما تولى زوجها وزارة الخارجية، وأصبحت الشكوى محرجة للطرفين الزوج والزوجة.
والأولى - يقول أصحاب هذا الرأي - كان أن يتقدم الحزب بمرشح ديمقراطي يتفق مع العدالة والتنمية في مجمل توجهاته، ولا يثير سجله أو نمط حياته عداء القوى العلمانية التي تستشعر التراجع والخسارة.
طريق المصالحة الديمقراطية السلمية بين الدولة التركية الحديثة ودين الشعب، وبناء علمانية محايدة غير تبشيرية وغير تدخلية؛ لم يقطع بعد شوطاً كافياً يسمح بوصول أمثال عبد الله غول وزوجته لقصر الرئاسة، هذا مع العلم أن القول بأن زوجة غول ستكون أول سيدة أولى ترتدي الحجاب هو قول غير صحيح؛ فقد احتلت زوجة مصطفي كمال أتاتورك قصر الرئاسة وهي ترتدي الحجاب، وظلت كذلك إلى وفاتها.
من ناحية أخرى يصعب على المراقب للشأن التركي تجاهل واحدة من أهم حقائق الحياة السياسية التركية الحالية، الحقيقة التي لم يستطع تجاهلها حتى معلق رئيسي في صحيفة حريات العلمانية: ففي حين قدم العدالة والتنمية الدليل تلو الآخر على أنه قطع شوطاً كبيراً في طريق التغيير، وإعادة قراءة الشأن التركي منذ ولد من لحظة الأزمة والطريق المسدود الذي واجهه حزب الرفاه؛ فإن النخبة العلمانية التركية السياسية والعسكرية والبيروقراطية لم تتغير قيد أنملة.
تبني حكومة العدالة والتنمية منذ خمس سنوات تركيا جديدة من الازدهار والنمو والاستقرار، تركيا المتصالحة مع نفسها، والتي تنظر لنفسها وينظر لها العالم باحترام بالغ، بينما ترفض النخبة العلمانية التخلي عن طرائق التخويف والتهديد، والابتزاز والاستهتار بإرادة الشعب.
منذ زرت تركيا للمرة الأولى في مطلع التسعينات لم ألحظ ملامح الناس في اسطنبول كبرى مدن الجمهورية، ومستودع تاريخ شعبها وضميره؛ كما لاحظتها في الشهور القليلة الماضية، هذه تركيا في أفضل حالاتها منذ انهيار الإمبراطورية، تركيا ناهضة، تشع بالتفاؤل، ومهما كانت نتائج هذه الأزمة فليس لدى شك في أنها ستنتهي آجلاً أو عاجلاً لصالح الشعب التركي.