حملات الطعن في القرآن والرد عليها ( 2 )
إعداد / أ. د عبد المحسن بن زبن المطيري
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فما يزال حديثنا موصولاً حول الطعن في القرآن الكريم والرد على الطاعنين، فقد تحدثنا في العدد الماضي عن تعريف القرآن الكريم، وتعريف الطعن في القرآن الكريم، وعن أقدم الطعون، ومعرفة أعداء الإسلام لأهمية القرآن، ثم تكلمنا عن أنواع الطعون، ثم أوردنا الردود الإجمالية التي تصلح لكل شبهة.
وفي هذا العدد نكمل ما بدأناه فنقول وبالله - تعالى -التوفيق:
الرد على الطعون الأربعة الرئيسة:
أ- الرد على الطعن الأول (نفي نسبة القرآن إلى الله تعالى):
1- لو كان القرآن من تأليف النبي - صلى الله عليه وسلم -، لاستطاع العرب أن يأتوا بمثله، مع حرصهم الشديد على معارضته، لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتحداهم دائمًا ويكرره عليهم كثيرًا، ومع هذا لم يطق أحد منهم معارضته، ولا يقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بلغ من العبقرية مبلغًا، بحيث لم يستطع أحد أن يأتي
بمثل ما قال؛ لأنه يمكن للمخالفين أن يجتمعوا فيؤلفوا قرآنًا، ومن المعلوم أن الجماعة تبدع وتبتكر أكثر من الإنسان الواحد، فلو اجتمع مائة شاعر مثلاً لتأليف قصيدة؛ لكانت في جمالها وقوتها وسبكها أفضل بمراحل من شاعر واحد أَلَّفَ قصيدة، مهما بلغ هذا الشاعر من البلاغة والبيان، فإذا كان آحاد المشركين لم يستطيعوا معارضة القرآن؛ فلماذا لم يجتمعوا لمعارضته؟ ولكن هيهات؛ فإنه لو اجتمعت قريش والعرب وأهل الأرض قاطبةبل والجن، ما كان لهم أن يأتوا بمثل آية منه: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: 88].
2- «تبرؤ محمد - صلى الله عليه وسلم - من نسبة القرآن إليه ليس ادعاءً يحتاج بينة، بل هو إقرار يؤخذ به صاحبه: في الحقيقة إن هذه القضية لو وجدت قاضيًا يقضي بالعدل، لاكتفى بسماع هذه الشهادة التي جاءت بلسان صاحبها على نفسه، ولم يطلب وراءها شهادة شاهد آخر من العقل أو النقل، ذلك أنها ليست من جنس «الدعاوى» فتحتاج إلى بينة، وإنما هي من نوع «الإقرار» الذي يؤخذ به صاحبه، ولا يتوقف صديق ولا عدو في قبوله منه، أي مصلحة للعاقل الذي يدعي لنفسه حق الزعامة؟ ويتحدى الناس بالأعاجيب والمعجزات لتأييد تلك الزعامة، نقول: أي مصلحة له في أن ينسب بضاعته لغيره، وينسلخ منها انسلاخًا؟ على حين أنه كان يستطيع أن ينتحلها فيزداد بها رفعة وفخامة شأن، ولو انتحلها لما وجد من البشر أحدًا يعارضه ويزعمها لنفسه.
الذي نعرفه أن كثيرًا من الأدباء يسطون على آثار غيرهم، فيسرقونها أو يسرقون منها ما خف حمله وغلت قيمته وأُمنت تهمته، حتى إن منهم من ينبش قبور الموتى، ويلبس من أكفانهم ويخرج على قومه في زينة من تلك الأثواب المستعارة؛ أمَّا أن أحدًا ينسب لغيره أنفس آثار عقله، وأغلى ما تجود به قريحته، فهذا ما لم يلده الدهر بعد». [النبأ العظيم: ص116]
3- «لا أدل على أن الوحي- القرآن- خارج عن الذات المحمدية من مخالفة القرآن في عدة مواطن لرأيه الشخصي ولطبعه الخاص» [القرآن والمستشرقون ص35]. ومعاتبته على أخطائه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ [التحريم: 1]، وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ [الأحزاب: 37]، عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ [التوبة: 43]، مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [الأنفال: 67- 68]، عَبَسَ وَتَولَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ [عبس: 1-11].
أرأيت لو كانت هذه التقريعات المؤلمة صادرة عن وجدانه، معبرة عن ندمه ووخز ضميره حين بدا له خلاف ما فرط من رأيه؛ أكان يعلنها عن نفسه بهذا التهويل والتشنيع؟ ألم يكن له في السكوت عنها ستر على نفسه، واستبقاء لحرمة آرائه؟ بل إن هذا القرآن لو كان يفيض عن وجدانه، لكان يستطيع عند الحاجة أن يكتم شيئًا من ذلك الوجدان، ولو كان كاتمًا شيئًا لكتم أمثال هذه الآيات، ولكنه الوحي لا يستطيع كتمانه: وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ [التكوير: 24]. [النبأ العظيم، ص24].
وقد أقر بهذا الدليل بعض المستشرقين، مثل المستشرق (ليتنر) حيث قال: «مرة أوحى الله إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وحيًا شديد المؤاخذة؛ لأنه أدار وجهه عن رجل فقير أعمى، ليخاطب رجلاً غنيًا من ذوي النفوذ، وقد نشر ذاك الوحي، فلو كان محمد كاذبًا - كما يقول أغبياء النصارى بحقه - لما كان لذلك الوحي من وجود». [دين الإسلام: ص132]
4- نسبة محمد - صلى الله عليه وسلم - القرآن إلى الله لا تكون احتيالاً منه لبسط نفوذه، وإلا لِمَ لَمْ ينسب أقواله كلها إلى الله. [شبهات حول القرآن وتفنيدها. د. غازي عناية ص21]
5- «في بعض المواقف تكون حاجة النبي - صلى الله عليه وسلم - للقرآن شديدة، بل لقد كانت تنزل به نوازل من شأنها أن تحفزه إلى القول، وكانت حاجته القصوى تلح عليه أن يتكلم، بحيث لو كان الأمر إليه لوجد له مقالاً ومجالاً، ولكنه كانت تمضي الليالي والأيام تتبعها الليالي والأيام، ولا يجد في شأنها قرآنًا يقرؤه على الناس؛ ومع هذا لم يتقوله ولم ينزل عليه شيء». [آراء المستشرقين لرضوان ص1/388]
مما يدلك على صدقه؛ إذ الكاذب لا يتأخر في افتراء الكذب عند الحاجة الماسة إليه، ومن أمثلة ذلك حادثة الإفك، وسؤال قريش له عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح، وتحرقه لتحويل القبلة وغيرها.
6- توقف الرسول - صلى الله عليه وسلم - أحيانًا في فهم مغزى النص حتى يأتيه البيان: «لقد كان يجيئه الأمر أحيانًا بالقول المجمل، أو الأمر المشكل الذي لا يستبين هو ولا أصحابه تأويله، حتى يُنزل الله - عز وجل - عليهم بيانه بعد. قل لي بربك: أي عاقل توحي إليه نفسه كلامًا لا يفهم هو معناه، وتأمره أمرًا لا يعقل هو حكمته؟
أليس ذلك من الأدلة الواضحة على أنه ناقل لا قائل، وأنه مأمور لا آمر؟
ومن أمثلة ذلك موقفه في قضية المحاسبة على النيات: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة: 284]، جزع الصحابة من هذه الآية، وأمرهم بالتسليم لها، وكذلك موقفه في صلح الحديبية، وموافقته على كل شروط قريش مع اعتقاد بعض الصحابة أن فيها تنازلاً كبيرًا - كعمر بن الخطاب رضي الله عنه-.
7- إخباره - صلى الله عليه وسلم - في هذا الكتاب بأمور تحصل بعد موته وعلوم لم تكن في عصره، وقد قيل: يمكن أن تخدع كل الناس بعض الوقت، ويمكن أن تخدع بعض الناس كل الوقت، ولكن لا يمكن أن تخدع كل الناس كل الوقت.
فلنفرض أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استطاع أن يخدع كل من كان في زمنه، ألا يخشى أن ينكشف بعد ذلك إذا ازداد الناس علمًا، فهو يخبر بأمور فلكية وأخرى طبية وأمور جغرافية، ويخبر بأحداث سوف تقع بعد موته، ويتكلم بعلوم لم يعرفها أهل زمانه، كل هذا وهو مطمئن القلب لصدق نفسه، ثم لا يأتي الواقع إلا مطابقًا لما قال، ولا يأتي العلم - على تقدمه الكبير - إلا بتأكيد كلامه وتأييد آرائه، أليس في هذا دليل أنه لا يتحدث من قبل نفسه، بل من قبل من يعلم السر والنجوى الذي لا تخفى عليه خافية.
8- من الأدلة على أن القرآن ليس من النبي - صلى الله عليه وسلم -: أوقات نزوله؛ فليس للنبي - صلى الله عليه وسلم - اختيار فيما ينزل أو متى ينزل، فقد يأتيه وهو في الفراش مع أهله، أو وهو نائم، أو مع أصحابه، أو وهو سائر، أو على البعير، وقد يتتابع الوحي ويحمى حتى يشعر بكثرته عليه، وقد يفتر عنه حتى يشتاق إليه، بل قد يمرض من تأخره عليه.
وللحديث بقية بإذن الله.