فرنسا تدخل عصر الردة

أيمن خالد

 

انتخبت فرنسا ساركوزي، في مفارقة العصر، وهكذا بعد قرنين من الزمن، وبعد جملة الشعارات الكبيرة التي أنتجتها الثورة الفرنسية، تدخل اليوم هذه الجمهورية، تحت راية العنصرية من جديد، مثل أي دولة أخرى في العالم في نظر الفرنسيين متخلّفة، وتخوض حروبا ذات طابع عنصري، كما في بعض الدول الأفريقية وغيرها، وأما اليوم، فـفرنسا ذات التاريخ الليبرالي الطويل، تكتشف أن لونها الليبرالي لم يعد مرغوبا به على الصعيد الداخلي، وان هناك حمى اجتياح للعنصرية تجتاح الشارع الفرنسي بعمومه. إن الإشكالية الأساسية هنا، هي أن الطبقة الحاكمة في فرنسا، وبالذات طبقة وسائل الإعلام، لم تستطع خلال السنوات والعقود الماضية، أن تمارس أخلاق المهنة، ولا وجدان وضميرها، فظلت الثقافة الفرنسية التي يتم ضخها على الشارع، هي ثقافة سليلة الاستعمار ومفرداته، وبالتالي عندما تكون كل المفردات الاستعمارية وثقافة الاستعلاء وغير ذلك كلها موجودة إلى جوار آلاف الشعارات البراقة، فإن هذه الشعارات سوف تصبح بكل تأكيد من الماضي، أمام إحياء يومي وحقيقي، لعصور مظلمة عاشتها فرنسا وأوروبا معا من خلال هذه الثقافة. الحرب العالمية الثانية أصلا هي نتاج روح العنصرية، والملايين الذين تم سفك دمهم كانت العنصرية هي المسؤولة عنها، والاستعمار وأدواته ومفرداته، ظلت العنصرية ن ولا تزال مسؤولة عنه، إضافة إلى الجشع الذي غذى هذه النزعة العنصرية بكل تأكيد. لكن الجديد في الأمر، إن الفرنسيين يختارون العنصرية ويتم تبرير ذلك كنتيجة للحالة الاقتصادية، وهنا جوهر المسألة التي انطلق بها ساركوزي، واستطاع ببساطة أن يقود فرنسا من أقصى اليسار، ويقود المركبة نحو اليمين، دون أن يشعر احد من ركابها بالدوار، ظنا منهم أن الطريق السليمة هي التي يسلكونها. المسألة الجوهرية في كل هذا هي ليست تلك الشعارات البراقة التي أنتجتها الثورة الفرنسية ولا غيرها من فلسفة الليبرالية التي كامن حظ العرب فيها أنهم كانوا يستمعون إلى مفرداتها ولكنهم لا يستفيدون منها شيئا، فقد ظل الانحياز الفرنسي صهيونيا بامتياز، فرنسا كثيرا ما دغدغت عواطف العرب، لكنها زودت الكيان الصهيوني بالمفاعل النووي الأساس، بالتالي إن حديثنا هو عن الحركة الثقافية والسياسية داخل فرنسا ذاتها. ففي نهاية الأمر، تبقى الرفاهية هي التي تحكم أوروبا، والغرب بعمومه، فالغرب إن كان ليبراليا أو غير ذلك، فهذه مجرد مسألة داخلية، ولكنه في تعامله مع العرب، يعتمد على قاعدة الرفاهية، فإذا شعر الغرب إن الرفاهية اختلت، فإنه يتحول إلى ((وحش ضار))، وسبب ذلك لأن رفاهية الغرب كله، تقوم أصلاً على حساب الإنسان العربي والفقير في العالم، بمعنى أنها تقوم على استلابه، فكيف به إذا دخل فرنسا واستوطن ملايين العرب في ضواحيها. مساكين سكان الضواحي من العرب والأفارقة، لماذا يتظاهرون ويحلمون بالمساواة مع الفرنسي الأصل، هذه المعادلة هي التي ستحكم الأيام القادمة، حينما ستكون فرنسا مجرد قوة معلنة استعمارية، فالشارع الفرنسي أُشبع كراهية للعرب والمسلمين، فعلت ذلك العديد من المؤسسات الرأسمالية خلال العقود الماضية، وأقنعت المواطن الفرنسي، أن هذا الضيف في الضواحي، هو خطر الوجود الأساس، ولا بد من ثوب العنصرية بغاية الخلاص منه. فرنسا دخلت عصر الردة، ليس عن مبادئ الثورة الفرنسية التي باعتها منذ زمن، ولكنها ارتدت عن قيم العصر التي باتت تنبذ العنصرية بكل ما فيها، خصوصا وأن ملامحها في فلسطين لا يتحملها بشر.

 

11-05-2007

 

http://www.islamselect.com                    المصدر: