أسباب داخلية في البلدين وراء اللقاء الأميركي - الإيراني

سامي شورش

4/05/1428هـ

الحياة/ من المقرر أن يلتقي في الثامن والعشرين من شهر أيار (مايو) الجاري مسؤولون أميركيون وإيرانيون للمرة الأولى منذ عقود للبحث في أحد أهم ملفاتهما الخلافية المتمثل في الملف العراقي، إجمالاً استقبلت دول منطقة الشرق الأوسط المثقل كاهلها بأحمال معقدة من الخلافات بين واشنطن وطهران بينها برنامج إيران النووي، وما يوصف بتدخلاتها في شؤون لبنان، ودعم حزب الله اللبناني، استقبلت أخبار اللقاء المرتقب باستبشار غير قليل مردّه أن اللقاء قد يمهّد للقاءات مباشرة أخرى أرفع مستوى، وأعمق غوراً؛ لنزع صاعق الصراعات بين الدولتين، يشار إلى أن الخلافات الأميركية - الإيرانية وصلت حداً يهدد بفرض عقوبات على إيران، أو شن حرب عليها.

في الواقع يحمل استبشار كهذا في طياته كماً غير قليل من الوجاهة، فالمنطقة لم تعد قادرة على تحمل حروب وصراعات دموية إضافية، كما أن الحرب أو حتى التوترات العسكرية مع دولة مثل إيران قد تكون ذات أكلاف باهظة، فإيران دولة كبيرة ومهمة في الشرق الأوسط إن في حجمها الجغرافي، أو ثقلها السكاني، أو حتى لجهة خصائصها الجيوسياسية، وموقعها على السواحل الشرقية للخليج، كما أنها تمتلك امتداداً دينياً ومذهبياً واضحاً في العالم الإسلامي خصوصاً في الدول المجاورة لها، وهذه كلّها أسباب تجعل من إيران دولة قد يصعب الدخول معها في حروب ومنازعات، والأدهى من ذلك كلّه أن وقائع العقود الثلاثة الماضية أثبتت نجاح النظام الديني الإيراني حاله في ذلك حال دول شمولية أيديولوجية أخرى في العالم في تجيير عامل الزمن لمصلحة بناء مقومات كثيرة لثباته وديمومته على رغم مواضع الضعف والهشاشة في بنيانه، لا أدل على هذا من امتلاك النظام الديني في إيران قاعدة اجتماعية وسكانية هائلة، وأجهزة أمنية وبوليسية، وعسكرية وأيديولوجية قوية البنيان، جيدة التسليح، شديدة الولاء، وهذا كما تُعلمنا تجربة البعث العراقي، وحركة طالبان في أفغانستان؛ يمكن أن يؤسس لخطورة بالغة في حال الدخول معه في مواجهات عسكرية أو سياسية، وجه الخطورة لا يكمن في المواجهة المباشرة الأولى، أو في عملية التغيير عسكرياً، بل في المراحل اللاحقة، أو النتائج المترتبة على تلك المواجهة، العراق وأفغانستان مثالان صارخان.

لكل هذا يحق لكثيرين الاستبشار باللقاء الأميركي - الإيراني المرتقب، لكن في الوقت عينه ينبغي إعطاء الآخرين الحق في عدم توقّعهم لنتائج كبيرة من لقاء كهذا، والأسباب لاستنتاج من هذا القبيل كثيرة، إذ يمكن تلخيص بعضها على الشكل الآتي:

أولاً: أن الدولتين الأميركية والإيرانية لا تذهبان إلى طاولة الاجتماعات بقناعة راسخة مؤداها جدوى الحلول السلمية والديبلوماسية، إنما تذهبان لأسباب داخلية بحتة: ففي واشنطن لا تني ضغوط الديمقراطيين تتزايد على الرئيس جورج دبليو بوش بغية دفعه إلى فتح حوار مباشر مع إيران حول الملف العراقي، يشار إلى أن هذا كان المطلب للديمقراطيين في تقرير بيكر - هاملتون، وعلى رغم أن بوش لم يُبدِ في حينه أي رغبة في تبني المطلب إلا أنه سرعان ما لجأ إلى تبنيه بعدما تضاعفت على إدارته ضغوط الحزب الديمقراطي، وأوساط في الحزب الجمهوري، خصوصاً بعدما احتل الديمقراطيون غالبية مقاعد الكونغرس الأميركي.

بغية الهروب من اللقاء المباشر لم تجد إدارة الرئيس الأميركي بداً من محاولة الحديث إلى الإيرانيين في اجتماعات شاركت فيها أطراف دولية وإقليمية كثيرة، فالسفير الأميركي السابق في بغداد زلماي خليل زاد حاول استغلال المؤتمر الدولي والإقليمي الأول حول العراق في بغداد لإجراء أحاديث جانبية مع ممثلي الحكومة الإيرانية في المؤتمر، كما حاولت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في المؤتمر الثاني الذي عقد في القاهرة تحقيق الهدف ذاته مع نظيرها الإيراني، لكن الإيرانيين الذين تحركوا وفق أجندتهم الخاصة تجنبوا في الحالتين حديثاً مباشراً ومعمقاً مع المسؤولين الأميركيين، تاركين تطوراً كهذا إلى اجتماع ثنائي اتفقوا على عقده في بغداد بوساطات عراقية عدة لم يغب عنها صوت المرجع الديني الشيعي علي السيستاني، ولا جهود وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري.

الأميركيون وافقوا منذ البدء لأن الضغوط الداخلية - بل وحتى الدولية، ومن دول الحلفاء - تزايدت على بوش إلى درجة كبيرة.

من ناحيتهم سيحضر الإيرانيون اللقاء محملين بدوافع داخلية، إذ على رغم النفوذ الطاغي لرئيس الجمهورية الإيراني المتشدد محمود أحمدي نجاد؛ لا تخفي مصادر إيرانية عدة أن الرئيس الإيراني يواجه ضغوطاً داخلية كبيرة هدفها إقناعه بحل مشكلات بلاده مع واشنطن - خصوصاً مشكلتي العراق والبرامج النووية - عبر الحوار والمفاوضات المباشرة، في هذا الإطار يمثل الرئيس الإيراني السابق رئيس مصلحة تشخيص النظام هاشمي رفسنجاني أحد أهم مصادر الضغط.

علاوة على هذا هناك ضغوط من الإصلاحيين داخل النظام الإيراني خصوصاً من أنصار الرئيس السابق محمد خاتمي، والواضح أن النفوذ الفعلي للإصلاحيين يكمن في أوساط طلبة الجامعات، والمثقفين، والشباب، والنساء، هذا إضافة إلى أوساط البرلمانيين باعتبار أنصار خاتمي يشكلون الكتلة البرلمانية الثانية.

أحمدي نجاد في استطاعته مقاومة هذه الضغوط على الصعيد اليومي، غير أن المشكلة تتمثل في أنه عاجز عن مقاومتها إلى النهاية خصوصاً أن الوضع الداخلي في بلاده تتحكم به معادلة معقدة من مراكز الجذب والقوة، كما أن رفسنجاني المعتدل في أفكاره ولهجته السياسية مقارنة بأحمدي نجاد، والعريق في انتمائه للثورة الخمينية؛ يمتلك مفاتيح قد لا يمتلكها أحمدي نجاد للوصول إلى المرجع الأعلى علي خامنئي، لكل هذا لا يمكن تفسير الموافقة العاجلة لخامنئي وأحمدي نجاد على لقاء بين ممثلين لإيران والولايات المتحدة سوى بأنها انحناءة ذكية أمام عواصف الضغط الداخلي.

ثانياً: الأرجح أن العراق ليس هو الهدف المركزي في اللقاء على رغم تأكيد الطرفين أنه سيقتصر على البحث في الموضوع العراقي، أميركا من ناحيتها تريد اللقاء مدخلاً لحل بقية المشكلات مع الإيرانيين في مقابل حوافز اقتصادية وتجارية وسياسية، أما إيران - التي تدرك الحرج الذي تعيشه واشنطن نتيجة عدم قدرتها في المرحلة الراهنة على شن حرب ضدها، أو حتى حشد تأييد دولي وإقليمي لفرض عقوبات عليها - فإنها تريد أثماناً باهظة في مقابل استجابتها للمطالب الأميركية، أول هذه المطالب قبول واشنطن بدور إيراني كبير في العراق ولبنان ومنطقة الخليج، هذا بالطبع إضافة إلى قبولها ببرنامج نووي سلمي، وإطلاق الأموال الإيرانية المجمدة، وحوافز اقتصادية أخرى.

أوساط إيرانية مطلعة تشدد على أن نجاد مقتنع بأن الولايات المتحدة غير مستعدة لدفع هذه الأثمان، ومقتنع بأن ممثليه سيخرجون من اللقاء صفر اليدين، ما يعطيه ذريعة قوية لتجاوز ضغوط المعتدلين والإصلاحيين الداعين لمنطق الحوار مع واشنطن، ومقتنع أن الانتصار حليفه في لعبة الجذب والشد لأن الولايات المتحدة غير قادرة على معاقبة بلاده لا اقتصادياً ولا عسكرياً.

صحيح أن اللقاء الأميركي - الإيراني المرتقب في بغداد حدث كبير، لكن الأرجح أن هذا الحدث قد لا يتجاوز حدود محاولة إيرانية وأميركية جديدة للطرق على حديد بارد، فالدولتان لا تذهبان إلى بغداد للتوصل إلى تصور مشترك لحل مشكلات العراق؛ بل تذهبان لامتصاص ضغوط داخلية في عاصمتيهما أولاً وأخيراً.

http://www.almokhtsar.com:المصدر