أحداث الشمال اللبناني .. الدور السوري وأمور أخرى

ياسر سعد

22- 5- 2007م

الأحداث الدامية في لبنان لغم جديد ينفجر في العالم العربي الفاقد للمناعة, والذي غدا مليئاً بالمفخخات والألغام، وأصبحت ساحاته وجنباته معارك للخصوم، وميادين لتصفية حسابات الآخرين, وباستخدام الأدوات المحلية الغارقة في جهالاتها لمحاولة الفوز بأكبر قدر من غنائمه وأسلابه.

أحداث لبنان وما شهده البلد قبلها وما يزال من حالات شد وجذب بين معارضة وموالاة، إضافة إلى الأحوال المتأزمة والأحداث الدموية العاصفة في غير مكان؛ تظهر وبوضوح الانحدار والانحطاط الذي وصل إليه عالمنا العربي جراء عوامل داخلية ذاتية، وهجمات خارجية شرسة.

الاستبداد السياسي، وفساد شريحة واسعة من الطبقة السياسية في عالمنا العربي، وضياع المحاسبة والمساواة أمام القانون، وتفشي الفساد الإداري تزامناً مع الصراع الدولي والذي لا يرى في المنطقة إلا سوقاً استهلاكية للسلاح وللسلع والخدمات، ويرى أنه من مصلحته أن تبقى المنطقة متوترة وملتهبة، وبعيدة عن السلم والاستقرار؛ لتبقى أسيرة الصراعات، ورهينة التخلف والحاجات الاستهلاكية.

من الأهمية بمكان أن تلفت أحداث نهر البارد الأنظار إلى مأساة اللاجئين الفلسطينيين الذين يعانون في الشتات ولعقود ظروفاً إنسانية قاسية وصعبة, تهيئ المناخ لأن ينشأ جيل أو شريحة منه على الأقل وقد ملأت قلوبها مشاعر السخط والغضب من عالم شارك في صنع معاناتها، وهو يحاول جاهداً - وبكل الأساليب والطرق - المضي في مظالمه بإلغاء حقها الطبيعي والقانوني للعودة إلى ديارها وبلادها والتي سكنها واستوطنها الأغراب المغتصبين.

المجموعات الإسلامية التي تعرف بأنها "متطرفة" هي في كثير من الأحوال نتاج ظروف قاسية من الاضطهاد والقمع، وغياب الحريات الفردية، وانتهاك حقوق الإنسان، ففي الوقت الذي تمنع فيه غير دولة عربية - مصر مثالاً - الجماعات الإسلامية المعتدلة والتي تتنازل عن كثير من حقوقها, وتزج بكوادرها في السجون، وتلاحق قياداتها، وتشن عليها الحملات الإعلامية، رغم الفشل الذريع في الحكم والإدارة لتلك الحكومات الشمولية، وإن تدثرت بمظاهر زائفة من الديمقراطية الديكورية؛ نجد أن التنظيمات التكفيرية تنتشر وبطريقة انشطارية وكبيرة في عالمنا العربي لتفاجئنا بتفجيرات أو عمليات كبيرة تهز مجتمعاتنا لتزيدها بلاء على بلائها، وبؤساً على بؤسها.

المجموعات المندفعة التي لا ترى في غير العنف سبيلاً لتحقيق طموحاتها, يسهل كثيراً - وفي غياب مشاريع عملية، ورؤى استراتيجية - تجييرها لصالح جهات وفئات حاقدة على الإسلام وأهله ومنهجه, ويمكن اختراقها من جهات استخبارتية إقليمية ودولية، توظف دماءها وأرواح زهرة شبابها في غايات هي نقيض ما أراده أولئك الشباب الضحايا - الجناة.

لذلك لم يكن عجباً أن تتعدد التقارير التي تتحدث عن دعم إيراني على سبيل المثال لتنظيمات "متطرفة" في العراق، والتي تقاوم الأمريكان بزعمها عبر عمليات جنونية غير مقبولة، ومواقف متهورة؛ قد تدفع البلاد إلى حرب أهلية، وتنفر الجماهير من المقاومة الصادقة والنزيهة.

أصابع الاتهام من خصوم سورية في لبنان في الأحداث الأخيرة - وهم كثر - توجهت نحو سورية، والتي من مصلحتها زعزعة الاستقرار في لبنان للتهرب من استحقاقات المحكمة الدولية في مسألة اغتيال رفيق الحريري.

والحقيقة أن سورية النظام بأسلوب نفيها على لسان مندوبها في الأمم المتحدة؛ كادت أن تصادق على تلك الادعاءات، وتدين نفسها بنفسها، مع التذكير بمسألة أبوعدس واعترافاته التلفازية المزعومة باغتيال الحريري, والأحداث الدامية العجيبة بين قوات الأمن السورية و"أصوليين" مزعومين من حين لآخر.

فقد قال سفير سوريا لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري: "إن متشددين يقاتلون قوات الجيش اللبناني أودعوا السجن في دمشق قبل سنوات قليلة لصلاتهم بتنظيم القاعدة، وسيعاد اعتقالهم إذا عادوا إلى البلاد".

وفي معرض نفيه اتهامات بأن سوريا كان لها صلات بجماعة فتح الإسلام التي تقاتل الجيش اللبناني قال السفير: "إن عدداً من أعضاء الجماعة قضوا "ثلاثة أو أربعة أعوام" في السجون السورية "قبل عامين" بسبب روابط مع القاعدة، ثم أفرج عنهم وغادروا البلاد"، وأضاف قائلاً للصحفيين: "إذا عادوا إلى سوريا فإنهم سيودعون السجن، إنهم لا يقاتلون لمصلحة القضية الفلسطينية، إنهم يقاتلون لمصلحة القاعدة"، وقال: "إن معظم قادة الجماعة فلسطينيون أو أردنيون أو سعوديون، وربما أن "اثنين منهم" سوريان"، وأضاف: "إنه بعد إطلاق سراح قادة الجماعة بدأوا "ممارسات إرهابية"، ودربوا "عناصر جديدة" لمصلحة القاعدة، لكنهم غادروا سوريا حتى لا يتعرضوا للسجن مرة أخرى".

إذن هناك أعضاء بارزون في التنظيم كانوا رهن الاعتقال في سورية التي تحاكم الناشطين السياسيين بأحكام قاسية لمواقف سياسية سلمية، وتعلن أنها جزء مهم في الحرب العالمية على "الإرهاب"، وأنها ضحية الإرهاب "الإسلامي المتطرف", يقضي في سجونها ولمدة قصيرة عناصر من "القاعدة"، ثم يكون لهم - حسب المسؤول السوري - بعد إطلاق سراحهم ممارسات إرهابية، وتدريب لعناصر جديدة، ثم يغادرون سورية بسلام من بعد, مع الانتباه أنهم لو عادوا لقبض عليهم.

تصريحات الجعفري، والمعلومات التفصيلية عن التنظيم؛ تثير الريبة، وترفع الكثير من علامات الاستعلام والتعجب التي تؤيد المزاعم التي تقول: "إن النظام السوري هو من ساهم في صنع هذه المجموعة، وأنها مخترقة لصالحه تماماً، وأنه يستخدم عناصرها الشابة ودماءهم لمصالحه السياسية الضيقة في محاولة لتسجيل نقاط على الساحة اللبنانية الهشة، والمرشحة لانفجارات عنيفة".

وفي كل الأحوال أحداث لبنان لها ما بعدها, والألغام الكثيرة في لبنان وفي غيره مرشحة للانفجار, والأمور في مجمل المنطقة لا تبشر بخير، بل إن السحب الداكنة تتجمع في السماء العربية, فيما أنظمة عربية مشغولة بمسرحيات إعادة انتخاب القائد الضرورة، وأخرى بتهيئة الأجواء لتوريث الحكم الجمهوري، وثالثة بمحاربة الحجاب، وتدبيج المدائح لرئيس نقل البلاد من قاع إلى قيعان.

http://www.alasr.ws:المصدر