الانتخابات الجزائرية تكريس لأزمة مستمرة
1 جمادى الأولى 1428هـ الموافق له 17- 5- 2007م
الخبر:
ينتخب الجزائريون اليوم برلماناً جديداً، حيث يختار الجزائريون 389 نائباً للبرلمان من أصل12 ألف مرشح ينتمون إلى 24 حزباً سياسياً، والعديد من القوائم المستقلة بعد حملة سياسية انتخابية استمرت أكثر من شهر.
التعليق:
هذه هي الانتخابات التشريعية الثالثة التي تجرى في الجزائر منذ الانقلاب الذي قام به العسكر على الجبهة الإسلامية للإنقاذ عقب فوزها بانتخابات عام 1992م، وخلال الانتخابات السابقة أطلق المرشحون كثيراً من الوعود الخلبية بالإصلاح والتغيير، والتي لم يُحقق منها إلا مكاسب لأصحاب السلطة والمقربين منها، بينما عاش المواطن الجزائري البسيط خلال هذه الفترة بين المطرقة والسندان، مطرقة العنف الذي اجتاح البلاد عقب انقلاب العسكر، والذي لا يزال مستمراً حتى الآن، بل وخيم على الانتخابات الأخيرة، وسندان الحكومات المتعاقبة التي أسهمت في زيادة معاناة وفقر الشعب.
لذلك، وحسب العديد من المراقبين؛ فإن الجزائريين بمختلف أطيافهم لم يتفاعلوا مع الحملة الانتخابية التي انتهت مساء الثلاثاء الماضي، وتعاملوا معها بنوع من الفتور واللامبالاة، وعبّر ما يزيد عن 88% من الناخبين الجزائريين في استفتاء أجرته صحف جزائرية عن عدم رضاهم عن خطابات المرشحين على اختلاف أطيافهم السياسية، مشيرين في الوقت ذاته إلى أن المشهد السياسي الجزائري خلال الانتخابات الأخيرة يكاد يكون صورة كربونية من الانتخابات السابقة.
فالائتلاف الحاكم، والذي يتكون من تحالف أحزاب (جبهة التحرير الوطني - ممثل في البرلمان الجزائري بـ199 نائباً -، والتجمع الوطني الديمقراطي - ممثل في البرلمان الجزائري بـ48 نائباً -، وحركة مجتمع السلم "حمس" - ممثلة في البرلمان الجزائري بـ38 نائباً) -، هو أقوى المرشحين للفوز بالانتخابات ليس لتميزه وكفاءته ولكن لأنه لا يوجد بديل أو منافس قوي بين الأحزاب الأخرى.
أما أحزاب المعارضة الرئيسة فهي أضعف من أي وقت مضى، فحركة الإصلاح الوطني - وهي حزب إسلامي ممثل في البرلمان الجزائري بـ43 نائباً - تعاني من أزمة خطيرة بعد انقسامها إلى فصيلين، وإبعاد مؤسسها وأبرز شخصياتها الشيخ "عبد الله جاب الله" منها، وأما على الجبهة الأمازيغية فأبرز أحزابها "جبهة القوى الاشتراكية" بزعامة "حسين آيت أحمد" فقد دعت إلى مقاطعة الانتخابات، وهناك حزب "التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية" بقيادة سعيد سعدي، وهو غير ممثل في البرلمان؛ لمقاطعته الانتخابات الماضية، وقد يفوز هذا الحزب ببعض المقاعد في هذه الانتخابات، بينما بقية الأحزاب والقوى الأخرى لا يعتقد أن تحقق نجاحاً كبيراً، ويبقى في المعارضة بعض الأحزاب اليسارية، ومجموعة من الأحزاب الصغيرة والتي لا يُسمع عنها إلا أثناء الانتخابات، ولا يتوقع لها أن تحقق نجاحاً يذكر.
أما المشهد الإسلامي - وهو الأكثر حضوراً في الشارع الجزائري - فيتقاسمه ثلاث قوى رئيسة: الأولى حركة مجتمع السلم "حمس" والتي تعد امتداداً لجماعة الإخوان المسلمين، وهذه الحركة رضيت بدخول تحالف مع النظام؛ مما أفقدها شعبيتها في الشارع الجزائري، خاصة في ظل ضعف الإنجازات التي حققها الائتلاف الحاكم خلال الدورة الماضية، وأما الثانية فهي حركة الإصلاح الوطني، فهذه الحركة كما سبق وأشرنا قضى عليها انقسامها، أما الثالثة فهي جبهة الإنقاذ الإسلامي وهي الأبرز بين القوى الإسلامية، ولا يزال لها تأثيرها القوي في الشارع على الرغم من الأزمات التي عصفت بها، كما يتمتع قادتها خاصة الشيخين "عباس مدني" و"علي بلحاج" بكارزمية كبيرة، وتعاطف كبير من جماهير الشعب الجزائري، ولكن النظام يحظر عليها المشاركة في العمل السياسي؛ خوفاً من تكرار سيناريو عام 1992م، ومعظم قادة الجبهة قد دعوا إلى مقاطعة الانتخابات الأخيرة كوسيلة للتعبير عن رفض الحظر المفروض على الجبهة.
يبقى أن نشير إلا أنه على رغم من ترجيحات معظم المراقبين أنه لن يكون هناك مفاجآت كبيرة خلال هذه الانتخابات، وأن الأوضاع في البلاد مرشحة للاستمرار كما هي عليه الآن؛ أقول على الرغم من ذلك: فإن هذه الانتخابات لها أهمية كبرى؛ لأنها ستحدد إلى حد بعيد الرئيس القادم للبلاد؛ حيث سيحدد المجلس المنتخب التعديل الدستوري المقترح لمنح الرئيس "عبد العزيز بو تفليقة" فترة رئاسية ثالثة، وهو ما يجعل هذه الانتخابات برأي المراقبين مؤشراً هاماً لانتخابات الرئاسة المقبلة عام 2009م.