السودان بين أميركا والصين
أحمد عمرابي
9/05/1428هـ
البيان/ ما الذي يدعو «بنك التنمية الإفريقي» الذي تشارك في عضويته ورأسماله 53 دولة إفريقية إلى عقد اجتماعه السنوي هذه المرة في شنغهاي - العاصمة الصناعية والتجارية العظمى في الصين؟ -، فقد شهدت شنغهاي في الأسبوع المنصرم وفوداً إفريقية تتوافد إليها، وتتكون من وزراء مالية وتخطيط، ومحافظي بنوك مركزية ورجال أعمال.
الحدث غير مألوف، لكنه ليس من دون مغزى، ذلك أن مغزاه هو أنه يشكل معلماً جديداً لتفوق الصين على الولايات المتحدة على طريق التنافس الاقتصادي بين القوتين في القارة الإفريقية، هذا هو الإطار العريض الذي ينبغي أن نتفحص من خلاله الشراكة الاقتصادية والتجارية المتنامية بين الصين والسودان، وانعكاسها على الصعيد السياسي.
لكن الإطار أعرض من ذلك، لأن الأمر يتصل بصراع اقتصادي - سياسي أوسع نطاقاً بين الصين والولايات المتحدة على المستوى العالمي بأسره، الاستثمارات الصينية في بلدان القارة الإفريقية تناهز حالياً عشرات المليارات من الدولارات، في حين أن الصادرات الإفريقية إلى السوق الصينية تتصاعد بمعدلات أسطورية.
بينما ينحصر النشاط الأميركي في أنحاء القارة في جوانب سالبة اقتصادياً كملاحقة «الإرهاب»، وإشعال حروب محلية أو إقليمية، «بنك التنمية الإفريقي» كما يستدل من اسمه متخصص في التمويل التنموي، ومن هنا كانت نقطة الالتقاء بين البنك والصين.
فالاستثمارات الصينية في البلدان الإفريقية يغلب عليها الطابع التنموي الجاد، ولهذا أصبح لبنك الصادرات والواردات الصيني - الذراع المالية الصينية في الخارج - حضور متعاظم في إفريقيا، هذا مما يفسر لنا لماذا اختار بنك التنمية الإفريقي أن يعقد اجتماعه السنوي في شنغهاي، وهي بالمناسبة المرة الأولى التي يعقد فيها مثل هذا الاجتماع المهم خارج القارة الإفريقية.
فالهدف من الاجتماع هو خلق علاقة عمل تنسيقية بين البنك والسلطة الصينية، بما في ذلك مشاركة الصين في تمويل مشروعات إفريقية في مجال البنى التحتية كالسدود، والطرق البرية، ومنشآت توليد الكهرباء، لكن لماذا صار السودان أكبر بؤرة للصراع الأميركي - الصيني في إفريقيا؟
والإجابة هي: لأن السودان صار الدولة الإفريقية الأولى من حيث الشراكة الاستثمارية مع الصين أولاً، ومن حيث التطور السريع لتنامي هذه الشراكة ثانياً، ومن حيث امتداد الشراكة في الدائرة الاقتصادية - التجارية إلى الدائرة السياسية، ومن هنا تريد الصين لهذه العلاقة الاستراتيجية أن تكون النموذج المثالي الذي ينبغي أن تحتذيه الدول الإفريقية الأخرى.
الصراع الأميركي - الصيني حول السودان على صعيد مجلس الأمن الدولي قد يبدو لعين الرائي الساذج محصوراً في المسألة الدارفورية، لكنه على هذا النحو ليس سوى ملمح واحد من ملامح متعددة لصورة كبيرة تعكس صراعاً عريضاً مصيرياً بين الدولتين ينتظم إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.