قرار مجلس الأمن كلمة السر لإسقاط النظام السوداني
رضا عبد الودود
فور إصدار مجلس الأمن قراره رقم1593 يوم الخميس الماضي الخاص بإحالة المسؤولين السودانيين (قائمة الـ51) للمحاكمة أمام محكمة العدل الدولية، سارعت أجهزة الاستخبارات ومراكز صنع القرار ومراكز البحوث العالمية في دراسة السيناريوهات المستقبلية لتطورات الأوضاع في السودان التي جاءت ردود أفعالها متصاعدة من قبل حكومتها؛ إذ أعلنت رفضها تسليم أي سوداني للمحاكمة خارج أراضيه، مما يفتح الباب واسعاً أمام كل احتمالات التصعيد حيث ينذر هذا الموقف - الذي لن ينال رضا المجتمع الدولي في ظل الهيمنة الأمريكية والمصالح الاستراتيجية الحاكمة بين واشنطن وأوربا والصين وبقية القوى الدولية - بتصعيد الحظر الاقتصادي والسياسي والعسكري على الحكومة السودانية.
معارضة غير وطنية
وبعيداً عن الوطنية وفي إطار الازدواجية التي تحكم علاقة المعارضة السودانية بالحكومة دعا الصادق المهدي والتجمع المعارض إلى وقف مفاوضات أبوجا ومفاوضات القاهرة، ودعت المعارضة السودانية من أسمرا إلى حشد كافة القوى المعارضة للزحف للخرطوم والضغط على الحكومة السودانية التي تشهد فراغاً دستورياً مستقبلياً في حالة اضطرار الحكومة تسليم عدد من مسؤوليها للمحاكمة الدولية بحسب تفسيرات المعارضة وإستراتيجياتها- وحمّل حزب المؤتمر الشعبي الحكومة مسؤولية ما يحدث لها بتهميشها القوى السياسية والانفراد بالحكم والتراخي في معالجة أزمات البلاد، وطالبها بإقرار الحريات وتشكيل حكومة قومية انتقالية تتصدى للقضايا الراهنة.
واقترح متمردو دارفور أن يتولى زعيم "الحركة الشعبية لتحرير السودان" الدكتور جون قرنق رئاسة حكومة انتقالية بديلة لحكومة الرئيس عمر البشير "لملء فراغ دستوري مرتقب ولإنقاذ السودان من الفوضى"، فيما كثفت فصائل المعارضة في الخارج من تحركاتها لتكوين كيان لجميع المعارضين، ودعا بعضها إلى "الزحف نحو الخرطوم". وتواصلت ردود الأفعال على قرار مجلس الأمن رقم 1593 في أوساط المعارضة السودانية التي أبدت غالبيتها ترحيباً واسعاً بالقرار. وبادرت الفصائل في العاصمة الاريترية بإجراء مشاورات مكثفة تمهيداً للدعوة إلى اجتماع طارئ لـ"التجمع الوطني" والفصائل الأخرى بما في ذلك "المؤتمر الشعبي" بزعامة الدكتور حسن الترابي و"حزب الأمة" بزعامة الصادق المهدي، في أسمرا لتنسيق "التصعيد ضد الحكومة الحالية". وقال أمين التنظيم في "المؤتمر الشعبي" الدكتور الحاج آدم: "إن الوضع يتطلب توحيد كل الجهود والتقاء كل الفصائل للزحف نحو الخرطوم، واقتلاع النظام الحاكم من جذوره بعدما فشل في إدارة شؤون السودانيين وصدرت ضده الإدانة الدولية". أما الأمين العام لـ"حركة تحرير السودان " مني أركو مناوي فدعا إلى الإسراع في تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم كل المهمّشين والقوى المعارضة على أن يتولى قرنق رئاسة الحكومة إلى حين إجراء انتخابات عامة بحسب اتفاق نيفاشا بين الخرطوم و"الحركة الشعبية" في يناير الماضي. ورأى "أن مهمات الحكومة تتمثل في ملء الفراغ الدستوري الذي سينجم بعد تدخل المجتمع الدولي للقبض على المتهمين في جرائم الحرب"، إضافة إلى تنفيذ اتفاق "نيفاشا وتطبيق نموذج الاتفاق على دارفور والشرق وأقصى الشمال". وحذر مناوي "من الفوضى التي يمكن أن تنجم مع توجه الأمم المتحدة نحو تطبيق قرارها، وفي السياق ذاته، اعتبر الأمين العام لـ"جبهة الشرق" مبروك سليم مبارك أن الحكومة "تلقت الضربة القاضية وفقدت شرعيّتها، ودعا المنسق العام لـ"قوات التحالف السودانية" الدكتور تيسير محمد أحمد إلى "وقف كل الاتصالات مع الحكومة، وتعليق مفاوضات القاهرة التي يشارك فيها التجمع لعدم جدوى التفاوض في الظروف الراهنة". وأشار رئيس "حركة المهجّرين" علي خليفة عسكوري إلى "أن الوقت ملائم لتوحيد المعارضة. الفرصة ذهبية لإطاحة البشير". ولوحظ أن المعارضين بدؤوا يقترحون مسمّيات جديدة لكيان جامع مثل "جبهة عريضة للتحوّل الديموقراطي والسلام العادل" لتكون صيغة لمواجهة الحكومة التي أعلنت رفضها قرار مجلس الأمن، الأمر الذي رآه المعارضون فرصة أمام "التدخل الدولي عسكرياً للقبض على المسؤوليين الحكوميين". وفي هذا الإطار، قال رئيس "حركة العدل والمساواة" الدكتور خليل إبراهيم: "نتمنى أن ترفض الخرطوم القرار كي تتيح الفرصة للمجتمع الدولي لإرسال قواته العسكرية".
أبعاد قرار مجلس الأمن
ويكشف قرار مجلس الأمن قدراً كبيراً من الازدواجية السياسية؛ حيث إن السودان وواشنطن لم توقّعا على البرتوكول الخاص بالانضمام للمحكمة الدولية، وعلى الرغم من الرفض الأمريكي للمحاكمة إلا أنها سعت - بتبادل الأدوار مع فرنسا - في تصعيد الهجوم الدبلوماسي على السودان.
ويحمل قرار مجلس الأمن عدد من الأبعاد والتباينات السياسية التي ترسم ملامح الخريطة المستقبلية للعديد من القضايا الأفريقية والدولية والإقليمية:
-حيث أظهر القرار مدى النجاح الأمريكي في تنسيق المواقف ضمن سياسة توزيع الأدوار مع الجانب الأوربي خاصة فرنسا التي وافقتها في صياغة القرار الخاص بالانسحاب السوري من لبنان، نظير التوافق في الضغط على السودان.
-لم تبدِ الصين التي عوّلت عليها الخرطوم كثيراً في استخدام حق الفيتو ضد القرار أي اعتراض عليه، بالرغم من أنها المستثمر الأكبر في مجال البترول السوداني، والشريك الأساسي في التبادل التجاري مع الخرطوم، بما يعني تغليب الصين لمصالحها الإستراتيجية الكبرى مع واشنطن في آسيا، وفي قضايا تايوان والتجارة الدولية، وملفات حقوق الإنسان في التبت وفي تركستان وغيرها، الأمر الذي يُعد استمراراً لغياب دور فاعل للصين إزاء القضايا العربية.
ويزيل القرار النقاب عن مخطط تقسيم السودان، حيث سينسف تطبيق القرار سعي الحكومة إلى العدل في دارفور من خلال مصالحة اجتماعية ومشاركة المجتمع في تسوية الخلافات القبلية. لكونه يشجع متمردي دارفور على الاستمرار في مقاطعة مفاوضات أبوجا الجارية برعاية الاتحاد الإفريقي والمعلقة حالياً. كما أن إعلان الحكومة حالة التعبئة العامة وفتح معسكرات التدريب العسكري للشباب يجر البلاد للوراء بعد أن سادت حالة الاستقرار النسبي في عموم السودان عقب توقيع اتفاق السلام الذي أنهى (21) عاماً من الصراع. وتزداد خطورة سيناريو التقسيم والاضطراب لما يثيره من نعرات قبلية وعرقية حيث سترفض القبائل تسليم قادتها الذين تضمهم قائمة الـ51 الدولية وتوسعاتها المستقبلية التي ستبدأ سيناريوهاتها مع بدء لجان التفتيش القانونية التابعة لمحكمة العدل الدولية خلال ثلاثة الشهور المقبلة. ويرى بعض المراقبين أن قرار مجلس الأمن يقوي جبهة الحركة الشعبية "لأنه يقلل من شرعية النظام القائم في الخرطوم ويضعه في قفص الاتهام، بما يفتح المجال لجارنج، ليرفع سقف مطالبه خاصة، وأنه يمتلك حق الفيتو على كافة القرارات الحكومية، وقدرته على تجميع المعارضة التي يساند قضاياها في مواجهة الحكومة كما وضح من مطالبات بعض قوى المعارضة التي طالبت بإعادة تشكيل تركيبة الحكم من جديد وبما يتماشى مع طبيعة المرحلة الجديدة من الضغوط الدولية الساعية لتفكيك نظام حكم الإنقاذ في السودان.
- وبصدور قرار مجلس الأمن تتأكد إرادة القوى الكبرى وخاصة الولايات المتحدة وفرنسا في تهميش دور الاتحاد الإفريقي الذي أصبح في موقف لا يُحسد عليه عقب تجاوز دوره من خلال مجلس الأمن الذي رفض مقترحاته بمحاكمة السودانيين في محكمة إفريقية تابعة للاتحاد في نيجيريا، على الرغم من وجود قواته العسكرية المقدرة بنحو (2000) جندي في دارفور.
تصعيد صهيوني جديد
وعلى صعيد الضغوط المتوالية على الخرطوم صعدت المنظمات اليهودية غير الحكومية حملة دولية مكثفة ضد السودان على هامش اجتماعات الدورة (61) للجنة الدولية لحقوق الإنسان بجنيف الخميس الماضي، حيث عقدت (35) منظمة يهودية برئاسة ياناى برس؛ ندوة بعنوان دارفور دروس وعبر الإبادة الجماعية بالتنسيق مع المتحف التذكاري الأمريكي للإبادات". تحدث فيها نيل فرنجراس مدير مكتب معونة اليهود المهاجرين الإسرائيليين في فيينا، والذي ادّعى أن الأحداث في دارفور تمثل أكبر مظاهر الإبادة الجماعية في العالم".
وتبرز خطورة تلك التصريحات والضغوط الدولية في أنها تشكل إحدى أنشطة اللوبي الصهيوني للكونجرس الأمريكي لتشويه سمعة السودان وتضليل الرأي العام العالمي حول مشكلة دارفور وربط مشكلة دارفور بأجندة صهيونية لا صلة لها بالواقع. الأمر الذي اعتبره نجيب الخير عبد الوهاب (وزير الدولة بالخارجية السودانية) تدّخلاً سافراً في الشأن السوداني يدعمه وجود أكثر من (35) منظمة صهيونية تعمل حالياً تحت غطاء المجال الإنساني في معسكرات اللاجئين السودانيين في تشاد التي بدأت مطلع الأسبوع الحالي تطبيعاً على كافة المستويات مع الكيان الصهيوني؛ بما يكرس الضغوط الخارجية على السودان ويوتر علاقاته مع جيرانها في الغرب تشاد وفي الشرق إرتيريا.
ونستطيع فهم تلك التطورات في ضوء سياسة "تفكيك النظام" القائم عبر اتفاقيات سلام متعددة وضغوط تفكك أوصال السودان لصالح المتمردين. ويبدو أن هذه الخطة الأمريكية الأوروبية نشطت باتجاه التنفيذ في أعقاب توقيع اتفاقية السلام السودانية النهائية في الجنوب بين حكومة الإنقاذ وحركة التمرد بزعامة جون جارانج، حيث جرى الانتقال سريعاً إلى ملف غرب السودان في دارفور، وبدأت عملية توزيع أدوار بين واشنطن وأوروبا والأمم المتحدة تقوم على طلب محاكمة 51 مسؤلاً سودانياً في محاكمة دولية واتهام حكومة الخرطوم بـ"الأصولية"، فيما بدأت خطط لدعم حركات متمردة في شرق السودان مثل الأسود الحرة والبجا بهدف فتح ملف الشرق أيضاً ضمن خطط التفتيت. ويصب ذلك في دائرة تصفية تركة الإنقاذ في السودان، وتصفية التوجه الإسلامي والعربي للسودان لصالح العلمانية والعرقية الإفريقية! والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو أين دور المعارضة الوطنية في السودان، والتي ترفض المشاركة في تنفيذ مخطط صهيوني أمريكي - باتت معالمه واضحة لا يستهدف حاضر ومستقبل السودان فقط وإنما الوجود العربي والإسلامي في المنطقة ككل!
26/2/1426
05/04/2005