إثيوبيا تعلن الحرب .. والمحاكم تعلن الجهاد ضد الغزاة .. ماذا بعد ؟!
بدر حسن شافعي
قوات صومالية
هل تحدث المواجهة الوشيكة والمتوقعة بين المحاكم الإسلامية والقوات الإثيوبية التي توغلت في البلاد، بحجة الدفاع عن حكومة حليفها رئيس الدولة عبد الله يوسف ورئيس وزرائه علي جيدي؟ سؤال بات مطروحاً الآن وبقوة بعدما سقطت مدينة "بور هكبة" الإستراتيجية على الطريق بين مقديشو ومدينة بيداوا مقر الحكومة في أيدي المحاكم، مما جعل المسافة التي تفصل بين قوات الجانبين لا تزيد على أقصى تقدير عن 10 كلم.
ومما يزيد من أخطار ذلك، إعلان كلا الجانبين الحرب ضد الآخر، فقوات المحاكم أعلنت على لسان رئيس مجلس الشورى الشيخ "حسن طاهر عويس" الجهاد ضد إثيوبيا أواخر أكتوبر الماضي، بل طالب كل الصوماليين بالجهاد ضمن صفوف المحاكم، مشيراً إلى أنه لن يطالب المجتمع الدولي بإخراج هؤلاء، وإنما ستقوم قواته بإخراجهم بنفسها، وستتناثر قبور هؤلاء في كل مكان (صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، 24 أكتوبر 2006م).
وفي المقابل أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي "ميلس زيناوي" في وقت متزامن تقريباً أن بلاده في حالة حرب ضد المحاكم الإسلامية (صحيفة الشرق الأوسط، 25أكتوبر 2006م)، بل أكثر من ذلك فقد أعلنت أديس أبابا صراحة أنها ستتدخل لصالح الحكومة الصومالية في حالة هجوم المحاكم على بيداوا (الشرق الأوسط 25أكتوبر2006).
ومما يزيد من مصادر القلق أن بعض الاشتباكات وقعت بين قوات المحاكم وبعض القوات الإثيوبية ليس في بيداوا ولكن في مدينة "باندريالي" بالقرب من حدود إقليم "بونت لاند" شمال شرق البلاد، والذي يحظى بعلاقات وطيدة أيضاً مع إثيوبيا، ويعارض أي نفوذ للمحاكم.
تحذيرات أمريكية.. ولكن!
وبالرغم من أن الإدارة الأمريكية طلبت من إثيوبيا عدم التورط في الصومال، وجر البلاد إلى حرب أهلية قد تؤدي إلى توتر الأوضاع في منطقة القرن الإفريقي ذات الأهمية الإستراتيجية لواشنطن وحليفها الصهيوني، إلا أن حكومة أديس أبابا لم تستجب لهذه التحذيرات، وربما يرجع ذلك إلى عدة أمور:
1. أن إثيوبيا قد تعمل على شن حرب محدودة ضد المحاكم؛ لردعها عن الاستمرار في سيطرتها على المدن التي كانت خاضعة في السابق للحكومة ولأمراء الحرب، ولإضعاف شوكتها في أي مفاوضات قادمة.
ومعلوم أن حكومة زيناوي لا ترغب في سيطرة المحاكم على مقاليد الأمور في البلاد لعدة أسباب من أبرزها ما يلي:
أ. أن سيطرة المحاكم على مقاليد الأمور قد تدفعها للمطالبة بإقليم الأوجادين المسلم الذي تحتله إثيوبيا منذ عدة عقود، خاصة إذا عرفنا أن بالإقليم عدة قوى وجبهات تطالب بالانفصال والعودة إلى الوطن الأم.
ب. أن فوز المحاكم قد يشجع قوى المعارضة الإثيوبية على التمرد ضد النظام الذي لا يمثل سوى الأقلية (أقلية التيجراي) في مواجهة قوى الأورومو المسلمة، والأمهرة التي حكمت البلاد لفترات طويلة من الزمن.
ج. أن فوز المحاكم قد يؤدي إلى دعم القوى الإسلامية في إثيوبيا، خاصة الأورومو التي عانت من اضطهاد كبير على أيدي كل من التيجرانيين والأمهرة.
2. أن إثيوبيا ترغب في توجيه رسالة قوية لعدوها اللدود إريتريا بأنها مازالت الطرف الأقوى في صراعهما بشأن الحدود المتنازع عليها بينهما، والتي أدت إلى وقوع حربين بينهما خلال السنوات العشر الماضية، خاصة بعدما تردد أن إريتريا تدعم المحاكم لمواجهة النفوذ الإثيوبي المتنامي الداعم للحكومة.
أوغندا وكينيا على الطريق
ومما قد يؤدي إلى تعقيد الأمور إعلان أوغندا مؤخراً على لسان وزير الأمن وجود قوات تابعة لبلاده للدفاع عن حكومة الرئيس عبدالله يوسف، وتدريب القوات الحكومية، وأن ذلك يتم منذ فترة، بالرغم من أن حكومة كمبالا كانت تنفي ذلك من قبل (الشرق الأوسط 17 نوفمبر 2006م).
ولا يختلف الوضع كثيراً بالنسبة لكينيا ذات الأغلبية المسيحية التي كانت ترعى المفاوضات بين الفرقاء الصوماليين في الفترة من 2002م وحتى 2004م، وهي المفاوضات التي أسفرت عن تشكيل الحكومة الحالية التي وصفت بأنها حكومة أمراء الحرب، وأنها حكومة عميلة لإثيوبيا، حيث لعبت نيروبي دوراً كبيراً أيضاً في تشكيل هذه الحكومة الموالية لها أيضا، والتي لن تطالب بإقليم النفد N.F.D)) الصومالي الذي تحتله منذ عدة قرون.
ولعل هذا يفسر أسباب اعتراض المحاكم على تدخل هذه الدول تحت مظلة منظمة الإيجاد (الهيئة الحكومية للتنمية) من أجل تسوية الصراع، على اعتبار أن هذه الدول منحازة لصالح الحكومة.
ادعاءات كاذبة
وبالرغم من أن الانتصارات التي حققتها المحاكم على أرض المعركة هي انتصارات صومالية خالصة، بمعنى أنها لم تتلق دعماً من الخارج، وإنما الدعم يأتيها من الصوماليين في الداخل الذين فاض بهم الكيل من فساد الحكومة وأمراء الحرب، إلا أن الأمم المتحدة أصدرت تقريراً سنوياً دورياً مؤخراً بشأن واردات السلاح إلى الصومال، جاء فيه أن هناك 9 دول خارجية متورطة في النزاع الداخلي، وتهريب الأسلحة للفرقاء الصوماليين (7 دول تدعم المحاكم منها إيران وسورية عن طريق حزب الله مصر، ليبيا، جيبوتي، إريتريا، مقابل دولتين تدعمان الحكومة هما إثيوبيا وأوغندا)، ويلاحظ على هذا التقرير عدة أمور:
1. أن التقرير الذي أعده أربعة خبراء أجانب (أمريكي بلجيكي كيني مالي من كولومبيا) اعتمد في بياناته على معلومات مخابراتية من الدول الكبرى، ومنها الولايات المتحدة، التي تعتمد في مصادرها على المخابرات الإثيوبية، لذا لا غرابة في أن تضم لائحة الاتهام دولاً بعيدة عن الشأن الصومالي مثل إيران وسورية، خاصة وأن انتصارات المحاكم في شهر يوليو الماضي تزامنت مع الحرب التي خاضها حزب الله ضد لبنان.
2 .تغافل التقرير في المقابل عن ذكر دول أخرى تقف بجانب الحكومة مثل كينيا، وقد يرجع ذلك لوجود عضو كيني في لجنة إعداده.
3. حاول التقرير التقليل من انتصارات المحاكم، عن طريق إبراز تلقيها الدعم من سبع دول (نفت كلها هذه الادعاءات التي وصفتها بأنها كاذبة).
4 . توصل التقرير في النهاية إلى رفع توصية لمجلس الأمن بفرض حصار شامل (بري وبحري وجوي) على الصومال، وهو ما يعني معاقبة الصوماليين بسبب فوز المحاكم، أي أن هذا الحصار بسبب الدعم الخارجي للمحاكم. ولولا هذا الدعم ما كان الحصار، وهو موقف يكاد يتشابه تقريباً مع ما فعلته الدول الأوروبية والولايات المتحدة من فرض حصار مالي على الفلسطينيين بعد فوز حماس.
رفض حكومي.. لماذا؟
بالرغم من أن المحاكم ربطت استئناف جولة المفاوضات الثالثة مع الحكومة في الخرطوم نهاية أكتوبر الماضي، بعدم مشاركة كينيا في المفاوضات، وبانسحاب القوات الإثيوبية من الأراضي الصومالية، وهو الرفض الذي استغلته الحكومة في إظهار رفض المحاكم لفكرة التفاوض، إلا أنها أعلنت مؤخراً بعد مفاوضاتها مع وفد من البرلمان برئاسة "شريف شيخ أحمد آدم" رئيس البرلمان استعدادها لاستئنافها منتصف ديسمبر القادم، كما أنها قللت من حدة انتقاداتها لكينيا، لكن الحكومة رفضت نتائج هذه المفاوضات على اعتبار أن رئيس البرلمان لا يمثل إلا نفسه، ويبدو أنها تعول هذه المرة على تحقيق انتصارات عسكرية بمساندة دول الجوار قد تساعدها على طاولة المفاوضات.