الجزائر في مواجهة المعضلة الإسلامية!
فلورانس بوجي
ترجمة: إدريس الكنبوري
14/5/1428هـ الموافق له 31/05/2007م
كتب المحلل السياسي الفرنسي (فلورانس بوجي) في يومية (لوموند) الفرنسية مقالاً تحت العنوان أعلاه على هامش الانتخابات الجزائرية الأخيرة، يتطرق فيه إلى أزمة النظام في تعاطيه مع الإسلاميين، والفجوة الواسعة التي تفصل النخبة السياسية عن المواطن البسيط، وجاء في المقال:
لكي يُسمع الجزائريون صوتهم فضّلوا السكوت؛ فبرفضهم التوجه إلى صناديق الاقتراع يوم 17 مايو لتجديد أعضاء البرلمان لم يستجيبوا لدعوة جناح القاعدة في المغرب العربي التي دعت إلى مقاطعة الانتخابات، بل إنهم في الحقيقة عبّروا عن رفضهم إعطاء المزيد من التزكية لديموقراطية الواجهة التي فُرضت عليهم منذ أعوام: مؤسسات فارغة من المعنى، ومن السلطة، تعددية في الواجهة فقط، مسؤولون سياسيون تحوّلوا إلى مجرد دُمى، لم يحدث في السابق أن أظهر الجزائريون عدم اكتراث بالاستحقاقات الانتخابية كما حصل اليوم منذ استقلال البلاد، فحسب الأرقام الرسمية لم يشارك سوى 35.5%، وربما كان هذا الرقم أقل في الحقيقة (ما بين 12 و20 بالمئة).
هل تلقى النظام الرسالة التي وُجّهت إليه؟ إن تصريحات يزيد زرهوني - وزير الداخلية - وهو ينوّه بنجاح الانتخابات التشريعية بصوت رتيب يوم 18 مايو بالجزائر يدفع إلى التشكيك في ذلك، من الصعب الاعتقاد بأن الوزير يؤمن بما قال، أم أنه فقط كان يسعى إلى الحفاظ على المظاهر أمام الصحافة الجزائرية والدولية، لكن هل استطاع زرهوني حقاً قياس مفارقة الوضع عندما نوه بـ"النضج السياسي" الذي عبر عنه المواطنون الجزائريون بمناسبة هذه الانتخابات التشريعية؟
لم يخطئ الوزير في هذه النقطة؛ فالمجتمع الجزائري ليس مجتمعاً غير ناضج، يقول ك.سليم - المحرر في جريدة يومية وهران -: "بل إنه(المجتمع الجزائري) يعلم جيداً الأبجديات الأولى للحياة السياسية السليمة، وعدم فهمه قد يقود إلى خيبة الأمل، إن النظام مهيكل كلية وفق منطق المحافظة، وخصوصاً التشكيك اتجاه مجتمع انتفض عام 1988م، وقام بالتصويت "بشكل سيئ" لصالح الإسلاميين في ديسمبر 1991م، ولا يبدو أنه مستعد للخروج من هذا الجمود الذي يدفعه إلى التحكم في اختيارات الجزائريين".
لا يزال النظام الجزائري مهووساً بنجاح الجبهة الإسلامية للإنقاذ قبل ثلاث عشرة سنة، وهو لم يكف منذ ذلك الوقت عن هندسة مشهد سياسي على مزاجه بالحفاظ على المظاهر الخارجية للأحزاب من خلال سياسة المنع والإقصاء، أو على العكس من خلال محاولة التجميع بالقوة؛ فالمجلس الشعبي الوطني (البرلمان) الذي يضم أزيد من عشرين تشكيلة سياسية مختلفة بعضها صغير جداً يشبه رقعة موزاييك، وآخر الأمثلة على هذه المناورات قصيرة النظر هي اختفاء حزب الإصلاح من المشهد السياسي، فقبل شهرين تمكن النظام عبر مناورات إدارية من إقصاء عبد الله جاب الله الزعيم الكارزمي للحزب الإسلامي المعترف به، والذي لا يشكل جزءاً من التحالف الرئاسي، وفي البرلمان الجديد لا يشغل حزب الإصلاح (الذي يرأسه حالياً شخص آخر لا يتوفر على المشروعية) سوى ثلاثة مقاعد مقابل ثلاثة وأربعين في السابق، بينما يتوفر جاب الله على شعبية واسعة وسط الناخبين الإسلاميين في الجزائر، وعلى عكس عدوه الممثل في حركة مجتمع السلم (حمس سابقاً) ظل هذا الإسلامي الصلب العنيد يرفض دخول الحكومة، ويعبر باستمرار عن مواقف انتقادية تجاه النظام، لذلك لم يخطئ حزب الإصلاح حينما أرجع إقصاءه إلى كونه أصبح يمثل ظلاً لحزب جبهة التحرير، وكون جاب الله أصبح وجهاً معروفاً في الساحة السياسية الجزائرية، غير أن إقصاءه لا يعني اختفاءه؛ لأن القنوات الفضائية الخليجية - وتحديداً قناة الجزيرة - تسارع إلى السماح له بالمرور فيها، وقد أثار إقصاؤه نوعاً من القلق وسط الهيئة الناخبة الجزائرية.
نفس الأمر مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ السابقة التي هي محظورة اليوم، ولكن إشعاعها لا يزال حياً مع زعمائها التاريخيين أمثال عباسي مدني المنفي في قطر، وعلي بلحاج الموجود في الجزائر، فتنقلات بلحاج عبر مساجد الجزائر العاصمة التي يتم الإعلان عنها سلفاً تشهد إقبالاً كبيراً وخفياً من قبل العديد من الأتباع خاصة الشباب، فبعد أن استفاد من العفو، وأصبح حراً في تحركاته مثل إسلاميين آخرين كثيرين منذ "المصالحة الوطنية" قبل عام ونصف؛ يحاول بلحاج أن يضع حداً للاستقالة من السياسة التي فرضها عليه النظام الجزائري خلال السنوات الثلاث الأخيرة بعد خروجه من السجن، ويقوم الرجل الثاني في الجبهة ببعض النشاطات المفاجئة هنا وهناك في البليدة والجزائر وفي أماكن أخرى، بل إنه أحياناً يضع من يزورهم بشكل مفاجئ في الحرج، ويسبب لهم الخوف.
بعد ستة عشر عاماً من الانقلاب على المسلسل الانتخابي بدأ النظام يلاحظ النتيجة: إخفاق في التعاطي الأمني مع الظاهرة الإسلامية، فالناخب الإسلامي يرفض التعامل مع أحزاب السلطة، ومن هنا تتضح الفجوة التي تفصل الأحزاب عن المجتمع وأزمة التمثيلية السياسية في الجزائر، في يناير 1995م ظهرت اتفاقية روما كاقتراح للحل لكن النظام رفضها؛ لأنها وضعت بعض الآليات الشرعية لأي شخص وصل إلى الحكم، وركزت على مسألة الحريات، ولكن هل يمكن للجزائر أن تتقدم إذا بقيت ترفض باستمرار وضع ميثاق حقيقي بين السلطة والقوى السياسية الحقيقية؟
في الوقت الحالي فإن ما يشغل "الجهاز" الحاكم هو البقاء، وفي الوقت الذي تعتلّ فيه صحة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة تستمر اللعبة السياسية الوهمية، وما يزيد في تنامي حالة عدم اليقين والتوتر أن الشعب لا يعرف شيئاً عن صحة الرئيس، من الناحية الرسمية فإن صحة بوتفليقة جيدة، بل إنه"لا يتعب" كما أعلن رئيس الحكومة عبد العزيز بلخادم يوم 18 مايو الجاري، عكس ما يبدو عليه الأمر، يقول أحد أعضاء الحكومة "محيط الرئيس يقوم ببعض المهام بدل الرئيس، لكن الذي لا يستطيع أن يفعله هو إخفاء غيابه المتكرر".
إن بوتفليقة لا يتحكم في البيت الجزائري تقريباً، فقد خضع لعدة فحوصات طبية، وهو منشغل بالحالة الصحية لوالدته البالغة من العمر (91) عاماً وبصحته هو، ويقوم آخرون ببعض الأدوار مكانه، لكنهم يفعلون ذلك في مناخ من الفوضى، بعيداً عن الوضوح والمقدرة على المبادرة التي تتطلبها الأوضاع في البلاد، إن الجزائر في حالة غليان اجتماعي، والتوترات الاجتماعية تتلاحق في الشمال والجنوب، والشرق والغرب، وفي بعض الأحيان تستمر أسبوعاً كاملاً؛ فالشباب الجزائري الذي يفتقد إلى ممثلين حقيقيين لا يعرف سوى الانتفاضات كطريقة للتعبير عن نفسه، والفتيل يهدد بالاشتعال منذ وقت طويل، ويكفي حصول أدنى شيء لاشتعال الشرارة.
رابط المقال: http://www.lemonde.fr/web/ar...14330,0.html