ما وراء العقوبات على السودان

أحمد عمرابي

17/05/1428هـ

البيان/ «الولايات المتحدة لن تحول عينيها عن أزمة تتحدى ضمير العالم» لو كان الرئيس الأميركي يشير بهذه الجملة البلاغية الفخمة إلى الشعب الفلسطيني الواقع تحت وطأة هجمات جوية، وعمليات اغتيالية إسرائيلية على نحو يومي من الفجر إلى الغسق، ومن الغسق إلى الفجر التالي؛ لكان إعلانه جديراً بالمصداقية.

لكن الرئيس بوش يشير إلى أزمة دارفور راكباً موجة من التضخيم السياسي والإعلامي المتصاعد على مدى السنوات الأربع الأخيرة تحت عنوان «200 ألف قتيل ومليوني لاجئ»، وبناءً على هذا التضخيم، ولتبريره؛ أعلن فرض عقوبات اقتصادية أحادية الجانب على السودان، متوعداً بمحاولة لاستصدار عقوبات إضافية من مجلس الأمن الدولي.

ولنفترض جداً صحة التضخيم الدارفوري لنتساءل: كم هي أعداد اللاجئين الفلسطينيين منذ عام 1948م الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق؟ وكم عدد القتلى وعدد اللاجئين في سياق الحرب الأميركية في العراق؟ وفقاً لتقديرات الحد الأدنى الصادرة عن مؤسسات غربية فإن عدد القتلى العراقيين يتجاوز 700 ألف، بينما هناك مليونا عراقي لاجئون خارج وطنهم، ونحو مليون من النازحين المشردين في الخارج.

ولنتساءل عما إذا كان كل من المأساة الفلسطينية والمأساة العراقية تتحدى ضمير العالم دون أن نتساءل عما إذا كانت تتحدى ضمير الرئيس بوش لأنه ببساطة رجل بلا ضمير، ويبقى السؤال الأساسي: لماذا صارت دارفور أولوية قصوى وكبرى لدى الإدارة الأميركية ورئيسها جنباً إلى جنب، وعلى مستوى واحد مع البؤرة العراقية، والحملة الأميركية المحمومة على البرنامج النووي الإيراني؟

في شرح هذه الأولويات يستخدم بوش أسلوب التمويه، فهو يعلن أن الهدف من غزو العراق واحتلاله هو نشر الديمقراطية، ومحاربة «القاعدة»؛ لكي يتحاشى الإفصاح بأن الهدف الحقيقي هو إلغاء الرقم العراقي من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، والأسلوب نفسه ينسحب على مشكلة دارفور، فالهدف التمويهي الأميركي الذي يراد للعالم أن يصدقه هو نشر قوات دولية في الإقليم لحفظ السلام، ونزع أسلحة الميليشيات القبلية، وتوصيل المساعدات الإنسانية.

لكن بينما تبقى الأجندة الحقيقية طي الكتمان؛ فإنه ليس من العسير استنباطها، ملف دارفور ابتداءً تختص به عصابة «المحافظين الجدد» في البيت الأبيض بقيادة نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني، والعصابة تعالج هذا الملف وفقاً لتوجيهات جماعة «الإنجيليين الصهاينة» (هكذا تسمي نفسها علناً) التي بدورها تأخذ توجيهاتها من «أيباك» - التنظيم المظلي اليهودي الأعظم في الولايات المتحدة الذي يستوحي خططه وسياساتها من اعتبارات حماية أمن إسرائيل -، ويبدو السيناريو الموضوع كالآتي:

تستهدف القوة «الدولية» المسلحة في دارفور الجيش السوداني الحكومي، وميليشيات القبائل العربية، ليتحول الإقليم بعد ذلك إلى قاعدة قتالية مستديمة بهدف نسف هيبة الحكم المركزي في الخرطوم لاستنزافه من أجل إضعافه، وبذلك يكون جاهزاً لأي ابتزاز سياسي أميركي: بإيجاز تحويل السودان إلى «جمهورية موز»، ووضعه على سكة تنتهي إلى اعترافه بإسرائيل بعد فصمه تماماً من محيطه العربي - الإسلامي.

http://www.almokhtsar.com:المصدر