أبرز مكتسبات حماس السياسية من اجتماع الخارجية العرب

 

حققت حركة المقاومة الإسلامية حماس مكتسبات سياسية هامة على صعيد نتائج اجتماع وزراء الخارجية العرب، ولا يملك أي محلل موضوعي لطبيعة ما خرج به بيان الوزراء - ضمن مربعات المصلحة البعيدة المدى وليس القصيرة - إلا شكر الله - عز وجل - على التحرك الناجح والسريع جداً من قبل المكتب السياسي للحركة في الخارج، الذي تمكن من امتصاص ردة فعل الجانب الرسمي العربي، ودفعه صوب التعاطي مع مربع حماس الجديد وسط مفاجئة فتح بل وذهولها من السرعة التي تمكنت فيها حماس من احتواء التداعيات، والدفع بالكرة العربية لتسجيل هدف جديد في مرمى الطرف الآخر رغم ظاهر خسارته، في السطور القادمة سأجتهد متواضعاً في وضع أبرز المكتسبات التي أراها كبرى بوجهة نظري "ضمن تفاصيل الظرف الراهن وتداعياته، وما كان متوقعاً من ردة فعل عليه "التي اكتسبتها حماس من نتائج الاجتماع الوزاري العربي:

أولاً: تمكنت حماس من اختراق الموقف العربي الرسمي بنجاح بالغ دفع الوزراء للتراجع عن تحميلها المسؤولية، والخروج بصيغة كبدت سمعة فتح التي ترى نفسها "ضحية"؛ خسائر معنوية وتكتيكية كبرى، فالمسؤولية بحسب البيان لم تحمل لأي طرف بعينه فهي "هائمة عائمة لا لون لها".

ثانياً: تمكنت حماس بحرفية عالية، وحنكة مسؤولة من جر الموقف الرسمي بأجمعه - حتى المحسوب على فتح - لمربعها عبر إضفاء الشرعية على هدفها الرئيسي من عمليتها الجراحية الأخيرة في غزة وهي (نزع الفصائلية عن الأجهزة الأمنية)، فعمرو موسى شدد بالفم الملآن (سنرفع الغطاء عن أي تشكيل مستقبلي للأجهزة الأمنية إذا شكل بصيغة فصائلية، وسندعو لتشكيلها لتكون قوى لكل الفلسطينيين) بمعنى تحقيق شرعية كبرى وهامة وحساسة جداً للهدف الرئيسي من العملية العسكرية الأخيرة، وتقديم ما قامت به حماس بطريق غير مباشر على أنه (ما كان يتعين أن يحصل في الأجهزة الأمنية منذ فترة)، وبهذا ضربة قاصمة لكل أصحاب المزارع الأمنية، ومراكز القوى الفتحاوية التي فقدت بقرار الوزراء وموسى اليوم "أس الوجود الأمني، ومصدر القوى الرئيس لبنية عباس، وأركان سلطته"، وهذا لو خرجت به وحده قمة وزراء الخارجية لكفى ووفى بل وطفح لصالح حماس.

ثالثاً: أرادت فتح وقوى عربية ودولية من الاجتماع دك حصن الشرعية التي تمتعت بها حماس من خلال رفع الغطاء الشرعي عنها، وتقديمها بوصفها "منقلبة على الشرعية" إلا أن القرار الوزاري شكل صدمة ولطمة لكل هؤلاء عندما كرس الشرعية الفعلية لحماس عبر تأكيد البيان أن الدول العربية إلى جانب تمسكها بشرعية عباس هي كذلك تتمسك بذات القوة بشرعية "التشريعي"، وما أدراك ما التشريعي (نقل عن عزام الأحمد بعد إقرار هذه النقطة قوله إن حماس استطاعت استخراج اللقمة من فم الأسد).

رابعاً: أكد الوزراء أن لجنة تقصي الحقائق ستتعاطى مع الوضع الفلسطيني ضمن بلوكات "أصحاب العلاقة" وليس أصحاب الشرعية الرسمية "الحكومات أقصد"، وبهذا تضرب مساعي عباس وتشكيله الأخير للحكومة غير الدستورية عرض الحائط، حيث حاول عزام الأحمد قصر التعاطي السياسي بأي مستجد مستقبلي مع حكومة الطواريء الجديدة، وبهذا اعتراف "ضمني" من قبل الوزراء العرب باستمرار عمل حكومة هنية (تحت لافتة أننا سنتعامل مع كل أطراف الإشكال) إلى جانب رفض ضمني (لتشكيل حكومة فياض).

خامساً: تمكنت حماس من النص الصريح على ضرورة وأحقية تدخل الدول العربية في الإشراف على تشكيل الأجهزة الأمنية المستقبلي من حيث تقييد أي لون فصائلي يحاول السيطرة، وبهذا نصر أمني وسياسي كبير جداً لحماس، فحماس ليست بحاجة لعناصر أمنية تحميها، وليست بحاجة لمن يفرض قوتها على الأرض، بخلاف فتح التي تعتبر الأجهزة الأمنية عمودها الفقري، وأي شراكة في الأجهزة الأمنية مع فتح تعني (بدء الموت السريري لمراكز القوى والمزارع الخاصة داخل السلطة وخصوصاً عباس ورجالاته)، أضف إلى ذلك أن الشراكة في الأجهزة الأمينة على أساس وطني سيوقف تغول هذا الجهاز على المجاهدين، وسيوقف الدعم العسكري الخفي له من قوى عربية وإسرائيلية وأمريكية، ولن يفرض أي قرار مستقبلي داخل الشأن الفلسطيني بسطوة هذا الجهاز بوصفه "من الكل وعلى الكل" ما سيعطي كتائب القسام راحة كبرى، وتفرع أكبر للعدو الأول.

سادساً: على الأرض ومنطقياً وعملياً لجنة تقصي الحقائق ستحتاج موضوعياً من 3 - 4 أسابيع على الأقل لبدء واستكمال عملها ما يعني أن مهلة الحكومة الجديدة "حكومة فياض جدلاً" ستنتهي، ويجبر عباس بحكم الدستور للرجوع لحماس لاختيار رئيس وزراء جديد، وستبدأ دوامة التشكيل الجديد للحكومة لكن تذكروا معي هذه المرة سيرفع الغطاء العربي عن أي مفتعل للأزمات، فضلاً عن أن من أكبر أسباب فشل الحكومات المشكلة هو الهاجس الأمني الذي يكون في ذلك الوقت منتهياً، بالتالي يوجد ضوء امل بنجاح التشكيل عن ذلك، وسيدخل العرب كطرف عليه مسؤوليات إنجاح مساع الحكومة بوصفها ستكون نتاجاً لحوارات تحت إشراف الجامعة العربية الخاسر الأكبر فيها فتح، والرابح الأكبر فيها حماس مهما وضعت الشروط.

سابعاً: من خبرة متواضعة ومتخصصة بالقانون الدولي لجنة تقصي الحقائق ليست معنية بإنفاذ عقوبة بوصفها مشكلة من منظمة دولية ذات طابع إقليمي خاص (جامعة الدول العربية)، ولا يوجد بنظام هذه المنظمة الأخيرة الأساسي جهاز عقابي يفرض حلول أو توصيات محددة، فالمؤسسة الدولية الوحيدة في العالم التي تمتلك مثل هذا الجهاز العقابي (مجلس الأمن)، بالتالي لا تأسوا على أي نتيجة قد تدفع بها هذه اللجنة، وتشعركم بالحيف والظلم، ولاحظوا أن اللجنة في الضفة ستميل بحكم الواقع الواضح لإدانة فردية لفتح في الضفة، ما يزيد من حرج الحركة أكثر.

خامساً: لم تحقق نتائج الاجتماع والبيان الختامي لا أقول ربع الحد الأدنى المطلوب، بل موضوعياً وعملياً وواقعياً لم يحقق عشر الحد الأدنى المأمول الذي كانت تنتظره فتح وبعض الأطراف العربية لوضع حماس في خانة الضعف عربياً، ففتح لم تكن تنتظر من الاجتماع تأكيداً لشرعية الرئيس، فالرئيس شرعي، ولم تكن تريد مسؤولية جماعية (فهي تقدم نفسها الضحية)، ولم تكن تريد تدخلاً عربياً على مستقبل تشكيل الأجهزة الأمنية (وهو عمودها الفقري)، ولم ترغب بلجنة تقصي حقائق ستخرج على الأغلب محملة للطرفين للمسؤولية (وقد فرضت حماس سيطرتها على غزة، وفرضت واقعاً جديداً)، بل ستتحمل فتح في الضفة المسؤولية كاملة، عدا عن ذلك خسرت فتح معركتها الدبلوماسية عندما نصت بنود البيان الختامي على وجوب الحوار، وهو ما استبقه مشعل الذكي باتصال مع عمرو موسى، ما سحب البساط من تحت أرجل سدنة السياسة الفتحاوية التي أكدت رفضها للحوار في ظل المعطيات الجديدة على الأرض.

سادساً: البيان أكد على مواصلة المساع السعودية "اتفاق مكة"، وهذا يحرج فتح جداً الآن لأنها من تنصلت منه ما سبب لها حرجاً بليغاً باعتراف مسؤولين سياسيين سعوديين ممن اتهموا عباس بإهمال اتفاق مكة، والركون للنصائح المصرية التي أقنعت عباس بضرورة تغيير الاتفاق، والعمل على اتفاق جديد في القاهرة، ما أحرج العربية السعودية التي عاد إليها الملف مع مسحة غضب على عباس سلفاً.

سابعاً: نتائج البيان ستعجل في حالة التشظي الداخلي لكوادر وأطر فتح على الصعيد التنظيمي والهرمي القيادي، فهناك تململ كبير جداً وصل حدود السب والشتم والمطالبة بالاستقالة لقيادات الصف الأول والثاني نظراً لنتائج ما حصل على غزة، ولضعف استثمار اجتماع وزراء الخارجية التي أحسنت جداً حماس التعاطي معه بحنكة ومناورة كبيرة.

ثامناً: البيان أعاد مربع القضية الفلسطينية للخط الأول بتحميله الكيان الغاصب المسؤولية كاملة عما يجري إلى جانب تشديد الوزراء العرب على ضرورة إيجاد صيغ أخرى جديدة لدعم الفلسطينيين أكثر فاعلية من الفترة السابقة تحت لافتة "القضية الفلسطينية مسؤولية الجميع"، ما يعني استفادة الحكومة القادمة "التي ستأتي بعد شهر" من هذه الثمار.

تاسعاً: نجحت حماس بشكل كبير في تقديم نفسها للوزراء العرب كطرف يريد الحوار (وفتح ترفضه)، وطرف يريد الشراكة (فتح ترفضها)، وطرف يعترف بشرعية عباس (فتح ترفض شرعية حماس)، وطرف يرفض تقسيم فلسطين، ويرفض الاستئثار بالسلطة والمحاصصة الفصائلية في بنية السلطة...الخ، بمعنى من ينظر لحراك حماس السياسي فقط في غضون 3 أيام يدرك أن حركة عظمى كهذه لا تسير هكذا، بل هو رباط رب البشر الذي يمكن لعباده العمل والإيمان، ويهديهم بنوره، ويمكر لهم بمكره، أوليسوا أصفياءه؟

http://www.paldf.net:المصدر