السودان وعصا العقوبات السائلة
هشام منور - كاتب وباحث فلسطيني
19- 6- 2007م
فرضت العقوبات الاقتصادية التي أعلنت عنها الولايات المتحدة الأمريكية من جانب واحد على (السودان)، تلك الدولة التي تتجاوز فيها مساحة إقليم (دارفور) مساحة فرنسا ذاتها؛ نفسها على وسائل الإعلام، واستحوذت على اهتمامها.
فتفاصيل قضية (دارفور)، وتوسعات الأطماع الغربية الكامنة وراءها؛ باتت معلومة للقاصي والداني، وإذا كان الضمير الأمريكي شديد الحساسية تجاه قضايا الاضطهاد العرقي (سيما منه "الأسود"، الذي لم تفلح الولايات المتحدة بتجاوز آثاره إلا حديثاً) كامناً وراء تحريك الملف السوداني، وفرض عقوبات اقتصادية جديدة عليه؛ فإن السؤال المتبادر يدور حول أسباب غياب ذاك "الضمير الإنساني" الأمريكي عن أحداث مماثلة عديدة يحفل بها التاريخ القريب للقارة السمراء، وتئن تحت وطأته صرخات ضحايا جرائم التطهير العرقي المنتشرة في أرجاء القارة.
وفي سياق تسويغ فرض تلك العقوبات، والتي تظهر فيها الإدارة الأمريكية بمظهر المنافح عن حقوق الأقليات المضطهدة، و(المحارب) المنفرد عن سالفته في مقاومة جذور الكراهية، والتمييز العنصري؛ ألقى الرئيس الأمريكي (بوش) كلمة "بليغة" واصفاً الوضع في (دارفور) بأنه "إبادة جماعية"، داعياً المجتمع الدولي إلى التعاون من أجل وقفها، واتهم حكومة السودان "بعدم الالتزام بتعهداتها بنزع أسلحة المليشيات التابعة للحكومة، وأنها تعرقل مساعي إحلال السلام في الإقليم".
وتشمل العقوبات المزمع تطبيقها حظر التعامل التجاري مع (31) شركة سودانية، وفرض عقوبات اقتصادية "انتقائية" على ثلاثة من المسؤولين السودانيين زعماء الميليشيات المتورطين بحسب زعم الإدارة الأمريكية في أعمال التطهير العرقي في (دارفور).
اللافت في الأمر عدم رضا دوائر صنع القرار ووسائل الإعلام الأمريكي عن قرار الرئيس الأمريكي، ولكن ليس في سياق معارضته؛ بل باعتباره عملاً متأخراً، وقليل الفاعلية والجدوى، وضعيف التأثير على الحكومة السودانية التي استبقت الحدث بالتحالف مع (الصين) على مستوى التنقيب في حقول النفط، والثروات المعدنية المكتشفة في (السودان)، وتفريغ مضمون القرار الأمريكي من فاعليته مسبقاً، الأمر الذي أثار الاستياء من بطء وضعف القرار، وأسلوب اتخاذه، بالمقارنة مع حالات أخرى لم تتوان الإدارة الأمريكية فيها عن استصدار قرارات شبيهة وبأسلوبها المنفرد المعتاد (إيران، كوريا، العراق سابقاً).
ومما يؤكد سخط الرأي العام الأمريكي على قرار بدا استيعابياً لغضبه أكثر من كونه تحركاً سياسياً مدروساً نتائج الاستطلاع الذي قامت به شبكة (CNN) الأمريكية بعيد إعلان قرار فرض العقوبات، فقد أجاب 86% حول تأثير هذه العقوبات على تحسين الأوضاع بدارفور بالنفي، فيما عبر 15% فقط عن رضاهم عن القرار، وفعالية تأثيره.
والطريف في الأمر أن السفير السوداني لدى واشنطن عقد مؤتمراً صحفياً للرد على أسئلة الصحفيين حول العقوبات الاقتصادية التي فرضت على حكومته، وفيما نفى السفير السوداني تهمة تمويل أو دعم الحكومة السودانية للمليشيات التي تقتل المدنيين في (دارفور)؛ فقد هدد برد بلاده على العقوبات الأمريكية "بوقف السودان تصدير أحد المواد الأساسية المستخدمة في إنتاج المشروبات الغازية"، مثيراً دهشة الصحفيين بحمل زجاجة (كوكا كولا)، وتهديده بوقف تصدير مادة (اللبان العربي)؛ التي تستخدم في تصنيع المشروبات الغازية، معتبراً أنه بإمكان السودان أن يمنع تصدير هذه المادة، "وتفقدون أنتم هذا المشروب"؟!
ويبقى الأمل في أن ينجح (السودان) في مواجهة المؤامرات الغربية لتفتيت وحدته، ونهب ثرواته؛ المائية منها والنفطية، وأن يتجاوز مآزقه السياسية والخلافية الداخلية بصرف النظر عن أسلوب مواجهته للضغوطات الغربية، والأمريكية منها تحديداً، وأن تكون سياسة مقاومة تلك الضغوطات "السائلة" نفطياً وغازياً؛ ناجعة في الحد من أطماع الغرب "الصلبة" والمباشرة.