الأزمنة وعودة إلى القصيمي مرة أخرى

عبد الله بن عبد العزيز بن إدريس

 

لقد فوجئت.. وأعتقد أنني لست الوحيد في هذه المفاجأة غير السارة.. وإلا فهل يُعقل أن تُنشر في البلاد التي هي مشرق الإسلام، دعاية جريئة.. بل وقحة.. للكتب الإلحادية.. التي قصاراها إنكار وجود الله.. وإن كان الله موجوداً - في رأي هذا الملحد أو ذاك - فهو وجودٌ عليه مآخذ وملاحظات؟؟ - تعالى -الله عما يقولون علوّاً كبيراً -.

 

لقد هالني وآلمني ما نشرته صحيفة (الرياض) يوم الخميس الماضي على صفحتها الأخيرة ب(ثلاثة عناوين)، كل عنوان منها ينبطح على عرض نصف الصفحة.. !

وسأورد العناوين قبل الدخول في مناقشة الموضوع.

(عبدالله القصيمي يعود من جديد).

(كتبه أصبحت متداولة أكثر، واسمه بدأ ينتشر بين الشباب).

(المفكر لم ينجرف خلف تيارات السياسة، ولكنه بحث عن (الحقيقة) في مكان آخر).

 

أنا أُقدر جريدة الرياض التي هي إحدى القمم الصحفية في بلادنا.. كما أقدر رئيس تحريرها الأستاذ تركي السديري.. ويصل تقديري للصحيفة وجميع العاملين فيها إلى حدّ الاعتزاز بها وزميلاتها الناجحة.. إلا أن هذا التقدير لا يمنعني أن أعتب على الزميل الذي أجاز نشر ذلك الموضوع (الدعائي) لكتب عبدالله القصيمي، حتى وإن كان إعلاناً مدفوع القيمة؛ فالصحافة الآن، وفي كثير من الدول، أصبحت لا تنشر الدعاية (للدخان)، وهو لا يضرّ إلا الجسم.. فما بالك بدعاية قد لا يظهر زيفها أمام نفوس ضائعة، يدب أصحابها في هذه الحياة كالبهائم.. بل هم أضل؟!

 

لا شك أن ما نشره (ممدوح المهيني) في الرياض يوم الخميس الماضي، من دعاية لكتب عبدالله القصيمي، سواء كان (إعلاناً) في صيغة مقال؛ أو مقالاً في صيغة (إعلان)، هو في الحالين إثم كبير، وخطأ لا يغتفر، ويشاركه - إثماً بقدر أكبر - (خالد المعالي) صاحب دار الجمل التي تقوم بطبع كتب القصيمي وتروّج لها؛ طلباً للقيمة المادية، حتى وإن كانت كشجرة (الزقوم).

 

إن كتب عبدالله القصيمي الأخيرة، وبالتحديد بداية من كتابه (هذي هي الأغلال)، ثم ما جاء بعده من كتب عناوينها تفضح محتوياتها، مثل: (العالم ليس عقلاً)، (أيها العقل من رآك)، (التاريخ في مأزق)، و(هذا الكون ما ضميره؟).. إلخ.. جميعها تضرب في متاهات الضياع الفكري، والفساد العقدي، وقصارى ما حط القصيمي رحله عنده هو إنكار الذات الإلهية. إنه لا يؤمن بوجود الله.

وإن كان الله موجوداً فله عليه - حسب زعمه الفاسد - مآخذ وملاحظات! - تعالى -الله وتقدس عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

 

لقد كانت بيني وبين القصيمي لقاءات في (بيروت) مع مجموعة من المثقفين والمسؤولين السعوديين الذين كانوا يزورونني في كل أسبوع مرة، ومنهم الأستاذان الفاضلان حمد الجاسر وعبدالمحسن المنقور - رحمهما الله - ويزورني القصيمي أحياناً وحده، فإذا لم يجدني يقول لأهلي: قولوا له زارك أبو علي القصيمي ولم يجدك.

 

ولقد كتبت في هذه الصحيفة ثلاث مقالات، إحداها بعنوان (عبدالله القصيمي الذي عرفته) بتاريخ 10-2-1423هـ، والمقال الثاني بعنوان (القصيمي قالها صراحة) في 7-2-1423هـ، والمقال الثالث بعنوان (ومداخلات حول القصيمي) في 24-2-1423هـ.

 

ولا أريد أن أعيد ما قلته عنه سوى العبارة التي كانت جواباً على سؤالي له.. عن القسم الأول من كتابه (العالم ليس عقلاً) وهو بعنوان (دفاع عن إيماني).. قلت له: ما هو إذاً إيمانك الذي تدّعيه؟ في خضم حوار ساخن دار بيني وبينه.. فأطلقها كقنبلة هيدروجينية رهيبة: (إيماني أني لا أومن بالله)، هكذا نطق والله الشاهد، فعرفت أنه لا لقاء بيني وبينه فكرياً ولا اجتماعياً بعد الانكشاف الفاضح.. وختمت جلستنا الأخيرة معاً بقولي له: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) الآية.. وخرج ولم أره بعد ذلك.

كنت أتلمّس عنه الأخبار من بعيد، وخاصة بعد أن عاد إلى مصر من بيروت.. لعل وعسى أن يكون قد تاب وأناب إلى الله.

 

القصيمي رحل عن دنيانا ولا نعلم ما هي خاتمته، وإن كنا، وبكل سعة رحمة الله، نرجو أن يكون قد أناب إلى الله وتاب من فكره الإلحادي الذي يملأ كتبه التي انصرف الناس عنها بعد أن عرفوا حقيقته حين كان حياً.

 

وكلام المهيني وأبو المعالي، صاحبي الدعاية الفاضحة لكتبه، عن موقف الصحافة في مصر وفي البلاد العربية (حيث لم يرد عن وفاته إلا خبر صغير في قليل من الصحف)، ونقول لهذين المروّجين لكتب القصيمي: عليكما أن تعرفا أن موقف الصحافة السلبي من القصيمي هو عكس ما أراده من تسويق كتبه. والزعم بأن بعض الشباب بدأ يبحث عنها، فإن صدق ما قالاه عن انبعاث الطلب على كتب القصيمي، وكان صحيحا، فهو من باب الاطلاع على التوجهات الفكرية في هذه الكتب، وليس للتزود منها أو التثقف عليها..نسأل الله أن يحمينا والمسلمين جميعاً من الزيغ والضلال، وأن يجعل خير أعمالنا خواتمها وخير أيامنا يوم نلقاه.

 

http://www.almeshkat.net                      المصدر: