باب التفسير
يقول الله - تعالى -: عَبَسَ وَتَولَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ [عبس: 1- 16].
بين يدي السورة
سورةٌ مكية، تعالج في بدايتها حادثًا معينًا من حوادث السيرة: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مشغولاً بأمر جماعةٍ من كُبَراء قريش يدعوهم إلى الإسلام، حينما جاءه ابنُ أم مكتوم، الرجلُ الأعمى الفقير، وهو لا يعلم أنه مشغولٌ بأمر القوم، يطلبُ منه أن يعلِّمَه مما علمه الله، فَكَرِه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا، وعبس وجهه وأعرض عنه، فنزل القرآنُ بصدر هذه السورة يعاتب الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
ثم تعالج جحود الإنسان وكفره الفاحش لربه، وهو يذكره بمصدر وجوده، وأصل نشأته، وتيسير حياته، وتولي ربه له في موته ونشره، ثم تقصيره بعد ذلك في أمره، كذلك تعالج توجيه القلب البشريّ إلى أمسّ الأشياء به وهو طعامه وطعام حيوانه، وما وراء ذلك الطعام من تدبير الله وتقديره له، كتدبيره وتقديره في نشأته.
فأما في نهايتها فتتولى عرض «الصاخة» يوم تجيء بهولها، الذي يتجلّى في لفظها، كما تتجلى آثارها في القلب البشري الذي يذهل عمّا عداها، وفي الوجوه التي تتحدث عما دهاها.
تفسير الآيات
قوله - تعالى -: عَبَسَ وَتَولَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى قال العلماء: في ذكر الكلام بأسلوب الغيبة دون الخطاب ملاطفةٌ من الله - تعالى -لنبيه - صلى الله عليه وسلم -، إذ لو خاطبه لكان الخطابُ شديدًا على نفسه - صلى الله عليه وسلم -، فعدل الله - تعالى -عن الخطاب إلى الغيبة رفقًا بنبيه - صلى الله عليه وسلم - في العتاب.
وقوله - تعالى -: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى أي: ما يُدريك لعلّ هذا الأعمى الذي جاءك يسعى، لعله يتزكّى بما جاء يطلبُه من علم الله الذي عندك، أو ينتفع بما تذكره به من الهدى ودين الحق الذي أرسلك الله به.
ثم تشتد لهجة العتاب، وينتقلُ إلى التعجيب من ذلك الفعل محل العتاب: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى عن ربه بماله، واستغنى عنك وعما بعثك الله به من الهدى ودين الحق، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى تتعرض له، وتجتهد على هدايته، وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى أي: ليس عليك من حسابه شيءٌ إنه كذّب وتولى، فَلِمَ هذا الحرصُ على هدايته وقد استغنى؟! وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى يلتمس ما عندك من العلم وَهُوَ يَخْشَى اللهَ ويخافُه، ويحذرُ عقابَه، فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى بمن عندك من المشركين، وتُعْرِضُ عنه فلا تُقْبِل عليه، «كلاّ» هذا لا يجوز، ولا ينبغي أن يكون، إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ، فلا تَعُدْ لمثلها أبدًا، ولا تُعْرِضْ عمن أقبل عليك، ولا تتصدّى لمن تولى عنك، وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: 39]، وقوله - تعالى -: فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ أي: فمن شاء ذكر الله في جميع أموره، أو ذكر هذا الوحي فاتبعه، وقوله تعالى: فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ يعني أنّ هذه التذكرة أو هذا التنزيل محفوظٌ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ أي: معظمة موقرةٍ، مَرْفُوعَةٍ أي: عالية القدر، مُطَهَّرَةٍ من الدنس والزيادة والنقص، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ يعني: ملائكة الوحي، الذين هم سفرةٌ بين الله ورسله، وأخصهم جبريلُ - عليه السلام -، وكلهم كِرَامٍ بَرَرَةٍ أي: خَلْقُهم كريم، حَسَنٌ شريفٌ، وأخلاقهم وأفعالُهم بارةٌ طاهرة، وهذه الآيات كقوله - تعالى -: فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الواقعة: 75- 80].
قال العلماء: في مجيء الأعمى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إشارةٌ إلى حقيقةٍ أنّ العَمَى عمى القلب، الذي ذكره الله - تعالى -في قوله: فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: 46]، فهذا الأعمى لم يمنعه عمى عَيْنَيْهِ من السعي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طمعًا في تعلّم الهدى ودين الحق الذي بعثه الله به، بينما قعد كثيرٌ من ذوي الأبصار، الذين عَمِيت بصائرُهم عن الحق، وصُمت آذانُهم عن آياته.
قالوا: وفي عتاب الله لنبيه على ما كان منه من إعراضٍ عن الأعمى تعليمٌ للدعاة أنه لا يجوزُ لهم أن يهتموا ببعض الناس دون بعض، لغنى، أو جاهٍ، أو رياسةٍ، أو سلطانٍ، بل يجبُ عليهم أن يسوّوا بين جميع الناس، وأن يُقبلوا على من أقبل عليهم، ويُعرضوا عمن أعرض عنهم، فإن أكرم الناس عند الله أتقاهم، وكم من فقيرٍ خيرٌ من ملء الأرض من الأغنياء الذين كذّبوا بالكتاب، وبما أرسل الله به رسله.
وقال العلماء في وصفِ الله السفرة - حملةَ الوحي - بأنهم كِرَامٍ بَرَرَةٍ إشارةٌ إلى أنه ينبغي لحامل القرآن من الناس أن يكونَ بارًا كريمًا، وأن يسلُكَ سبيلَ الرشاد، ويجتنب سبيل الغيّ والضلال، وأن يتخلّق بالأخلاق الحسنة، ويجتنب الأخلاق السيئة. وقال ابن مسعود- رضي الله عنه-: ينبغي لحامل القرآن أن يُعْرِفَ بليله إذ الناس نائمون، وبنهاره إذ الناس مُفطرون، وبِحُزنه إذ الناس يفرحون، وببكائه إذ الناس يضحكون، وبصمته إذ الناس يخوضون، وبخشوعه إذ الناس يختالون. فاللهم اجعلنا من الحاملين لكتابك، العاملين به، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.