خاتم الأنبياء والمرسلين رحمة من رب العالمين

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله

وصحبه أجمعين ومن اتبعه إلى يوم الدين...وبعد

 

فقد تحدثت في بعض اللقاءات السابقة عن جوانب من أوجه الإعجاز في القرآن الكريم، وأود في هذا اللقاء أن أشير إلى أوجه أخرى من إعجازه فأقول وبالله التوفيق:

إن الهيبة العظيمة التي تأخذ قارئ القرآن وسامعه - وذلك لقوة حاله وعلو قدره - من الأدلة التي يثبت بها إعجازه وأنه كلام رب العالمين، وقد ذكر البخاري في الصحيح حديث جبير بن مطعم - رضي الله عنه - وفيه يقول: «سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لاَ يُوقِنُونَ كاد قلبي أن يطير» (1).

قال الخطابي - رحمه الله -: «كأنه انزعج عند سماع هذه الآية لفهمه معناها، ومعرفته بما تضمنته، ففهم الحجة فاستدركها بلطيف طبعه»(2)، وفي صحيح مسلم في فضائل أبي ذر - رضي الله عنه - أن أخاه أنيسًا لما ذهب إلى مكة سمع القرآن، فسأله أبو ذر بعد عودته إليه، ماذا يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر، وكان أنيس أحد الشعراء، ثم قال أنيس: «لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت كلامه على أقراء الشعر(3)، فلما يلتئم على لسان أحدٍ بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون»(4)، فياللروعة التي تلحق قلوب سامعيه عند سماعه، والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته هي من مناط إعجازه، وصدق الله إذ يقول: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: 21]، وهذه الروعة والهيبة قائمة باقية لدى كل سامع وقارئ مستجيب لربه، منشرح بالإيمان قلبه إلى يوم الدين، ولقد سمى الله الوحي الذي أنزله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - روحًا فقال: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: 52]، وما سماه الله روحًا إلا لتأثيره العظيم في القلوب والأرواح، ولأن به حياتهما، كما أن الغذاء به حياة الأجسام، فالوحي هو الروح الحقيقي الذي ينجو به العبد من الجهل والغفلة، ويشرق به العقل، وتسمو به النفس، ويزيد به الإيمان، ألا ترى كيف حوَّل الوحي الرباني أولئك العرب الذين لبثوا ألوفًا من السنين على الشرك والضلالة، وألوان كثيرة من الجهل والخرافة إلى رجال صادقين، أوفياء صالحين، حملوا دين رب العالمين، وجاهدوا في سبيله حتى أتاهم اليقين، واستحقوا بذلك الثناء الكبير من الرب الكريم.

 

إن القرآن الكريم هو كتاب البيان والهداية الذي يملك القلوب والأسماع، كما يستولي على العقول والأرواح، ولم يقف إعجازه عند هذا الحد البياني والروحي، بل تجاوزه ليكون معجزة على مر العصور والأزمان من خلال إعجازه العلمي المتجدد على الدوام، لأن القرآن رسالة مفتوحة إلى الأمم كلها فناسب أن تكون معجزته لكل أمة ولكل جيل، فالإعجاز البياني في القرآن الكريم كفى لأن يكون حجة داحضة ودليلاً رائعًا على أرباب الفصاحة والبيان، وبقي وجه الإعجاز العلمي مخبوءًا فيه إلى أن ظهرت الاكتشافات العلمية، والعلوم التجريبية، فظهر في الأفق للعالمين ما اشتمل عليه القرآن الكريم من إعجاز علمي سبق كل الاكتشافات، وظهر أنه حقًا كتاب رب العالمين، كما أدرك ذلك السابقون، وما ذاك إلا لأن حقائقه العلمية ثابتة مستقرة، لم يعتورها زيف أو تغيير، وأنا أود بحديثي عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم أن ألفت نظر المكذبين في العصر الحاضر إلى أن ما وصلوا إليه من علوم ومخترعات كونية وعلمية صحيحة أشار إلى بعضها القرآن قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان، وهذا بلا شك يدفع دفعًا إلى الإيمان والدخول في الإسلام، ومتابعة النبي - عليه الصلاة والسلام - والنفوس الإنسانية يجب عليها أن تخضع خضوعًا عظيمًا عندما تعلم أسرارًا مذهلة لم يكن للبشر سابق علم بها، خاصة إذا جاءت عن نبي أمي لا صلة له بهذه العلوم، ولم يتعلم على يد معلم من بني آدم؛ تحدث عن تلك الحقائق أو أشار إلى شيء من هذه العلوم، فلو لم يكن هذا القرآن وحيًا من رب العالمين، لما استطاع النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقرر هذه الحقائق المجهولة، والأسرار الخفية التي لم يعرفها أحد من البشر قبل هذا العصر.

يقول الدكتور الأشقر: «العجيب في أمر هذا القرآن أن إعجازه متجدد على مر الزمان، فكل قوم يصل إليهم هذا القرآن وينظرون فيه نظر معتبر متبصر، فإنهم يجدون فيه من الآيات والدلائل ما يؤكد لهم أنه من عند الله، ونحن اليوم في هذا العصر نبغنا في العلوم التي كشفت عن شيء من أسرار الكون، فتطلعنا نبحث في مواقع النجوم ومساراتها وأحجامها، وأجوائها، كما بحث العلماء في تكوين الخلية وأسرار المخلوقات، فبحثوا في الذرة والخلية، وغاصوا في أعماق الأرض وقيعان البحار، وإذا بنا نفاجأ بأن كثيرًا من الحقائق التي توصل إليها العلماء بعد دراسات طويلة وجهود مضنية قد تحدث عنها هذا القرآن العظيم، أو أشار إليها إشارات واضحة، وكل هذا مما يزيد في الإيمان ويعمقه، ويدل على أن هذا القرآن العظيم منزل من عند الله العليم الحكيم الخبير، فهذا القرآن قول الله وأمره، والخلق صنعه وخلقه، فإذا تحدث الخالق عن الخلق، وذكر شيئًا من حقائق الخلق فلا بد أن يتطابق الخبر القولي مع الخلق الكوني، فالقول قوله، والخلق خلقه: أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ(5).

 

إن القرآن الكريم قد تحدث عن الآيات الكونية التي بثها الله في الآفاق هنا وهناك، وهي تشير إلى وجوده ووحدانيته، وتقيم أدلة ملموسة وبراهين محسوسة على وجوب إفراد الله بالعبادة، كما أنها تحرك الأذهان إلى تلمس المزيد والبحث والتنقيب في أسرار هذا الكون، حتى يرى المكذبون الجاحدون بعض وجوه الإعجاز فيه، ويوقنوا أن ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الحق، وصدق الله إذ يقول: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت: 53]، والآفاق جمع أفق، وهو الناحية، والمعنى: سنريهم دلالات صدق القرآن وعلامات كونه من عند الله في الآفاق وفي أنفسهم، قال عطاء: «في

الآفاق: يعني أقطار السماوات والأرض من الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار، والرياح والأمطار، والرعد والبرق، والصواعق والنبات، والأشجار والجبال والبحار، وغير ذلك، وفي أنفسهم من لطيف الصنعة، وبديع الحكمة، كما في قوله: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ(6).

 

وقد بين الله في كتابه كثيرًا من غرائب صنعه وعجائبه في نواحي سماواته وأرضه ما يتبين به لكل عاقل أن الله هو الرب المعبود وحده، وقد جاء الحث في القرآن الكريم على النظر في هذه الآيات الكونية للاستفادة منها، ومن ذلك قوله - تعالى -: قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(7)، ونحن بهذا أيضًا نرد على العلمانيين الملحدين الذين يزعمون أن القرآن حجر عثرة في سبيل العلم والتقنية الحديثة المعاصرة، وهم بهذا مفترون على الله وكتابه ورسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن الإسلام يدعو إلى العلم النافع المفيد، ويتبنى العلم منهجًا لمعرفة الله - سبحانه - ومعرفة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وآياته تدل على ذلك بجلاء ووضوح، غير أني أحذر من التعسف في فهم الآيات، وبترها عن سياقها لتخدم معاني بعيدة عن أغراضها، أو تأويلها تأويلاً يتناسب مع شيء من النظريات، ويخالف ما جاء عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأئمة التفسير في فهم الآيات وشرحها، وهذا في الحقيقة عدوان على القرآن، وقول

على الله بغير علم ولا برهان، وسأضرب مثالاً يكشف عن بعض أوجه الإعجاز العلمي في كتاب الله، قال - تعالى -: أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ [القيامة: 3، 4]، ففي هذه الآية الأخيرة صورة من صور الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، ذلك أنه قد أضحى من المسلمات القطيعة: أن بصمات أصابع أي إنسان لا تتشابه مع بصمات أي إنسان آخر من هذه «الملايين» التي عاشت أو تعيش، أو ستحيا على هذه الأرض، حتى أصبحت هذه البصمات دليلاً لا يرقى إليه الشك في كثير من المعاملات الرسمية، فتوقيع إنسان ما على صك مالي أو وثيقة بيع قد يداخله التزييف والتزوير بخلاف البصمة، ولهذه الأسرار في البصمة الإنسانية جاء قوله - تعالى -: بَلَى قَادِرِينَ

عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ(8)، ولهذا فإننا في حاجة دائمة لأن نردد قول الله - تعالى -: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، والحمد لله رب العالمين.

 

الهوامش:

1- البخاري مع الفتح جـ8/603.

2- المرجع السابق، نفس الجزء والصفحة.

3- يعني طرقه وأنواعه.

4- صحيح مسلم كتاب الفضائل باب 28 جـ4/1920.

5- نحو ثقافة إسلامية أصيلة ص125.

6- فتح القدير للشوكاني جـ4/523.

7- انظر النص القرآني بين التفسير والتأويل د/ عبد الفتاح سلامة جـ2/597.

8- المرجع السابق جـ2/593.

 

http://www.altawhed.com                      المصدر: