سلسلة كيف تكون الفكر الغربي اعتناق أوروبا للمسيحية (2)
تكلمنا في المقال السابق عن كيفية تكون الفكر الغربي، وكيف هو قد مر بمراحل أساسية كان لها الأثر الأكبر في تكونه، كذا في تكون النفسية الغربية.
واليوم نبدأ بعرض أول تلك المراحل وهي اعتناق أوروبا للمسيحية، وكيف تم ذلك؟ وما هي أساببه؟ وهل كانت المسيحية مساوية تلك التي اعتنقتها أوروبا أم أن التحريف كان له دور بارز في طمس الربانية في الديانة الأوروبية الجديدة؟
الوثنية في أوروبا:
عرفت أوروبا الوثنية الدين النصراني منذ القرن الأول للميلاد بوصفه عقيدة شرقية سامية، كتلك العقائد التي ينظر إليها العالم الروماني الأبيقوري(1) على أنها تعاليم مثالية صارمة، ولم يألُ أباطرة الرومان جهداً في القضاء على هذه النحلة التي تفشت في مستعمراتهم، واستخدموا لتحقيق ذلك صنوف الاضطهاد والتنكيل طيلة القرون الثلاثة الأولى.
مثال ذلك:
1- فقد قُتل مرقص في الإسكندرية عام 62م، وهو الذي أدخل الديانة الجديدة إلى مصر، وكلما زاد عدد المؤمنين زاد الاضطهاد، إضافة إلى المغالاة في الضرائب التي كانت تفرض على كل شيء حتى على دفن الموتى؛ حيث كانت روما تريد فرض عبادة الإمبراطور، كذلك العبادات الوثنية على المصريين.
2- عصر الشهداء: وفي العصر الذي تولى فيه الإمبراطور دقلديانوس الحكم عام 248م بلغ الاضطهاد في عصره ذروته، وأطلقت الكنيسة القبطية على ذلك العصر عصر الشهداء، وقال بعض المؤرخين: إن عدد الشهداء وصل إلى 144. 000 شهيد خلال تسعة أعوام، وفي عهد الإمبراطور قسطنطين، وتحديدًا في العام 325م تم إعلان المسيحية عقيدة رسمية للإمبراطورية الرومانية.
أسباب اعتناق أوروبا للمسيحية:
إن إقبال الرعايا الرومان على اعتناق الدين النصراني كان له العديد من الأسباب التي ساعدت على انتشارها، منها:
1- ما في المسيحية من وعود بالخلاص من الفقر والظلم في العالم الآخر، ما حدا بالكثير من الضعفاء والبسطاء والمظلومين في الإمبراطورية الرومانية باعتناق النصرانية، في محاولة للهروب من الواقع.
2- اجتذبت المسيحية الكثير من أصحاب الميول الفلسفية بما كان فيها من التعقيد، كما سنبين بعد ذلك بإذن الله.
3- رد الفعل الذي نشأ عن الاضطهاد المستمر في عصور المسيحية الأولى، ما جعل المضطهدين أكثر تماسكاً من ذي قبل.
4- حاجة الدولة الرومانية إلى عقيدة موحدة تخلصها من الصراعات العقائدية المزمنة.
هل اعتنقت أوروبا النصرانية الحقة؟!
وهاهنا يأتي سؤال مهم: هل الديانة المسيحية التي أصبحت الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية عام 325م هي النصرانية التي نزلت على عيسى - عليه السلام -؟
وقبل الإجابة على ذلك السؤال علينا أن نستعرض بعض الديانات والعقائد التي كانت في حوض البحر المتوسط والتي كان من أهمها:
1- الديانة اليهودية: وهي ديانة مغلقة خاصة بأسباط بني إسرائيل، لكنها تتميز بأنها ديانة سماوية لها كتاب مقدس، وموطنها فلسطين، حيث ولد المسيح - عليه السلام - وأرسل.
2- العقيدة المترائية: وهي عقيدة وثنية قديمة، قوامها الكاهن والمذبح، ترى أنه لا خلاص للإنسان إلا بافتداء نفسه عن طريق تقديم القرابين للآلهة بواسطة الكهان.
3- الأفلاطونية الحديثة: وهي عقيدة فلسفية تتلخص في أن العالم في تكوينه وتدبيره صدر عن ثلاثة عناصر:
- المنشئ الأزلي الأول.
- العقل الذي تولد منه كما يتولد الابن من أبيه.
- الروح الذي يتكون منه جميع الأرواح، والذي يتصل بالمنشئ الأول عن طريق العقل، وكان موطنها الإسكندرية.
4- الوثنية المصرية: ومن معتقداتها أن الآلهة ثلاثة:
- حورس، الذي كان ابناً لسيراييس.
- سيراييس، الذي هو في الوقت نفسه حورس.
- إيزيس، والدة حورس.
5- الوثنية الرومانية: ديانة الامبراطورية الرسمية، ومن مبادئها:
- التثليث: (جوبيتر، مارس، كورنيوس).
- عبادة الإمبراطور، إذ كان الأباطرة يدّعون الربوبية.
- تقديس الصور والتماثيل وعبادتها.
6- أفكار فلسفية: من أهمها: الفلسفة الرواقية، التي تعني من الوجهة العملية: الانقطاع عن الدنيا، واعتبار إنكار الذات أسمى الغايات النبيلة، مناقضة بذلك الفلسفة الإباحية الأبيقورية التي كانت فاشية في المجتمع الروماني.
ولو أننا حاولنا أن نستنبط من مجموع هذه العقائد عقيدة واحدة مشتركة لخرجنا بعقيدة تقوم على ست دعائم:
1- الإيمان بالتوراة اليهودية.
2- اعتقاد الفداء والخلاص والوساطة بين الله والناس.
3- التثليث.
4- الحلول (تجسد الإله في شكل بشري).
5- تقديس الصور والتماثيل.
6- الهروب من الحياة (الرهبانية).
وبالنظر إلى تلك الدعائم الست نستطيع أن نستنتج أن:
1- تلك العقيدة المشتركة إذا قارنَّها بالعقيدة النصرانية التي اعتنقتها أوروبا سنجد أن تلك العقيدة النهائية هي بعينها دعائم الدين النصراني الذي دخلت فيه أوروبا على أنها رسالة سماوية.
2- أن أوروبا لم تدخل في النصرانية الحقة، وإنما ألبست وثنيتها ثوبًا نصرانيًا وجعلت من آمن بتلك عقيدة هو مؤمن بالنصرانية.
وليس هذا هو موضع التفصيل لبيان التشابه بين الوثنية الرومانية والنصرانية التي اعتنقتها أوروبا، ولكن بعد هذا الاستنتاج يبرز لنا سؤال آخر مبني على السؤال الأول.
هذا السؤال هو: كيف؟!
كيف تحولت النصرانية تلك الرسالة السماوية التي أتى بها عيسى - عليه السلام - إلى عقيدة ظاهرها النصرانية وباطنها الوثنية؟!
إنه التحريف:
قال - تعالى -: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} (المائدة: 77).
إن المسيحية ومنذ القرون الأولى - قد تعرضت لكثير من التحريف والتبديل سواء بفعل القديسين أو بفعل الأباطرة الرومان.
ولمزيد من إلقاء الضوء على هذه القضية سوف نبدأ بإذن الله بعرض خطين رئيسين في تحريف النصرانية
• الأول: تحريف العقيدة.
• الثاني: تحريف الشريعة
وهذا ما سوف نبدأ في عرضه من المقال القادم إن شاء الله
ـــــــــــــــــــ
(1) وهو مذهب أسسه أبيقور (341 ق. م ـ 270 ق. م)، والأبيقورية من أمّهات المدارس التي رفضت الدين، وما يتعلق به من معتقدات جملة وتفصيلاً، بل رأوا أن السعادة الحقيقية لبني البشر لا تتحقق إلا في حالة الانسلاخ عن الإيمان بالله، ومحاربة جميع ألوان التدين مطلقاً، فإن الغاية التي يرمي إليها الأبيقوريون من وراء مذهبهم هي أن يزيلوا عن الإنسان كل الأوهام والآراء السابقة التي من شأنها أن تعكر صفو الحياة السعيدة، ومن أقواله التي تعتبر من الأقوال العلمانية: إن الآلهة لا يشغلون أنفسهم بأمور بني البشر، إنهم موجودون لأنهم يظهرون من آن لآخر للأشخاص، بيد أن مسائل العالم الأرضي لا تعنيهم، وما من علامة تدل على أنهم يعنون بعقاب الآثم وإثابة الصالح؟ أيمكن اعتقاد تدخلهم هذا مع ما نراه في هذا العالم؟.
أهم المراجع:
1- العلمانية نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة د/ سفر بن عبد الرحمن الحوالي.
2- مذاهب فكرية معاصرة أ/ محمد قطب.
25/5/ 1427هـ
21/6/ 2006م