سلسلة كيف تكون الفكر الغربي تحريف العقيدة النصرانية (3)

 

أشرنا في المقال السابق أن الدين الذي اعتنقه الغرب على أنه عقيدة نصرانية سماوية، قد تعرض للتحريف والتبديل؛ حتى طمست الوحدانية في أصله عقيدة وشريعة.

 

وإذا أردنا أن نلقي الضوء على كيفية تحريف العقيدة النصرانية مع بيان أسبابها؛ سنجد أن التحريف قد سار في خطين أساسيين:

1- قضية الألوهية    2 - تحريف الأناجيل.

 

1- قضية الألوهية

وعملية التحريف التي استغرقت زهاء عشرة قرون - بل نستطيع أن نقول إنها لم تتوقف حتى الآن- بدأت مبكرة حين كان الحواريون لا يزالون على قيد الحياة، كما أنها ابتدأت بموضوع ليس بالهين، وهو القول بأن للمسيح طبيعة إلهية، مع أن سيدنا عيسى - عليه السلام - كما تعترف دائرة المعارف البريطانية- (لم تصدر عنه أي دعوى تفيد أنه من عنصر إلهي، أو من عنصر أعلى من العنصر الإنساني المشترك).

 

وتتفق المصادر التاريخية على أن اليد الطولى في التحريف كانت لمبشر من أتباع الحواريين، تسميه المسيحية المحرفة بولس الرسول، وهو الذي أثار موضوع ألوهية المسيح لأول مرة، مدعيًا أنه ابن الله - تعالى -الله عن ذلك، وكانت هذه الدعوى البذرة الأولى للتثليث.

 

من هو بولس؟:

الاسم الأصلي لبولس هو شاؤل، وهو كما يبدو من سيرته شخصية تآمرية ذات عبقرية عقائدية، وقد اشتهر أول حياته باضطهاد المسيحيين (1)، ثم تحول فجأة ليصبح الشخصية المسيحية الأولى، والقطب الكنسي الأعظم، ومنذ ظهوره إلى الآن لم يحظ أحد في تاريخ الكنيسة بمثل ما حظي به بولس من التقديس والإجلال.

 

دور بولس في تحريف النصرانية:

يقول المؤرخ ويلز-وهو من المعتدلين- في كتابه معالم تاريخ الإنسانية في فصل بعنوان مبادئ أضيفت إلى تعاليم يسوع: (وظهر للوقت معلم آخر عظيم يعده كثير من النقاد العصريين المؤسس الحقيقي للمسيحية، وهو شاؤل الطرسوسي، أو بولس، والراجح أنه كان يهودي المولد، وإن كان بعض الكتاب اليهود ينكرون ذلك! ولا مراء في أنه تعلم على أساتذة من اليهود، بيد أنه كان متبحرًا في لاهوتيات الإسكندرية الهلينية(2)، ومن الراجح جدًا أنه تأثر بالمثرائي(3)، إذ هو يستعمل عبارات عجيبة الشبه بالعبارات المثرائية.

 

ويتضح لكل من يقرأ رسائله المتنوعة جنبًا إلى جنب مع الأناجيل أن ذهنه كان مشبعًا بفكرة لا تبدو قط بارزة قوية فيما نقل عن يسوع من أقوال وتعليم، ألا وهي فكرة الشخص الضحية الذي يقدم قربانًا لله كفاره عن الخطيئة، فما بشر به يسوع كان ميلادًا جديدًا للروح الإنسانية، أما ما علمه بولس فهو الديانة القديمة، ديانة الكاهن والمذبح، وسفك الدماء طلبًا لاسترضاء الإله).

 

ولندع الآن كل التأثيرات والثقافات التي عرفها بولس، باستثناء واحدة منها هي لاهوتيات الإسكندرية التي كان متبحرًا فيها، ومعلوم أن هذه اللاهوتيات هي المدرسة الفلسفية المسماة الأفلاطونية الحديثة التي أشرنا إليها سابقًا إلى عقيدتها الثالوثية، وعنها نقل بولس فكرة التثليث، والتعديل الذي أدخله على الأفلاطونية شكلي فقط، فالمنشئ الأزلي الأول فيها يقابله عنده الله الأب والعقل المتولد عن المنشئ الأول يقابله عنده يسوع الابن، والروح الكلي يقابله روح القدس، ثم إنه سار شوطًا أبعد من ذلك، فاستعار من المثرائية فكرة الخلاص، وجعل القربان الضحية هو الأقنوم الثاني الابن.

 

ثم إن الكنيسة أكملت المسيرة، فأضافت إلى فكرة الخلاص فكرة تقديس الخشبة التي صلب عليه المسيح كما يزعمون، وهكذا تتابعت البدع واحدة في إثر الأخرى، وكان نتيجة ذلك أن دفنت التعاليم الأصلية بطريقة تكاد تكون غير محسوسة تحت تلك الإضافات المألوفة.

 

بهذه الطريقة، وبغض النظر عن الأهداف والدوافع الخفية، هدم بولس عقيدة التوحيد، وأوقع أتباع المسيح فيما كان قد حذرهم منه أبلغ تحذير، واكتسبت تعاليم بولس الصفة الشرعية المطلقة بقيام أحد أتباعه بكتابة الإنجيل الرابع المنسوب إلى يوحنا الحواري.

 

على أنه من الإنصاف أن نذكر أن الثلاثة القرون الأولى التي تسميها الكنيسة عصر الهرطقة شهدت صراعًا محتدمًا بين أتباع بولس وأثانسيوس(4) القائلين بالتثليث، وبين منكرة التثليث وعلى رأسهم آريوس (5)، ولم يكتب النصر النهائي للثالوثيين إلا في مجمع نيقية، مع أنهم كانوا أقلية فيه.

 

هكذا كان رأى القديس أوغسطين (430م) وهو يواجه حملة آريوس على التثليث الكاثوليكي، وقال: (إن كل ما جاء في الأناجيل لا ينبغي للعقل أن يجادل فيه؛ لأن سلطانها أقوى من كل سلطان أمر به العقل البشري).

 

ولقائل أن يقول: إن الأديان بما فيها الإسلام لا تخلو من مغيبات أو حقائق لا يستطيع العقل إدراكها، ولكن يدفع هذا القول أن هناك فرقًا بين ما يحكُم العقل باستحالته كالتثليث، وبين ما لا يستطيع العقل إدراكه، والإسلام وإن كان فيه الأخير؛ فإنه يخلو تمامًا من الأول، فليس فيه ما يحكم العقل باستحالته أبدًا.

 

2- تحريف الأناجيل.

إن محرري دائرة المعارف البريطانية، وهم من ذوي الكفاءات العالية في معظم التخصصات -ومنها اللاهوت- لم يتطرفوا أو يبالغوا في القول بأنه (لم يبق من أعمال السيد المسيح شيء ولا كلمة واحدة مكتوبة) بل إنما عبروا بذلك عما ينبغي أن يقرره الباحث العلمي المدقق.

 

ونحن المسلمين نؤمن بأن في خبايا الأناجيل شيئًا من أقوال المسيح وتعاليمه، التي يحتمل أنها وحي من الله، لكن ذلك لم يثبت لدينا بسند تاريخي موثوق إلى المسيح.

 

يقول آدم كلارك أحد شارحي الأناجيل: (محقق أن الأناجيل الكثيرة الكاذبة كانت رائجة في أول القرون المسيحية، وكثرة هذه الأحوال الغير صحيحة هَـيَّجت لوقا(6) على تحرير الإنجيل، ويوجد ذكر أكثر من سبعين من هذه الأناجيل الكاذبة والأجزاء الكثيرة من هذه الأناجيل باقية، وكان فابري سيوس جمع الأناجيل الكاذبة وطبعها في ثلاث مجلدات).

 

ويقول لوقا في المقدمة: (إذا كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا، كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخُدَّامًا للكلمة؛ رأيت أنا أيضًا، إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق، أن أكتب إليك على التوالي أيها العزيز تاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذي علمت به) (7).

 

وعلى هذا فلا السبعون الكاذبة ولا إنجيله الصادق وحي من الله، ولا أحدها هو منسوب إلى المسيح، بل الكل سير وقصص يكتبها أتباع المسيح عن حياته ودعوته، كما سمعوها من أسلافهم الذين رأوا المسيح وخدموه، ولو استعرنا عبارة الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون؛ لقلنا عن الأناجيل: (هي مجموعة من الأوهام والذكريات غير المحققة التي بسطها خيال مؤلفيها).

 

يقول لاندر أحد مفسري الأناجيل: (حُكِمَ على الأناجيل المقدسة لأجل جهالة مصنفها بأنها ليست حسنة بأمر السلطان أناسطيوس(8) في الأيام التي كان فيها مسالة (9) حاكمًا في القسطنطينية، فصححت مرة أخرى)، وهذا القول اعتراف بالغ الخطورة، فهو يقرر ثلاث حقائق تاريخية:

1- أن مؤلفي الأناجيل مجهولون، وظلوا كذلك حتى القرن الرابع الميلادي.

2- أن لأهواء الحكام وميولهم يدًا فيما تعرضت له الأناجيل من تحريف باسم التصحيح.

3- أن التحوير والتعديل ظل يمارس في الأناجيل دون شعور بالحرج، مما يدل على أنه عادي مألوف.

 

مجمع نيقية....إقرار الانحراف:

وكان عام (325م) يمثل معلمًا من معالم التاريخ البارزة، ففيه عقد مجمع نيقية الذي ابتدئت به صفحة جديدة في تاريخ الديانات العالمية، وأن هذا المجمع ليستحق أن يقف عنده المرء طويلًا.

 

إن أي مجمع أو مؤتمر يجب أن تتوفر فيه شروط خاصة لا سيما إذا كان دينيًا- ومن أوجب هذه الشروط:

1- حرية البحث والمناظرة، سواء في جدول أعماله أو صيغة قراراته، فلا تكون هنالك سلطة قاهرة تفرض على المجتمعين موضوعًا أو قرارًا بعينه مهما كانت.

2- نزاهة القصد وروح التفاهم، بأن يكون الوصول للحق هدفًا مشتركًا بين المجتمعين بدون تعصب أو إصرار.

3- اتخاذ قرارات سائغة ومنطقية مع اعتراف مقرريها بأنها عرضة للخطأ والصواب وقابلة للنقاش، وإلا جاز اتهامهم بالاستبداد الفكري.

 

وهذه الشروط -مع الأسف- مفقودة كليًا في هذا المجمع المقدس:

فأولًا: لم يكن سبب انعقاده ذاتيًا نابعًا من الأساقفة أنفسهم، بل إن الإمبراطور الروماني قسطنطين هو الذي دعا إلى انعقاده، وهو رجل وثني ظل وثنيًا إلى أن عُمِّد وهو على فراش الموت.

 

ثانيًا: حضر المجمع ألفان وثمانية وأربعون من البطاركة والأساقفة، يمثلون مذاهب وشيعًا متناحرة، أبرزها فرقتان:

1-الموحدون، كما يدعون، أتباع آريوس، وكان عددهم يقارب سبعمائة عضو.

2- الثالوثيون، أتباع بولس، وكان عددهم حوالي ثلاثمائة وثمانية عشر عضوًا.

 

ومعلوم أن وثنية قسطنطين ثالوثية، وهذه في حد ذاتها تمثل قوة معنوية للثالثوثيين، فكيف إذا أضيف إلى ذلك أنه جمع الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفًا في مجلس خاص، وجلس في وسطهم، وأخذ خاتمه وسيفه وسلمه إليهم، وقال: (قد سلطتكم اليوم على مملكتي).

 

ثالثًا: لم تكتف قرارات الجمع بالتحيز لقسطنطين ودعاة التثليث، بل لعنت وحرمت من يخالف هذه القرارات، والحرمان عقوبة لها حجمها الكبير في المسيحية

 

وأبرز قرارات المجمع القرار الذي اتخذه بشأن الأناجيل، وهو أن الأناجيل المعتمدة الصحيحة هي الأناجيل الأربعة المنسوبة لـ(متى، لوقا، مرقص، يوحنا)، وأما ما عداها؛ فمزيف مكذوب تحرم قراءته، ويجب حرقه وإبادته.

 

وأن كنا لسنا هنا بمعرض توضيح التحريفات التي في الأناجيل الأربعة المختارة إلا أن هذا القرار بلا شك قرار جائر بحق الدين والتاريخ، لاسيما وأن الناظر إلى هذه الأناجيل يجد بينها من التضاد الشكلي والموضوعي ما يؤكد أنها ليست وحيًا، بل ليست سيرة صادقة للمسيح - عليه السلام -.

 

وإن كان تحريف العقيدة أمرًا له أثر في الفكر الغربي؛ إلا أن تحريف الشريعة، واستغلال الدين لإشباع الأطماع دنيوية؛ كان له الأثر الأكبر في التاريخ الغربي، وهذا ما سنشرع في بيانه في المقال القادم بإذن الله.

 

----------------------------------------

(1) أطلق اسم (مسيحي) للدلالة على معتنقي عقيدة ألوهية المسيح التي أقرت في مجمع نيقية سنة (325م)، وظهر أول مرة في أنطاكية في القرن الثالث الميلادي، وهم ينسبون أنفسهم للمسيح - عليه الصلاة والسلام -، وهو بريء منهم؛ لأنهم لو كانوا مسيحيين حقاً لآمنوا به بشراً رسولاً، وآمنوا بمن بشر به من بعده، وهو محمد - صلى الله عليه وسلم -.

(2) وهي عقيدة فلسفية كان موطنها الإسكندرية، لمزيد من التوسع راجع المقال السابق.

(3) العقيدة المثرائية أو المترائية: وهي عقيدة وثنية قديمة، قوامها الكاهن والمذبح، ترى أنه لا خلاص للإنسان إلا بافتداء نفسه عن طريق تقديم القرابين للآلهة بواسطة الكهان.

(4)بطريريك الأسكندرية، كان رئيس أنصار التثليث في مجمع نيقية، حارب التوحيد الذي كان رئيس أنصاره آريوس.

(5) كاهن من الأسكندرية، كان ممن ينكرون التثليث.

(6) ولا تذكر المصادر النصرانية الكثير عن ترجمته، وإن كان البعض قال أنه كان طبيب بولس، واختلفوا في كونه تلميذ بولس، وقد ساهم في نشر ضلالات بولس في أوساط النصارى.

(7) لوقا: (1/1-4).

(8) سلطان نصراني أصدر أمراً بالحكم على الأناجيل بأنها ليست حسنة؛ لأجل جهالة مصنفها.

(9) أحد حكام القسطنطينية، له أثر فيما تعرضت له الأناجيل.

 

2 /6/ 1427هـ

 28 /6/ 2006م

 

http://www.islammemo.cc                      المصدر: