سلسلة كيف تكون الفكر الغربي تحريف الشريعة (4)
تحدثنا في المقال السابق عن التحريف العقيدة النصرانية (من الوحدانية إلى التثليث)، وما كان في مجمع نيقية من إقرار لتلك العقيدة بالقوة بسبب مشابهتها للعقيدة الرومانية الوثنية.
أما في جانب الشريعة، فإن الأمر لم يكن مختلفًا، إلا أن تحريف الشريعة كان له الأثر الأكبر في تكون النفسية الغربية ومفهومها للدين، وكان العامل الأهم في قيام الثورة ضد الكنيسة، والمناداة بفصل الدين عن الحكم؛ لذا لم يكن تحريف الشريعة النصرانية بالأمر الهين الذي يمر مرور الكرام عبر ذاكرة التاريخ، وإنما كان تحريف الشريعة هو الشرارة الأولى لبدئ السير نحو فصل الدين عن الدولة.
التصورات الرومانية القديمة عن مهمة الدين في الحياة.
يقول أبيقور(1): (إن الآلهة يعيشون بعيدًا عن العوالم، ولا يهتمون إلا بشؤونهم؛ فلا تعنيهم أمورنا، إنهم يعيشون حكماء سعداء، ويعظوننا بهذا المثال الذي يجب أن نسير على منواله، فلنعتبرهم كمثل عليا يُقتدى بها، غير أنه يجب علينا ألا نشغل أنفسنا بما يريدونه منا، فإنهم لا يريدون منا شيئًا، فهم لا يعيروننا بالًا؛ فلنفعل نحوهم كما يفعلون نحونا).
هذا التصور للآلهة تشترك مع أبيقور فيه الغالبية العظمى من الرومان، ومن الطبيعي جدًا أن ينشأ عن هذا التصور الخاطئ للإله تصور خاطئ لمهمة الدين في الحياة، وواجب المخلوق تجاه خالقه.
وبما أن آلهة الرومان بطبعها لم تكن لتشرع لهم شيئًا، فقد كان من الضروري أن يقوم بشر متألهون بمهمة وضع نظم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة، ونتيجة لجهود هؤلاء برز إلى الوجود (القانون الروماني)، الذي لا تزال أوروبا تعيش عليه أو على امتداده إلى اليوم، أما النظم الأخلاقية وقوانين الآداب العامة -إن وجدت- فقد كانت أبيقورية محضة.
هل تغير الأمر عند المسيحية الأوروبة؟
وبالنسبة للذين اعتنقوا المسيحية من المواطنين الرومان؛ فإن التصور السابق عن الدين ومهمته في الحياة لم يتغير، وكان التغيير الذي طرأ عليهم هو إحلال مسمى (الأب، والابن، وروح القدس) محل (جوبيتير، ومارس، وكورنيوس)، فما كانوا ينتظرون من آلهة بولس وكنيسته من تشريع وتوجيه، ولم يكن مقام الأب الذي نادت به الكنيسة ليزيد عن مقام جوبيتير الذي صوره أبيقور.
ولقد عبر أحد المؤرخين الغربيين عن ذلك بقوله: (إن المسيحية لم تكن عند أكثر الناس غير ستار رقيق، يخفي تحته نظرة وثنية خالصة إلى الحياة)(2).
مساهمة الكنيسة في تحريف الشريعة
وبمرور الزمن أصبح هذا الانحراف منهجًا مقررًا اعتمدته الكنيسة بعد مجمع نيقية، ففصلت بين العقيدة وبين الشريعة، بين الدين والدولة، وقسمت الحياة البشرية دائرتين مغلقتين:
الأولى: (دينية) من اختصاص الله، ويقتصر محتواها على نظام الإكليروس(3) والرهبنة والمواعظ، وتشريعات طفيفة لا تتعدى الأحوال الشخصية.
والأخرى: (دنيوية) من اختصاص قيصر وقانونه، ويحوي محيطها التنظيمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلاقات الدولية، ونظم الحياة العامة.
وكانت الكنيسة تعمد إلى عبارات تنسبها الأناجيل إلى المسيح، قيلت مجازًا، أو وردت في ظروف مؤقتة وملابسات خاصة؛ لتقرر منها قواعد أصولية تؤسس عليها دينها المحرف، دون مراعاة لمنطق الاستدلال ومقتضى التحقيق العلمي، مثل أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله (4)، و إن مملكة المسيح ليست في هذا العالم (5).
ولا يعني هذا أن الكنيسة لم تمارس سلطات سياسية أو نفوذًا اجتماعيًا، فقد كان منها ما لم يكن من أعتى القياصرة (6) لكن هذه الممارسة تظل محدودة بنطاق المطامع الشخصية لرجال الدين(7).
من البدع المستحدثة في الدين النصراني:
ولما كانت تحريفات الكنيسة تخبطات عشوائية لا ترتكز على قواعد محددة، وليس لها ضوابط رادعة؛ فقد ظل المجال فسيحًا لإضافات أكثر وثغرات أعمق، وكان للمطامع الدنيوية والرغبات الشخصية الفضل الأكبر في دفع الموجة قدمًا وتوجيهها كما يراد، فكان من أهم البدع المستحدثة:
1- رجال الدين. 2- الرهبانية. 2- عبادة الصور والتماثيل. 4- صكوك العفران. 5 - الأسرار المقدسة.
أولاً: رجال الدين الإكليروس:
إن طبقة رجال الدين التي ظهرت في الديانة الجديدة لأوروبا ليست سوى امتداد للسحرة والكهان في المرحلة التاريخية التي كان لهؤلاء سلطان وقوة على الأفراد، ولقد ظل رجال الدين يقومون بالمهمة نفسها التي كان يتولاها أولئك من قبل، والفارق الوحيد هو أن رجال الدين يستمدون سلطتهم من الدين، بينما يستمدها السحرة والكهان من السحر.
يقول المؤرخ الإنجليزي ويلز، في معرض الفرق بين مسيحية المسيح ومسيحية الكنيسة: (إن تعاليم يسوع الناصري تعاليم نبوية من الطراز الجديد الذي ابتدأ بظهور الأنبياء العبرانيين، وهي لم تكن كهنوتية، ولم يكن لها معبد مقدس حبسًا عليها ولا هيكل، ولم يكن لديها شعائر ولا طقوس، وكان قربانها قلبًا كسيرًا خاشعًا، وكانت الهيئة الوحيدة فيها هيئة من الوعاظ، وكان رأس ما لديها من عمل هو الموعظة.
بيد أن مسيحية القرن الرابع الكاملة التكوين، وإن احتفظت بتعاليم يسوع في الأناجيل كنواة لها، كانت في صلبها ديانة كهنوتية من طراز مألوف للناس من قبل منذ آلاف السنين، وكان المذبح مركز طقوسها المنمقة،
والعمل الجوهري في العبادة فيها، هو القربان الذي يقربه قسيس متكرس للقداس، ولها هيئة تتطور بسرعة مكونة من الشمامسة والقساوسة والأساقفة)(8).
وكان من الأسس الباطلة التي بنى عليها رجال الدين مبررات وجودهم مبدأ التوسط بين الله والخلق، الذي يقتضي ألَّا يذهب الإنسان إلى رجل الدين ليعلمه كيف يعبد الله، بل ليعبد الله بواسطته، وليس للمذنب أن يتجه بتوبته إلى الله طالبًا الصفح والمغفرة، بل عليه أن يتجه إلى رجل الدين معترفًا أمامه بذنبه، ليقوم بالتوسط لدى الله فيغفر له، وحسب هذا المبدأ نصب رجال الدين أنفسهم أندادًا لله - تعالى -، كما قال - تعالى -: ((اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)) (التوبة: 31) وفوق كونه مبدًا باطلًا شرعًا، ساقطًا عقلًا، فإنه ليس في الأناجيل -رغم تحريفها- ما يدل على أن المسيح أقره أو دعا إليه.
وبررت الكنيسة هذه الوساطة بما جاء في إنجيل متى أن المسيح قال لبطرس كبير الحواريين: (أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة ابن كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها، وأعطيك مفاتيح ملكوت السموات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السموات، وكل ما تحله على الأرض يكون محلولاً في السموات)(9)، ففهمت الكنيسة من هذا القول: أن المسيح يعني أن السلطة الدينية المهيمنة باسمه سترتكز في الموضع الذي يموت فيه كبير الحواريين بطرس، ومن هذا المركز تمد أجنحة نفوذها على العالم أجمع وتحكمه باسم المسيح، وبما أن المسيح بطرس -كما تقول الكنيسة- مات في روما؛ فإن روما هي قاعدة المسيح لحكم العالم، وفيها مقر الكنيسة التي يرأسها ممثل المسيح ورسوله البابا المعصوم عن الخطأ، وكل ما تقرره هذه الكنيسة هو عين الصواب.
وبعيدًا عن أن هذا القول يصادم التوحيد الذي أتت به الرسل، فلا يمكن أن ينسب إلى الديانية الربانية السماوية، خاصة بعد قراءة ما بعد هذا القول المنسوب إلى المسيح بثلاث فقرات فقط، وهو يخاطب بطرس قائلاً: (اذهب عني يا شيطان، لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس...)، فكيف يتسق هذا الوصف وتلك التهمة مع الهبة السابقة، والتكريم الذي لا حد له؟
ثم لماذا تنظر الكنيسة إلى هذا القول وأضرابه، وتغض الطرف عن مثل قول المسيح الصريح: (رؤوساء الأمم يسودونهم والعظماء يتسلطون عليهم، فلا يكون هكذا فيكم) وقوله: (أحبوا أعداءكم أحسنوا إلى مبغضيكم، باركوا لاعنيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم) (10).
وقد ترتب على هذا المبدأ آثارًا خطيرة للغاية، منها: احتكار رجال الدين لحق قراءة وتفسير الإنجيل، ثم استحداث صكوك الغفران، وكذلك الانشقاقات الدينية المتوالية التي دمرت الحياة بصفة عامة، وأخيرًا كان هذا المبدأ إحدى الحجج التي سلها ملاحدة القرن السابع عشر فما بعد، في وجه الأديان عامة والمسيحية خاصة.
ونتابع بإذن الله في المقال القادم باقي البدع المستحدثة في الشريعة النصرانية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أبيقور (341 ق. م ـ 270 ق. م) هو مؤسس الأبيقورية وهي من أمهات المدارس التي رفضت الدين وما يتعلق به من معتقدات جملة وتفصيلاً، بل رأوا أن السعادة الحقيقية لبني البشر لا تتحقق إلا في حالة الانسلاخ عن الإيمان بالله، ومحاربة جميع ألوان التدين مطلقًا.
(2) تاريخ العالم، (4/330).
(3) نظام الإكليروس (Clergy)، وهو ما أطلق على خَدَمِة الدين المسيحي ويبدأ من البطريرك ثم المطران ثم الأسقف ثم القسيس..... وهكذا.
(4) وهذا القول مع عدم القطع بنسبته إلى المسيح - عليه السلام - لا يمكن أن نفسره بأن المسيح يدعو إلى الإشراك بين الله وقيصر، خاصة وإذا تم وضعه في إطار طبيعة الظروف التي نشأت فيها دعوة المسيح - عليه السلام -.
(5) وهذا القول مع عدم القطع بنسبته إلى المسيح - عليه السلام - أيضًا- فسرته الكنيسة أن الدنيا والآخرة ضرتان متناحرتان وضدان لا يجتمعان، وأنه إذا كان الأمر كذلك ففيم العناء لإصلاح الدنيا؟ فتركت الحكام والجبابرة يتحكمون في الأرض كما شاءوا، ولا يمكن أن يفهم الأمر كما فهمته الكنيسة، وخصوصًا إذا فرضنا جدلًا أن تلك العبارة صحت نسبتها إلى المسيح- إذا تم قراءة ما بعدها بقليل، مما يفيد أن هذا الكلام قاله المسيح خلاصًا من المكيدة التي دبرها له اليهود.
(6) سيأتي الحديث عن ذلك بالتفصيل في مقالات قادمة.
(7) وهذا المصطلح (رجال الدين) من المصطلحات المستحدثة في النصرانية، والصحيح أن يقال علماء الدين، لأنه ليس هناك رجال للدين ورجال للدنيا.
(8) معالم تاريخ الإنسانية (3/720).
(9) متى (16/ 19، 20).
(10) لوقا: (6/28).
10/6/ 1427هـ
6 /7/ 2006م