سلسلة كيف تكون الفكر الغربي تابع تحريف الشريعة (5)
بدأنا في المقال السابق في الكلام عن التحريف الذي قام به رجال الدين في الشريعة النصرانية السماوية فأصبحت ديانة وثنية، واستعرضنا البدع المستحدثة في الدين النصراني، واستفضنا في العنصر الأول ألا وهو رجال الدين.
واليوم نتعرض لأحد أهم تلك البدع التي كان لها أثر كبير في الثورة على الكنيسة.
ثانيًا: الرهبانية:
ما الرهبانية التي عرفها الناس منذ القدم إلا نتاج للتصور السلبي الخاطئ الذي نشأ عن الجهل بطبيعة الإنسان ومهمته في الوجود، وهي أن الله قد اختاره للقيام بالمهمة العظمى الخلافة في الأرض، وأناط به مسؤولية عمرانها بالصلاح والخير.
ومع أن الرهبانية بدعة بشرية مشتركة بين أديان عديدة، إلا أننا نلاحظ أن للرهبانية النصرانية ظروفًا وأسبابًا بارزة تضافرت على إيجادها وتنميتها، حتى أصبحت أبرز مظاهر الدين الكنسي على مر العصور.
أسباب الرهبانية:
1-عقيدة الخطيئة الأصلية الموروثة:
وهي إحدى التعاليم الكبرى في المسيحية المحرفة، وموجزها أن آدم - عليه السلام - أكل من الشجرة شجرة المعرفة! ؛ فعاقبه الله بالطرد من الجنة وأسكنه التراب، وظل الجنس البشري يرسف في أغلال تلك الخطيئة أحقابًا متطاولة؛ حتى أنزل الله ابنه -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا- ليصلب فداءً للنوع الإنساني؛ وليبين للناس طريق الخلاص من هذه الخطيئة؛ فأصبح لزامًا على الإنسان أن يقتل نفسه لمنحها الخلاص، يقول إنجيل متى: (من أراد أن يخلص نفسه يهلكها) (1).
ولما كانت المرآة -حسب رواية سفر التكوين- هي التي أغرت الرجل بالأكل من الشجرة؛ فإن النصرانية المحرفة ناصبت المرآة العداء، باعتبارها أصل الشر ومنبع الخطيئة في العالم، لذلك فإن عملية الخلاص من الخطيئة لا تتم إلا بإنكار الذات، وقتل كل الميول الفطرية والرغبات الطبيعية، والاحتقار البالغ للجسد وشهواته لا سيما الشهوة الجنسية.
ومن ناحية أخرى تولد عن الشعور المستمر بالخطيئة أن قنط كثيرون من رحمة الله، فلا يكاد أحدهم يقترف كبيرة؛ حتى تظلم الدنيا في عينيه، ويثأر من نفسه بإرغامها على الالتحاق بأحد الأديرة والمترهبين فيه.
2-رد الفعل المتطرف للمادية اليهودية الجشعة، والأبيقورية الرومانية الغارقة في الشهوات:
فكان من أتباع المسيح مع مرور الزمن، وكرد فعل منهم للضغط المادي عليهم، أن غلوا واشتطوا حتى خرجوا عن حدود ما يأمرهم به الوحي وتمليه الفطرة السوية، ونسبوا إلى المسيح أنه أمر الغني أن يتجرد من أمواله، ويحمل الصليب ويتبعه، وقال: (مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله) (2)، وأنه أوصى تلاميذه قائلًا لا تقتنوا ذهبًا ولا فضةً ولا نحاسًا في مناطقكم، ولا مزودًا للطريق، ولا ثوبين، ولا أحذية، ولا عصًا) (3)
3- الأثر الذي خلفته الفلسفات ووثنيات التهربية القانطة:
الفلسفة الرواقية والتي تنم عن التذمر والتهرب من الحياة، وتقوم على التأمل والاستغراق في عالم ما وراء المادة، هذا إلى جانب الوثنيات القاتلة التي تقهر الجسد على حساب الروح، وتقدس اليأس والتقشف، كالبوذية والبرهمية.
ولما كان بولس مطلعًا على هذه الفلسفات والوثنيات متأثرًا بآرائها؛ فقد أدخلها في صلب مسيحيته، ثم توارثها الأتباع من بعده، ومن اقتباسات بولس النظرة المتشائمة إلى الحياة الدنيا ومتاعها.
وقد أثرت هذه الاعتقادات وما اقتبسته المسيحية المحرفة منها في رواج الرهبانية وشيوعها في القرون التي تلت المسيح.
يقول صاحب معالم تاريخ الإنسانية: (كانت الأديرة موجودة في العالم قبل ظهور المسيحية، وفي الفترة التي ألمَّ فيها الشقاء الاجتماعي باليهود، قبل زمان يسوع الناصري، كانت طائفة من النساك الأسينيين تعيش منعزلة في مجتمعات، قد وهبت نفسها لحياة تقشفية من الوحدة والطهر وإنكار الذات، كذلك أنشأت البوذية لنفسها مجتمعات من رجال اعتزلوا غمرة الجهود العامة والتجارة في العالم؛ ليعيشوا عيشة التقشف والتأمل)
(ونشأت في زمن مبكر جدًا من تاريخ المسيحية حركة مشابهة لهذه؛ تتنكب ما يغمر حياة الناس اليومية من منافسة وحمية وشدائد، وفي مصر على وجه الخصوص، خرجت حشود كبيرة من الرجال والنساء إلى الصحراء، وهناك عاشوا عيشة عزلة تامة، قوامها الصلوات والتأملات، وظلوا يعيشون في فقر مدقع في الكهوف أو تحت الصخور على الصدقات، التي تقذفها إليهم الصدفة من أولئك الرجال الذين يتأثرون بقداستهم) (4).
4- الأوضاع الاجتماعية القاسية:
كان المجتمع الروماني مجتمعًا طبقيًا ظالمًا، تكدح فيه قطاعات ومجموعات كبيرة لصالح أفراد قلائل، وكان سكان المستعمرات خاصة يعانون البؤس وشظف العيش إلى جانب الظلم والطغيان، فقنط كثيرون من الحياة، ورأوا أن خير وسيلة للتخلص من خدمة الأسياد والحصول على العيش ولو كفافًا هو دخول الأديرة، حيث ينفق عليهم من تبرعات المحسنين وأوقاف الكنيسة، ويذكر صاحب كتاب قصة الحضارة أن (الآلاف من الشباب كانوا يدخلون الأديرة فرارًا من الخدمة العسكرية التي فرضها الرومان) (5)
نظام الرهبانية:
يتضمن نظام الرهبانية شروطًا لا بد من تحقيقها في الراهب منها:
1- العزوبة:
و هي أهم شروط الرهبانية، إذ لا معنى للرهبانية مع وجود زوجة، ومعلوم أن المسيح - عليه السلام - لم يتزوج، وينسب إنجيل متى إلى المسيح قوله: (يوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السموات، من استطاع أن يقبل فليقبل) (6)
على أن التنفير من المرأة -وإن كانت زوجة- واحتقار وترذيل الصلة الجنسية -وإن كانت حلالًا- من أساسيات المسيحية المحرفة، حتى بالنسبة لغير الرهبان، يقول سان بونافنتور (7) أحد رجال الكنيسة: (إذا رأيتم امرأة؛ فلا تحسبوا أنكم ترون كائنا بشريًا، بل ولا كائنًا حيًا وحشيًا، وإنما الذي ترون هو الشيطان بذاته، والذي تسمعون هو صفير الثعبان)(8).
وإذا كان هذا هو الحال مع غير الرهبان؛ فلنتصور كيف تكون الحال معهم!
2- التجرد الكامل عن الدنيا:
ويعنى ذلك: العزلة النهائية عن المجتمع، وقطع النظر عن كل أمل في الحياة، والرضا من الرزق بالكفاف، وعدم الاهتمام بالمطالب الجسدية حتى الضروري منها كالملابس والنظافة، وإذا كانت المسيحية المحرفة تأمر الأفراد العاديين باحتقار الحياة وتعده من أولى الواجبات؛ فبديهي أن تكون معاملة الراهب أقسى وأعتى.
3- العبادة المتواصلة:
يفرض نظام الحياة الرهبانية على الراهب أن يكون في حالة عبادة مستمرة يمليها عليه الأب، ولا يستطيع التردد في الطاعة، بل عليه أن يجهد نفسه ويرهفها ويكلفها ما لا تطيقه من الصلوات والصيام والتراتيل والترانيم وسائر الطقوس، وإذا سئم من ذلك أو قصر في شيء منه فإن للنظام عقوباته الرادعة...ولنأخذ نموذجًا لذلك تعاليم القديس كولمبان الذي أسس الأديرة في جبال الفوج بفرنسا، ومن تعاليمه: (يجب أن تصوم كل يوم، وتصلي كل يوم، وتعمل كل يوم وتقرأ كل يوم، وعلى الراهب أن يعيش تحت حكم أب واحد).
(ويجب أن يأوي إلى الفراش وهو متعب يكاد يغلبه النوم وهو سائر في الطريق، وكانت العقوبات صارمة أكثر ما تكون بالجلد: ستة سياط إذا سعل وهو يبدأ ترنيمة، أو نسي أن يدرم أظافره قبل تلاوة القداس، أو تبسم أثناء الصلاة، أو قرع القدح بأسنانه أثناء العشاء الرباني) (9).
4- التعذيب الجنوني:
لم يقتصر الأمر على ما ذكره، بل كما هي طبيعة البدع فقد تجاوز ذلك إلى تصرفات جنونية تشمئز لها الفطر السليمة، ابتدعها بعض الرهبان ليعبروا عن قوة إيمانهم وعمق إخلاصهم لمبدئهم، (وروى المؤرخون من ذلك عجائب فحدثوا عن الراهب ماكاريوس أنه نام ستة أشهر في مستنقع ليقرض جسمه العاري ذباب سام، وكان يحمل دائمًا نحو قنطار من حديد، وكان صاحبه الراهب يوسيبيس يحمل نحو قنطارين من حديد...، وقد أقام ثلاثة أعوام في بئر نزح... وقد عبد الراهب يوحنا ثلاث سنين قائمًا على رجل واحدة، ولم ينم ولم يقعد طوال هذه المدة، فإذا تعب جدًا أسند ظهره إلى صخرة. وكان بعض الرهبان لا يكتسون دائمًا، وإنما يتسترون بشعرهم الطويل ويمشون على أيديهم وأرجلهم كالأنعام، وكان أكثرهم يسكنون في مغارات السباع والآبار النازحة والمقابر، ويأكل كثير منهم الكلأ والحشيش، وكانوا يعدون طهارة الجسم منافية لنقاء الروح، ويتأثمون عن غسل الأعضاء، وأزهد الناس عندهم وأنقاهم أبعدهم عن الطهارة، وأوغلهم في النجاسات والدنس، يقول الراهب اتهينس: إن الراهب أنتوني لم يقترف إثم غسل الرجلين طوال عمره، وكان الراهب أبراهام لم يمس وجهه ولا رجله الماء خمسين عامًا، وقد قال الراهب الإسكندري بعد زمان متلهفًا: وا أسفاه، لقد كنا في زمن نعد غسل الوجه حرامًا، فإذا بنا الآن ندخل الحمامات) (10).
نتائج الرهبانية:
وما من شك في أن الرهبانية ليست من فطرة الإنسان ولا من غايات وجوده، ولقد أدى التزمت والغلو في الدين ومغالبة الطبع السوي والفطرة السليمة إلى نتيجة عكسية تمامًا، وأصبحت الأديرة مباءات للفجور والفسق تضرب بها الأمثلة في ذلك، وقد وصل الحال بنصارى الشرق -وربما كانوا أكثر حياء وأشد تمسكًا- إلى حد أن المستهترين من الخلفاء والشعراء المجان كانوا يرتادون الأديرة كما يرتاد رواد الدعارة اليوم بيوت العهر، وألفوا في ذلك كتبًا منها كتاب الديارات المعروف لدى دارسي الأدب العربي (11).
هذا بالنسبة للمترهبنين، أما الفرد المسيحي فقد ضعفت ثقته بالدين، وتزعزعت في نفسه القيم والأخلاق الدينية، أما الغيورون منهم؛ فقد اتخذوا ذلك ذريعة للانشقاق عن الكنيسة، وتكوين فرق دينية جديدة لها أديرة خاصة تبدأ أول الأمر نظيفة، لكنها لا تلبث أن تعود فتسقط فيما سقط فيه أسلافها.
هذا وقد ظلت رواسب الرهبانية متغلغلة في أعماق النفسية الأوروبية؛ حتى بعد أن فقد الدين مكانته في النفوس -لاسيما ما يتعلق بالمرأة والجنس- وكان لذلك أثره في النظريات الهدامة التي أعقبت الثورة الصناعية خاصة الفرويدية، كما سيأتي بإذن الله في المقالات القادمة.
----------------------------------------
((1)) متى، (16/26).
((2)) مرقص (10/22)، ومتى (19/25).
((3)) متى (10/10-11)، ومثله لوقا (9/4-10).
((4)) معالم تاريخ الإنسانية، (3/730-732).
((5)) قصة الحضارة، (14/15).
((6)) متى، (13/19).
((7)) فيلسوف وراهب نصراني من الطائفة الفرنسيساكتية.
((8)) أشعة خاصة بنور الإسلام، (29).
((9)) قصة الحضارة، (14/365).
((10)) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، (168).
((11)) كتبه أبو الحسن السابشتي، وطبع مؤخرًا بتحقيق كوركيس عواد.
17 /6/ 1427هـ
13/7/ 2006م