السودان: سلام الجنوب يتعثر وسلام الشرق يتفسخ

عطية عيسوي

17/06/1428هـ

الأهرام/ سنتان ونصف السنة تقريباً مرت على توقيع اتفاق نيفاشا للسلام الذي من المفروض أن ينهي 22 عاماً من الحرب الأهلية في جنوب السودان، ولم تعد الثقة بين حكومة الخرطوم وحكومة الجنوب، ولا التنمية للإقليم بالقدر المأمول الذي يجعل الوحدة جاذبة بين الشماليين والجنوبيين - كما يقول أهل الجنوب -، قبل أن يتم الاستفتاء على تقرير المصير عام 2011, فمازال الشد والجذب، وتبادل الاتهامات بين الطرفين بعدم الجدية في تنفيذ اتفاق نيفاشا يعكر الأجواء، ويمنع إعادة بناء الثقة التي انفرط عقدها خلال الحرب, ومازال كل من الطرفين ينظر بعين الريبة لنيات الآخر لدرجة أنهما أقرا في لحظة صفاء مع النفس في يناير الماضي بأن الجنوب أقرب الآن إلى الانفصال منه إلى الوحدة، وأن حاجز انعدام الثقة ازداد سمكاً بينهما.

البعض يصور اتفاق نيفاشا على أنه مريض تحوم فوقه الطيور الجارحة في انتظار لحظة الانقضاض عليه, وآخرون قالوا من قبل التوقيع عليه: خير لنا أن نصبح رأساً لإفريقيا من أن نبقي ذيلاً للعرب في إشارة إلى أن الانفصال بالجنوب سيجعلهم على رأس الدول الأفريقية، وهو أفضل - من وجهة نظرهم - من أن يظلوا على حافة العالم العربي من الجهة الجنوبية، لأن الدول العربية - في رأيهم - تنحاز لحكومة الشمال (الخرطوم) على حساب قضيتهم، ولا تقدم لهم المساعدات التي تعينهم على تحسين أحوال معيشتهم, هذا الاتهام ليس زائفاً تماماً، وإنما به قدر من الحقيقة مهما اختلفنا على حجمه بالرغم من المساعدات التي قدمتها ومازالت تقدمها دولة مثل مصر للجنوبيين في صورة مشروعات كهرباء ومياه شرب، وتعبيد طرق، ومنح دراسية.

اتفاق السلام تم تنفيذ الكثير جداً من بنوده فيما يخص اقتسام الثروة والسلطة, ولكن بنوداً أساسية فيه مازال تنفيذها يتعثر بسبب تباطؤ كل منهما، وظهور خلافات حول بنود جوهرية مثل: رسم الحدود بين الشمال والجنوب، وعائدات البترول، ومنطقة أبيي الغنية به، والتي تعد بمثابة قنبلة موقوتة قد تنسف الاتفاق إذا لم يتم حلها بشكل يرضي الطرفين, بالإضافة إلى الترتيبات الأمنية التي لم تنفذ بالكامل نتيجة عدم اكتمال انسحاب قوات كل طرف من الأراضي التابعة للطرف الآخر, وبالرغم من قصر الفترة المتبقية على الاستفتاء إلا أنه يمكن للطرفين أن يساعدا المريض على الشفاء.

وبالنسبة لترسيم الحدود وفقاً لما كانت عليه عند الاستقلال في أول يناير 1956 فهي قضية مهمة جداً للجنوبيين لأنه يحدد آبار البترول الواقعة في الجنوب، والذي يحصل الجنوبيون على 48% من عائداته فضلاً عن أن 75% من احتياطي بترول السودان المعروف حتى الآن يقع في الجنوب, وقد وعد الرئيس عمر البشير بترسيم الحدود في أقرب وقت، وبإعادة أي عائدات بترول تخص الجنوبيين إليهم بأثر رجعي.

9 يوليو المقبل هو الموعد المحدد لانسحاب الجيش الحكومي من كل المناطق التي يتم الاتفاق على أنها جزء من الجنوب, ومازال الجنوبيون يتهمون الحكومة بإخفاء الحجم الحقيقي لإنتاج البترول وعائداته حتى لا تعطيهم حقوقهم كاملة, وعندما هبطنا في مطار جوبا كمراقبين مرافقين لوفد لجنة الأجهزة الأمنية والمخابراتية الأفريقية الذي زار عاصمة الجنوب لمدة يوم واحد لاحظت الزميلة أماني الطويل أن هناك لافتة ترفع شعار البترول قبل الحرية للجنوب.

نافع علي نافع مستشار الرئيس السوداني قال: إن الترتيبات الأمنية كادت تكتمل بالنسبة للجيش، وأن معظم أفراده خرجوا من الجنوب، ومن بقوا يتمركزون حول مناطق البترول لأن الميليشيات المسلحة لم تنسحب منها بعد، ومعظمها جنوبية, وأضاف أن كثيراً منها انضم إلى الجنوب، وبعضها انضم إلى الحكومة, ورداً على سؤال لمندوب الأهرام عن السبب في عدم ترسيم الحدود حتى الآن مع أنها كانت واضحة عام 1956م قال نافع: بالفعل هي حدود معروفة جداً، وينبغي ألا تمثل مشكلة، ولجنة الحدود بدأت عملها، وتجمع الوثائق من أنحاء العالم، ورداً على سؤال آخر للأهرام عن سبب عدم اعتراف الحكومة بتقرير لجنة ترسيم حدود أبيي الذي وضعها ضمن حدود الجنوب قال نافع: أبيي كانت جزءاً من إقليم بحر الغزال حتى عام 1905، وتم ضمها لإقليم كردفان بعد ذلك, ولم تستطع اللجنة تحديد حدودها وقتها، وليس من حقها أن تحكم بتبعيتها للجنوب لأن هذا ليس اختصاصها, لكن مجموعة الأزمات الدولية اعتبرت موقف حزب المؤتمر الوطني من أبيي بأنه انتهاك لاتفاق السلام.

الرئيس البشير سبق أن قال: إن وجود قوات للحركة الشعبية وبعض الميليشيات المسلحة في مناطق البترول انتهاك لاتفاق السلام، ونفى أن يكون الجيش قام بدعم الميليشيات المسلحة في الجنوب, وقال: إنه على العكس تم استيعاب30 ألفاً منهم في الجيش, ومازال هناك10 آلاف في انتظار الحل, لكن سلفاكير النائب الأول للرئيس، ورئيس حكومة الجنوب؛ اتهم الجيش الحكومي بزعزعة استقرار الجنوب من خلال دعم الميليشيات المسلحة, ووصف المشكلات التي تعترض اتفاق السلام بأنها خطيرة، حزب المؤتمر اتهم الحركة الشعبية بتهريب السلع والسيارات عبر الحدود، وحرمان الدولة من عائدات الجمارك، وتوقيع اتفاقيات مع شركات عالمية دون موافقة الخرطوم، والسماح بتسلل عملاء إسرائيليين إلى الجنوب تحت مظلة الاستثمار, وإقامة بعثات دبلوماسية لها في الخارج استعداداً للانفصال.

أما الحركة فاتهمت القوات الحكومية بتدمير المواقع التي تنسحب منها، وعدم ترسيم الحدود لمنع تحديد مواقع البترول التابعة للجنوب، وتوطين حشود بشرية بين منطقتي جنوب النيل الأزرق وأعالي النيل لتغيير التركيبة السكانية للتأثير على نتائج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بعد حوالي عامين لصالح الشمال.

وحتى لو نفذت الحكومة والحركة كل ما عليهما من التزامات فإن الأوضاع في الجنوب لن تستقر سواء بقي ضمن السودان الموحد أو انفصل, فهناك 28 جماعة مسلحة في الجنوب منها 13 جماعة متحالفة مع الحكومة، وحذرت من أنها ستواصل القتال إذا لم يتم تمثيلها في الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية, كما رفضت تلك الجماعات انتشار الجيش ومقاتلي الحركة في المناطق التي تسيطر عليها, وهناك قبيلة المسيرية العربية التي تشكل30% من سكان منطقة أبيي، وترفض تماماً ضمها للجنوب، في الوقت الذي تصر فيه قبيلة دينكا نقوك على تبعيتها للجنوب، مما يهدد بحرب أهلية بين القبيلتين إذا لم يتم التوصل إلى حل مقبول للجميع, فالتقرير جعل الشمال الزراعي من أبيي للمسيرية، والجنوب البترولي للدينكا.

وقد حذر القيادي الجنوبي البارز فرانسيس دنيق من اندلاع حرب أهلية حول أبيي, وقال: إنه إذا دعمت الحكومة المسيرية ستدعم حكومة الجنوب الدينكا للدفاع عن مكاسبها.

وليست أبيي هي وحدها المشكلة، فحتى لو انفصل الجنوب فإن الكثيرين يتوقعون صراعاً دموياً بين القبائل التي يعج بها على السلطة والثروة, فهناك إحصائية قديمة تفيد بأن عدد الذين قتلوا في الصراع بين أبناء الجنوب أنفسهم أكبر من عدد الذين لقوا مصرعهم في القتال بين الجيش السوداني والحركة الشعبية لتحرير السودان, وإحصائية ثانية تقول إن قبيلة الدينكا بفروعها المختلفة لا تمثل سوى10% من سكان الجنوب، وأن هناك قبائل عديدة تكن لها مشاعر عداء، وتخشى أن تهيمن على مقدراتها إذا استقل الجنوب، ولذلك قاتل الكثير منها إلى جانب الحكومة ضد الحركة الشعبية، ومن أبرز القبائل القوية المنافسة للدينكا قبيلتا النوير والشلك.

إلى جانب الصراعات القبلية المتوقعة هناك معوقات كثيرة لحركة التنمية، وإعادة الإعمار في جنوب السودان الذي دمرته الحرب، فالألغام المضادة للأفراد منتشرة في كل مكان، ومعظمها بلا خرائط؛ حيث كان العسكريون يزرعونها وهم ينسحبون، وهذا يمنع عودة المشردين واللاجئين لزراعة حقولهم، وإعادة بناء مساكنهم, ولم يعد حتى الآن سوى 145 ألفاً من حوالي3 ملايين مشرد في الداخل ولاجئ في دول الجوار خاصة كينيا, و40% من ميزانية حكومة الجنوب يتم إنفاقها علي الجيش الشعبي بدلاً من التنمية ليكون مستعداً لاستئناف الحرب إذا اقتضى الأمر على حد قول فالنتينو أكول مدير عام وزارة التعاون الإقليمي بحكومة الجنوب الذي اتهم الخرطوم بعدم الرغبة في تنفيذ اتفاق السلام بالكامل.

الخلاف على  أشده بين حزب المؤتمر (حزب الرئيس) والحركة الشعبية الممثلة للجنوب حول أمور كثيرة من بينها دارفور، فالحركة تريد حل المشكلة بسرعة لأن المساعدات الدولية (4.5 مليار دولار) المرصودة لتنمية الجنوب مرهونة بحل هذه المشكلة, ويقول سلفا كير باستياء بالغ: اضطررنا للبدء من الصفر في الجنوب لأنه لم تكن هناك تنمية حقيقية، حتى القاعة التي كان يتحدث فيها في جوبا كان على سقفها آثار نشع مياه الأمطار، ولمبات الإضاءة غير كاملة, وعندما هددت الخرطوم بوقف تصدير الصمغ العربي للولايات المتحدة رداً على العقوبات التي فرضتها قال رئيس بعثة الحركة الشعبية في واشنطن: إن الصمغ إفريقي وليس عربي، ويتم إنتاجه في ولايتي أعالي النيل والوحدة, وبإمكان حركته أن تصدره لواشنطن دون موافقة حكومة الخرطوم.

الخلاف لا يهدد - حتى اللحظة - بانهيار اتفاق السلام لأن أياً من الطرفين غير مستعد لتحمل المسئولية عنه أمام شعبه والعالم، أو العودة إلى الحرب، فالحركة حققت من خلاله أكثر مما كانت تتصور، وهو حق تقرير المصير، والحكومة تخشى إذا انهار أن يكون فألاً سيئاً لمشكلتي دارفور والشرق، ومداعاة لمزيد من العقوبات والعزلة لها من المجتمع الدولي, لكن شبه المؤكد حتى الآن أنه ما لم تحدث معجزة قبل الاستفتاء فإن الجنوب منفصل لا محالة, وعلى الجميع بمن فيهم مصر الاستعداد للتعامل مع واقع جديد من الآن, تبقى مشكلة الشرق ولها قصة أخرى.

http://www.almokhtsar.com:المصدر