سورة آل عمران فضائل ولطائف (3)
إعداد/ مصطفى البصراتي
اللطيفة الأولى: في قوله - تعالى -: الـم [آل عمران: 1].
قال القرطبي: اختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السور، فقال الشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين: هي سر الله في القرآن، ولله في كل كتاب من كتبه سر، فهي من المتشابه الذي انفرد الله - تعالى -بعلمه، ولا نحب أن نتكلم فيها، ولكن نؤمن بها ونمرها كما جاءت، وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب، - رضي الله عنهما -، قال: وذكر أبو الليث السمرقندي عن عمر وعثمان وابن مسعود - رضي الله عنهم - أنهم قالوا: الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يُفسر، وفائدة ذكرها طلب الإيمان بها ولا يلزم البحث عنها فهي مما استأثر الله بعلمه.
الحروف التي في أوائل السور
هذا هو خلاصة ما ذكره أهل العلم في الكلام على الحروف التي في أوائل السور، وهناك أقوال كثيرة في هذه المسألة أعرضت عنها خشية الإطالة.
اللطيفة الثانية: في قوله - تعالى -: اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [آل عمران: 2]. «الله»، علمٌ على الربِّ - عز وجل -، وأصله الإله بمعنى المألوه، وحذفت الهمزة تخفيفًا كما حذفت الهمزة من (خير) و(شر) في مثل قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها». [أخرجه مسلم]
أي: أخيرها وأشرها، وكما حذفت الهمزة من (الناس)، وأصلها أناس.
وهو أعرف المعارف على الإطلاق، ومعناه: المعبود حُبًا وتعظيمًا، وجيء بالاسم العَلَم: لتربية المهابة عند سماعه.
وقوله: لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ: أي: لا معبود حقٌّ إلا هو. فـ «إله»: اسم لا النافية للجنس، وخبرها محذوف، تقديره: حق (أي لا معبود حق إلا الله).
وهناك آلهة باطلة ولكنها آلهة وُضِعَت عليها الأسماء بدون حق، كما قال - تعالى -: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا [يوسف: 40]، وقال - تعالى -: أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22) إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى [النجم: 19-23].
وبهذا التقدير للخبر في (لا إله إلا هو)، يزول الإشكال، وهو أنه كيف يُنفى الإله في مثل هذه الجملة، ويُثبت في مثل قوله: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [هود: 101]؟
والجمع بينهما: أن تلك الآلهة باطلة، والإله في قوله «لا إله إلا هو» إله حق، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج: 62].
وقوله: «هُوَ»، (هو) ضمير وليس اسمًا لله - تعالى -، بخلاف قوله - تعالى -: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد: 19]، فلفظ: «الله» هنا عَلَم، وأما قوله - تعالى -: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 25]، فـ «أنا» هنا ضمير.
بطلان ذكر الصوفية
فعلى هذا نقول: «أنا» و«هو» في قوله: «لا إله إلا أنا»، وقوله: «لا إله إلا هو» كلاهما ضمير رفع منفصل. فكما أن الذاكر لا يجعل (أنا) اسمًا لله، فلا يجوز أن يجعل (هو) اسمًا لله، وبهذا نعرف بطلان ذكر الصوفية الذين يذكرون الله بلفظ: هُوْ هُوْ. ويرون أن هذا الذكر أفضل الأذكار، وهو ذكر باطل. وجملة (لا إله إلا هو) جملة معترضة أو حالية، ردًا على المشركين، وعلى النصارى خاصة، وأتبع بالوصفين «الحي القيوم» لنفي اللبس عن مسمَّى هذا الاسم والإيماء إلى وجه انفراده بالإلهية، وأن غيره لا يستأهلها، لأنه غير حيّ أو غير قيُّوم فالأصنام لا حياة لها، وعيسى - عليه السلام - في اعتقاد النصارى قد أميت، فما هو الآن بقيّوم ولا هو في حال حياته بقيوم على تدبير العالم، وكيف وقد أُوذي في الله، وكُذِّب واختفى عن أعدائه.
وقوله: «الحي»: «أل» هنا للاستغراق، أي الكامل الحياة، وحياة الله - عز وجل - كاملة في وجودها، وكاملة في زمنها، فهو حي لا أول له، ولا نهاية له. حَياتُه لم تُسْبَقْ بعَدَمٍ، ولا يلحقها زوال، وهي أيضًا كاملة حال وجودها، لا يدخلها نقص بوجه من الوجوه، فهو كامل في سمعه وعلمه وقدرته وجميع صفاته، فإذا رأينا الآدمي بل إذا رأينا غير الله - عز وجل - وجدنا أنه ناقص في حياته زمنًا ووجودًا، حياته مسبوقة بعدم، ملحوقة بزوال وفناء، وهي أيضًا ناقصة في وجودها، ليس كامل السمع ولا البصر ولا العلم ولا القدرة، فكلُّ حي سوى الله ناقص.
وقوله: «القيوم» على وزن فيْعُول، وهو مأخوذ من القيام، ومعناه: القائم بنفسه، القائم على غيره، القائم بنفسه فلا يحتاج إلى أحد، والقائم على غيره فكل أحد محتاج إليه.
وفي الجمع بين الاسمين الكريمين (الحي القيوم) استغراق لجميع ما يوصف الله به بجميع الكمالات، ففي «الحي» كمال الصفات، وفي «القيوم» كمال الأفعال وفيهما جميعًا كمال الذات، فهو كامل الصفات والأفعال والذات.
وأما قوله - تعالى -: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ [آل عمران: 3]. فقوله: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ، وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ اختلاف التعبير يدل على اختلاف المعنى.
القرآن نَزِلَ متدرجًا قال أهل العلم: إن التوراة والإنجيل نزلتا دفعة واحدة بدون تدرج بخلاف القرآن، فإنه نزل بالتدريج، وهذا من رحمة الله - عز وجل - بهذه الأمة، لأنه إذا نزل بالتدريج صارت أحكامه أيضًا بالتدريج، لكن لو نزل دفعة واحدة لزم الأمة أن تعمل به جميعًا بدون تدرج، وهذا من الآصار التي كتبت على من سبقنا، إذ نزلت عليهم الكتب مرة واحدة فأُلزموا بالعمل بها من حين نزولها فيما ألفوه وفيما لم يألفوه، بخلاف القرآن الكريم.
وقوله: «التوراة والإنجيل»: التوراة: هي الكتاب الذي أنزله الله على موسى - عليه الصلاة والسلام -. والإنجيل: هو الكتاب الذي أنزله الله على عيسى - عليه الصلاة والسلام -.
وقوله - تعالى -: مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران: 4] أي: نزَّل عليك الكتاب هدًى للناس، وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس، أي: من أجل هداية الناس، والمراد بالهداية هنا هداية الدلالة التي يترتب عليها هداية التوفيق. لكن الأصل في هذه الكتب أنها هداية دلالة، ولهذا قال: «هدًى للناس» عمومًا، حتى الكفار تهديهم وتدلهم، وتبين لهم الحق من الباطل، لكن قد يُوفَّقون لقبول الحق والعمل به، وقد لا يُوفَّقون.
والهدى ضد الضلال، واهتدى بمعنى سار على الطريق الصواب، وضلَّ بمعنى انحرف وتاهَ وضاع، ومنه سميت (الضالة) يعني البعير التائه الضائع.
وقوله: «هدى للناس» والمراد بالناس: البشر وهم بنو آدم. وقوله: «وأنزل الفرقان» كلمة «الفرقان» كلمة واسعة تشمل كل ما به الفرق من جميع الوجوه بين أهل الحق وأهل الباطل، وبين النافع والضار، وبين الأنفع والنافع، وبين الأضر والضار وغير ذلك.
والفرقان في الأصل مصدر فرَّق كالشُكران والكُفرَان والبُهتان، ثم أطلق على ما يفرق به بين الحق والباطل، وَسُمِّي به القرآن، قال - تعالى -: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان: 1]، والمراد بالفرقان هنا القرآن، لأنه يفرق بين الحق والباطل.
وفي وصفه بذلك تفضيل لهديه على هدى التوراة والإنجيل، لأن التفرقة بين الحق والباطل أعظم أحوال الهدى، لما فيها من البرهان وإزالة الشبهة، وإعادة قوله: وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ بعد قوله: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ للاهتمام، وليُوصل الكلام به في قوله - تعالى -: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أي بآياته في القرآن.
وإلى لقاء قادم- بإذن الله- حول «المحكم والمتشابه» في سورة آل عمران.وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.