من أهم أسباب الثورة الفرنسية الطغيان العلمي للكنيسة (10)
ناقشنا في المقالات السابقة صورة الطغيان المالي للكنيسة، والذي ذاق ويلاته الطبقات الفقيرة من المجتمع الغربي، كذا رأينا صورة الطغيان السياسي للكنيسة، التي كان المتضرر منها في هذه الحالة أصحاب الكراسي والمناصب.
واليوم نعرض أحد صور التسلط والنفوذ لرجال الكنيسة على عقل المجتمع الغربي، والتي -وبلا مبالغة- كانت هي السبب الرئيسي في قيام الثورة العامة ضد الكنيسة ومعتقداتها.
الطغيان العلمي:
مارست الكنيسة في هذا المجال سياسة احتكار العلم والهيمنة على الفكر البشري بأجمعه؛ وكان هذا النوع من الطغيان يفرض على العقول ألا تفكر في أمور الكون المادي بما تقتضيه الملاحظات والمشاهدات العلمية، وأن تلتزم بالتفسيرات الكنسية لما جاء من إشارات في التوراة عن شكل الأرض وعمر الإنسان، ولو خالفت هذه التفسيرات كل حقائق العلم النظرية والعملية على السواء.
فقد كان الرجال الذين يتلقون تعليمهم في الكنيسة يكادون يحتكرون الحياة العقلية، فكانت الكنيسة منصة المحاضرة والصحافة والنشر والمكتبة والمدرسة والكلية 1، وكان أصحاب الميول الفلسفية في الدول الرومية -سواءً من رجال الكنيسة أو من المسيحيين العاديين- متأثرين بتراثهم من الفكر الإغريقي في ميادين العلم والفلسفة، لا سيما آراء أرسطو وبطليموس، وقد بذلوا جهودهم في التوفيق بين معتقداتهم الدينية وآرائهم الفلسفية، ونشأ عن ذلك فلسفة مركبة تسمى الفلسفة المسيحية، وهي خليط من نظريات الإغريق وظواهر التوراة والأناجيل وأقوال القديسين القدامى.
يقول برنتن: (إن أكثر أصحاب الوظائف العلمية حتى في أوج العصور الوسطى كانوا ينتمون إلى نوع من أنواع المنظمات الدينية، وكانوا جزءاً من الكنيسة، حيث أن الكنيسة بدرجة لا نكاد نفهمها اليوم تتدخل في كل لون من ألوان النشاط البشري، وتوجهها وبخاصة النشاط العقلي) 2.
ولما كان العلم والفلسفة في ذلك العصر شيئاً واحداً؛ فقد أدمج الفلاسفة المسيحيون في صرح فلسفتهم كل ما وصل إليه العلم البشري في عصرهم من النظريات الكونية والجغرافية والتاريخية، ورأت الكنيسة في هذه الفلسفة التوفيقية خير معين على الدفاع عن تعاليمها ضد المارقين والناقدين 3؛ فتبنتها رسمياً، وأقرتها مجامعها المقدسة، حتى أضحت جزءاً من العقيدة المسيحية ذاتها، وامتدت يد التحريف فأدخلت بعض هذه المعلومات في صلب الكتب الدينية المقدسة.
ولم يبدأ عصر النهضة الأوروبية في الظهور حتى كانت آراء أرسطو في الفلسفة والطب ونظرية العناصر الأربعة ونظرية بطليموس في أن الأرض مركز الكون، وما أضاف إلى ذلك القديس أوغسطين 4، وكليمان الإسكندري 5، وتوما الأكويني6، أصولاً من أصول الدين المسيحي وعقائد مقدسة لا يصح أن يتطرق إليها الشك.
ويقول التاريخ الأوربي إن الكنيسة قد فزعت فزعتها تلك حفاظًا على كيانها، الذي يقوم على الخرافة ويستند إلى انتشار الجهل بين الجماهير، وإنها خشيت على هذا الكيان أن يتصدع وينهار إذا انتشر العلم، وتبين الناس أن ما تقوله الكنيسة ليس هو الحقيقة المطلقة في كل شيء.
ولكن هذا المقالة تهمل شيئين مهمين في هذا الشأن:
أولهما : عن غفلة والثاني عن قصد
أما الأول هو أن آباء الكنيسة ورجالها كانوا مخلصين في صيحتهم في أول الأمر على الأقل- لأنهم كانوا يتصورون أن ما جاء في التوراة حقيقة، وأن تفسيرهم له هو الصحيح، وسبب ذلك هو الجهالة التي كانت مخيمة على أوروبا كلها وعلى رجال الدين فيها بصفة خاصة.
فقد كانوا من أقل الناس ثقافة، ومن أبعدهم عن تعلم العلم الصحيح إن وجد اكتفاء بالمجد الروحي والسلطان الطاغي والأموال الطائلة، التي يتمتعون بها بوصفهم رجال دين.
إنما يجوز بالفعل أن يكونوا قد استمروا في حرب العلم عن وعي وعمد- فيما بعد خوفا على سلطانهم أن يتصدع حين يكتشف الناس أن شيئًا مما يقولونه كاذب لا أساس له؛ فيكون وجودهم كله عرضًا لأن يوضع موضع التساؤل والمسائلة فينهار.
أما الأمر الثاني الذي يغفله المؤرخون الأوروبيون عن عمد رغم ظهوره، فهو أن هذا العلم الذي قامت الكنيسة بحربة كان آتيًا من مصادر إسلامية، وكان يحمل معه خطر انتشار الإسلام في أوروبا، ومن ثم انهيار الكنيسة ذاتها حين ينهار الدين الذي تمثله وتدعي حمايته.
يقول ألفارو7: (يطرب إخواني المسيحيون لأشعار العرب وقصصهم، فهم يدرسون كتب الفقهاء والفلاسفة المحمديين لا لتفنيدها بل للحصول على أسلوب عربي صحيح رشيق.
فأين تجد اليوم علمانيًا (يقصد الباحث العلمي) يقرأ التعليقات اللاتينية على الكتب المقدسة؟
وأين ذلك الذي يدرس الإنجيل وكتب الأنبياء والرسل؟
وا أسفًا! إن شباب المسيحيين الذين هم أبرز الناس مواهب، ليسوا على علم بأي أدب ولا لغة غير العربية، فهم يقرؤون كتب العرب، ويدرسونها بلهفة وشغف، وهم يجمعون منها مكتبات كاملة تكلفهم نفقات باهظة، وإنهم ليترنمون في كل مكان بمدح تراث العرب. وإنك لتراهم من الناحية الأخرى يحتجون في زراية - إذا ذكرت الكتب المسيحية- بأن تلك المؤلفات غير جديرة باحترامهم) 8.
والنسبة للصراع بين الكنيسة والعلماء فقد صار ذلك الصراع على مرحلتين:
أولاً: مطلع العصر الحديث والقرن السابع عشر: نظرية كوبرنيق 9 والاختلاف حول مركز الكون.
إن النظرية التي هزت الكنيسة لأول مرة هي نظرية كوبرنيق (1543) الفلكية، فقبل هذه النظرية كانت الكنيسة المصدر الوحيد للمعرفة، وكانت فلسفتها تعتنق نظرية بطليموس 10 التي تجعل الأرض مركز الكون، وتقول: إن الأجرام السماوية كافة تدور حولها 11.
وسبب الذي جعل الكنيسة تتمسك بهذا الرأي هو أن الأقنوم الثاني -المسيح- تجسد فيها، وعليها تمت عملية الخلاص والفداء، وفوقها يتناول العشاء الرباني، كما أن التوراة تقول: الأرض قائمة إلى الأبد والشمس تشرق والشمس تغرب وتسرع إلى موضعها حيث تشرق 12.
فلما ظهر كوبرنيق بنظريته القائلة بعكس ذلك؛ وقع في قبضة محكمة التفتيش 13على الرغم من كونه قسيسًا إلا أن المنية أدركته بعد طبع كتابه بقليل؛ فلم تعط المحكمة فرصة لعقوبته، إلا أن الكنيسة حرمت كتابه حركات الأجرام السماوية ومنعت تداوله، وقالت: إن ما فيه هو وساوس شيطانية مغايرة لروح الإنجيل.
وبعد كوبرنيق جاء رجلاً آخر وهو جردانو برونو 14 بعث النظرية بعد وفاة صاحبها؛ فقبضت عليه محكمة التفتيش، وزجت به في السجن ست سنوات، ولما أصر على رأيه أحرقته سنة 1600م، وذرت رماده في الهواء، وجعلته عبرة لمن يعتبر.
وبعد موته ببضع سنوات كان جاليلو 15 قد توصل إلى صنع التلسكوب؛ فأيد تجريبياً ما نادى به أسلافه نظرياً، فكان ذلك مبرراً للقبض عليه ومحاكمته، وقضى عليه سبعة من الكرادلة بالسجن مدة من الزمان، وأمر بتلاوة مزامير الندم السبعة مرة كل أسبوع طوال ثلاث سنوات 16، ولما خشي على حياته أن تنتهي بالطريقة التي انتهى بها برونو؛ أعلن ارتداده عن رأيه وهو راكع على قدميه أمام رئيس المحكمة قائلاً: (أنا جاليلو وقد بلغت السبعين من عمري سجين راكع أمام فخامتك، والكتاب المقدس أمامي ألمسه بيدي، أرفض وألعن وأحتقر القول الإلحادي الخاطئ بدوران الأرض)، وتعهد مع هذا بتبليغ المحكمة عن كل ملحد يوسوس له الشيطان بتأييد هذا الزعم المضلل 17.
ونعرض في المقال القادم بإذن الله المرحلة الثانية، والتي قطعت نصف الطريق لقيام الثورة الفرنسية ونستهلها بنظرية نيوتن.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أفكار ورجال، ص(231).
(2) أثر العلم في المجتمع، ص(6).
(3) المشكلة الأخلاقية والفلاسفة ص(101).
(4) قديس ممن ناصروا التثليث والصلب في المئة الرابعة بعد رفع عيسى - عليه السلام -.
(5) فيلسوف يوناني وكاتب نصراني، سعى إلى التوفيق بين الفلسفة وبين النصرانية.
(6) راهب نصراني دومينيكاني ولد في إيطاليا، وتعلم في جامعة باريس، انتقد آراء ابن سينا والغزالي وابن رشد، مات سنة (1274)م.
(7) وهو كاتب مسيحي أسباني عاش في القرن التاسع الميلادي.
(8) حضارة الإسلام، لفون جرونيباوم، ص(81- 82).
(9) عالم فلكي بولندي برهن على دوران الكرة الأرضية على ذاتها وحول الشمس، (1473-1543)م.
(10) العالم المشهور، صاحب المجسطي في الفلك، ولد في القرن الثاني بعد الميلاد.
(11) حول هذه النظرية: انظر: كتب غيرت وجه العالم، دوانز، الفصل الخاص بكتاب كوبرنيق.
(12) أفكار ورجال، ص(477-478)، وفي أصل العهد القديم والأرض قائمة مدى الدهر، الفصل الأول، ص(5-6)، سفر الجامعة.
(13) سيتم مناقشة قصة محاكم التفتيش كعنصر مستقل في مقالات قادمة إن شاء الله.
(14) فيلسوف إيطالي (1548-1600م)، كان من أوائل الرافضين لفلسفة أرسطو في علم الكون، اتهم بالإلحاد وأحرق سنة (1600)م.
(15) عالم فلكي إيطالي (1564-1642م).
(16) معالم تاريخ الإنسانية، (1/1008).
(17) قصة النزاع بين الدين والفلسفة، توفيق الطويل، ص(205).
26 /7/1427هـ
20 /8/2006م