رجل الدين أصبح قيصرا .. الطغيان السياسي للكنيسة (9)

 

تكلمنا في المقالين السابقين عن صور الطغيان المالي للكنيسة، وكيف كان أثر ذلك خاصة على الفقراء و أصحاب الحرف المتواضعة.

وفي مقال اليوم نعرض صورة لطغيان والتسلط الكنسي لم يكن المتضرر الأول منها طبقات الشعب المعدمة، بل كان أكثر الناس تضررًا من ذلك هم الملوك والأباطرة.

 

فإن كانت الكنيسة قد زعمت أن المسيح - عليه السلام - قد أعطى قيصر وحكمه شرعية الوجود، حين وضعت على لسانه هذه الكلمات: أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله، وفسرتها- عمليًا- بترك القانون الروماني يحكم العالم المسيحي بدلًا من شريعة الله؛ إلا أن الواقع كان مغايرًا تمامًا لذلك.

 

فقد ادعت الكنيسة لنفسها سلطة دنيوية (أو زمنية Temporal) كما يسمونها في التاريخ الأوروبي وكانت تطلب -وتمارس- سلطانًا شخصيًا بحتًا، وأرضيًا بحتًا، هو أن يطأطئ الملوك والأباطرة لها الرؤوس وأن يعلنوا أنهم خاضعون لسلطانها.

 

يقول لول ديورانت: أصدر البابا نقولا الأول (1) بيانًا قال فيه: (( إن ابن الله أنشأ الكنيسة بأن جعل الرسول بطرس أول رئيس لها، وإن أساقفة روما ورثوا سلطات بطرس في تسلسل مستمر متصل، ولذلك فإن البابا ممثل الله على ظهر الأرض يجب أن تكون له السيادة العليا والسلطان الأعظم على جميع المسيحيين، حكامًا كانوا أو محكومين)) (2).

 

ولكي يستطيع رجال الدين أن يكون لهم تلك السلطة على الملوك والأباطرة أنفسهم فقد كانوا سابقين لعصرهم في ناحية مهمة وهي الناحية التنظيمية، إذ كانوا مؤسسة تنظيمية مركبة تركيباً عضوياً دقيقاً، من القاعدة العريضة الممتدة في كافة الأصقاع والأقاليم إلى قمة الهرم المتمركزة في روما، وهذه الميزة أكسبتهم نفوذاً مستمراً لا يقبل المنافسة وجذوراً عميقة يصعب اقتلاعها.

 

إضافة إلى ذلك كان البابوات هم الذين يتولون تتويج الملوك والأباطرة، كما كان في إمكانهم خلع الملوك وعزلهم بإرادتهم المحضة، ولم يكن باستطاعة أحد الانفلات من ذلك، ومن رفض الرضوخ فإن حكمه غير شرعي، ومن حق البابوية أن تعلن الحرب الصليبية عليه وتحرم أمته.

 

ولذلك فشل الكثير من الأباطرة والملوك المتمردين على الكنيسة في مواجهتها، كما أن العالم الغربي المسيحي لم يستطع التخلص من قبضة الكنيسة إلا بعد الثورة الداخلية التي قادها المصلحون الكنسيون، والتي أدت إلى إضعاف الهيكل التنظيمي والسلطة المركزية وتشتيت ولاء الأفراد.

 

وعلى الجانب الآخر كان ملوك أوروبا يضيقون ذرعاً بتدخل الكنيسة المتعنت في كل شؤونهم ولم يكن يسكتهم عن ذلك التسلط السياسي إلا الحفاظ على مناصبهم ومراكزهم.

 

يقول فيشر: كانت الأسر الحاكمة في أوروبا تستمد بقاءها من صلتها النسبية بأحد القديسين، فيرثون منه قداسته ولا يبالي الشعب بعد ذلك بتصرفاتهم لأنهم مقدسون (3).

 

وفي القرون الوسطى مارست الكنيسة ذلك السلطان بالفعل على الحكام والمحكومين، مع وجود فترات من الصراع المتبادل، حيث يتمرد بعض الملوك والأمراء على سلطة البابا، ويشتد آخرون في حربهم للبابوات حتى إنهم ليعزلون البابا أو ينفونه أو يسجنونه، ولكن السلطة الغالبة كانت للكنيسة، حيث أنها تستمدها من سلطانها الروحي الطاغي على قلوب الناس، ومن جيوشها الكثيفة ومن أموالها التي تضارع ما يملكه الملوك وأمراء الإقطاع.

 

وقد جرؤ ادوارد الأول ملك انجلترا، وفيليب الجميل (4) ملك فرنسا، على القول بأنه: (ليس من الضروري أن يخضع الملك للبابا لكي يحظى بالجنة في الآخرة، وأن كلًّا منهما قد نوى أن يكون سيداً في مملكته، وأن شعبه يؤيده في هذه النية تمام التأييد) (5).

 

ويروي فيشر قصة الصراع بين البابا هلد براند (6) أو جريجوري السابع و هنري الرابع إمبراطور ألمانيا فيقول: (...ذلك أن خلافًا نشب بينهما بين البابا والإمبراطور حول مسألة التعيينات أو ما يسمى التقليد العلماني فحاول الإمبراطور أن يخلع البابا، ورد البابا بخلع الإمبراطور، وحرمه وأحل أتباعه والأمراء من ولائهم له وألَّبهم عليه، فعقد الأمراء مجمعًا قرروا فيه أنه إذا لم يحصل الإمبراطور على المغفرة لدى وصول البابا إلى ألمانيا؛ فإنه سيفقد عرشه إلى الأبد، فوجد الإمبراطور نفسه كالأجرب بين رعيته، ولم يكن في وسعه أن ينتظر وصول البابا، فضرب بكبريائه عرض الحائط، واستجمع شجاعته وسافر مجتازًا جبال الألب والشتاء على أشده؛ يبتغي المثول بين يدي البابا بمرتفعات كانوسا (7) في تسكانيا (8)، وظل واقفًا في الثلج في فناء القلعة ثلاثة أيام، وهو في لباس الرهبان متدثرًا بالخيش حافي القدمين عاري الرأس يحمل عكازه، مظهرًا كل علامات الندم وأمارات التوبة، حتى تمكن من الظفر بالمغفرة والحصول على رضا البابا العظيم) (9).

 

 وفي بريطانيا حدثت قصة أخرى مماثلة يقول ويل ديورانت: (فقد حصل نزاع بين الملك هنري الثاني وبين تومس بكت (10) رئيس أساقفة كنتربري، بسبب دستور رسمه الملك يقضي على كثير من الحصانات التي يتمتع بها رجال الدين، ثم إن رئيس الأساقفة اُغتيل، فروعت المسيحية وثار ثأرها على هنري، ودمغته بطابع الحرمان العام، فاعتزل الملك في حجرته ثلاثة أيام لا يذوق فيها الطعام، ثم أصدر أمره بالقبض على القتلة، وأعلن للبابا براءته من الجريمة، ووعد بأن يكفر عن ذنبه بالطريقة التي يرتضيها، وألغى الدستور، ورد إلى الكنيسة كل حقوقها وأملاكها، وبالرغم من ذلك لم يحصل على المغفرة حتى جاء إلى كنتربري حاجاً نادماً، ومشى الثلاثة أميال الأخيرة من الطريق على الحجارة الصُّوَّان، حافي القدمين ينزف الدم منهما، ثم استلقى على الأرض أمام قبر عدوه الميت، وطلب من الرهبان أن يضربوه بالسياط، وتقبل ضرباتهم وتحمَّل كل الإهانات في سبيل استرضاء البابا وأتباعه (11).

 

وأعظم زعيم تحدى سلطات الكنيسة وتدخلاتها السياسية، واستطاع مقاومتها مدة غير يسيرة، هو الإمبراطور فردريك الثاني (12)، وتعود صلابته إلى المؤثرات الإسلامية في ثقافته وشخصيته، فقد كان مجيداً للعربية مغرماً بالحضارة الإسلامية، حتى أن الكنيسة اتهمته باعتناق الإسلام وسمته الزنديق الأعظم، أما المفكرون المعاصرون فيسميه بعضهم أعجوبة العالم وبعضهم أول المحدثين.

 

وقد اشتد النزاع بينه وبين البابا جريجوري التاسع (13) بسبب رفضه القيام بحملة صليبية على الشرق، وكانت الكنيسة تعد الملوك جنوداً طائعين لها؛ فحرمه البابا وشهر به في رسالة علنية عدد فيها هرطقاته وذنوبه، فكان على الإمبراطور أن يدفع التهمة عن نفسه برسالة وصفها ويلز بأنها: (وثيقة ذات أهمية قصوى في التاريخ، لأنها أول بيان واضح صريح عن النزاع بين مدعيات البابا في أن يكون الحاكم المطلق على عالم المسيحية بأسره، وبين مدعيات الحكام العلمانيين، وقد كان هذا النزاع يسري على الدوام كالنار تحت الرماد، ولكنه كان يضطرم هنا على صورة ما، ويتأجج هناك على صورة أخرى، ولكن فردريك وضع الأمر في عبارات واضحة عامة، يستطيع الناس أن يتخذوها أساساً لاتحادهم بعضهم مع بعض (14) للوقوف في وجه الكنيسة.

 

فاستبدلت أوروبا في الحقيقة طغيانًا بطغيان مع فارق واحد، أن الطغيان الجديد يبعد تدريجيًا ويبعد الناس معه عن سلطان الدين، وفضلًا عن ذلك فقد كان انشقاق الملوك عن سلطان البابا يتخذ شكلًا قوميًا متزايدًا، تسانده العوامل الأخرى-السياسية والاقتصادية- التي أحاطت بأوروبا وشجعت على ظهور القوميات، التي كان لها دور كبير في بروز الصراعات الحادة في أوروبا أولًا، ثم في العالم كله في صورة حروب استعمارية فيما بعد.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قصة الحضارة، (14/352).

(2) قديس من أحبار وباباوات القرون الوسطى الأولى.

(3) تأريخ أوروبا في العصور الوسطى، (1/71).

(4) فيليب الجميل (فيليبس) بطريك الموارنة (1795-1796م)

(5) تأريخ أوروبا في العصور الوسطى، (1/260).

(6) بابا شهير كان من أشد المحرضين على الحروب الصليبية.

(7) قلعة في إيطاليا

(8) منطقة تقع في ألمانيا.

(9) تاريخ أوروبا، (1/260).

(10) نصراني انجليزي صديق هنري الثاني ووزيره (1118-1170م).

(11) قصة الحضارة، (15/194-195).

(12) أكبر امبراطور في العصور الوسطى الأوروبية، كان في عصر الكامل الأيوبي، وجاء إلى الكامل الأيوبي، تقابلا في فلسطين وتخاطبا باللغة العربية الفصحى بدون مترجم.

(13) بابا من المحرضين على الحروب الصليبية.

(14) معالم تاريخ الإنسانية، (5/224).

 

20 /7/ 1427هـ

14/8/ 2006م

 

http://www.islammemo.cc          المصدر: