كيف تحولت أماكن العبادة إلى مجالس للفجور فساد رجال الدين وفضائح الأديرة ( 12)

 

المفترض في رجال الدين- إن كان ثمة مبرر لوجود رجال دين على بمفهوم الوساطة بين الله وبين العباد- أن يكونوا قدوة صالحة للمؤمنين بالدين، ونموذجًا يحتذي في الفكر والشعور والسلوك.

ولكن رجال الدين الكنسي في أوروبا كانوا على النقيض من ذلك تماما حيث كانت حياة الغالبية منهم حياة ترف وملذات وشهوات.

 

يقول (ول ديورانت)(1) في فصل بعنوان (أخلاق رجال الدين) من كتاب (قصة الحضارة):

(لقد كان يسع الكنيسة أن تحتفظ بحقوقها القدسية المستمدة من الكتب المقدسة العبرية والتقاليد المسيحية لو أن رجالها تمسكوا بأهداب الفضيلة والورع، ولكن كثرتهم الغالبة ارتضت ما في أخلاق زمانها من شر وخير، وكانوا هم أنفسهم مرآة ينعكس عليها ما في سيرة غير رجال الدين من أضداد، فقد كان قس الأبرشية خادمًا ساذجًا، لم يؤت في العادة إلا قسطًا ضئيلًا من التعليم، ولكنه غالبًا ما يعيش معيشة يقتدي بها -وإن خالفنا في هذا رأي الراهب الصالح أنطونيو- لا يعبأ به رجال الفكر، ولكن يرحب به الشعب.

 

وكان بين الأساقفة ورؤساء الأديرة بعض من يحيون حياة منعمة، ولكن كان منهم كثيرون من الرجال الصالحين، ولعل نصف مجمع الكرادلة كانوا يسلكون مسلك أتقياء المسيحيين الذي يخزي مسلك زملائهم الدنيوي المرح).

 

وإن كان ديورانت يرسم صورة قاتمة نسيبًا عما كان في الأديرة من رذيلة وانخلاع عن الأخلاق والقيم؛ فإن الصورة كانت أو أصبحت بعد ذلك- أكثر قتامة عن ذي قبل.

 

وينوه ديورانت على ذلك بقوله: (فمن الخطأ الظن أن القساوسة كانوا في روما أكثر فسادًا منهم في غيرها من المدن، ذلك أن لدينا من الوثائق ما يثبت الدليل القاطع فساد أخلاق القسيسين في كل مدينة تقريبًا من مدن شبه الجزيرة الإيطالية، بل إن الحال في كثير من الأماكن كالبندقية مثلًا كانت أسوأ كثيرا منها في روما، فلا عجب والحالة هذه أن يتضاءل نفوذ رجال الدين كما يشهد بذلك مع الأسف الشديد الكتاب المعاصرون، وإذا كان المرء لا يكاد يجد في كثير من الأماكن أي احترام يظهره الشعب للقسيسين، ذلك أن الفساد قد استشرى بينهم إلى حد بدأنا نسمع معه آراء تحبذ زواجهم).

 

ويتابع ديورانت قوله فها هو ذا بترارك (2) نفسه الذي بقى مخلصًا لدين المسيح إلى آخر حياته، والذي صور ما في دير الكرثوزيين، الذي كان يعيش فيه أخوه، من نظام وتقى في صورة طيبة مستحبة، هاهو ذا يندد أكثر من مرة بأخلاق رجال الدين المقيمين في أفنيون، وإن الحياة الخليعة التي كان يحياها رجال الدين الإيطاليون، والتي نقرأ عنها في روايات بوكاتشيو (3) إن هذه الحياة الخليعة موضوع يتكرر وصفه في الأدب الإيطالي، فبوكاتشيو يتحدث عما في حياة رجال الدين من دعارة وقذراة، ومن انغماس في الملذات طبيعية كانت أو غير طبيعية، ووصف ماستشيو الرهبان والإخوان بأنهم (خدم الشيطان) منغمسون في الفسق واللواط والشره، وبيع الوظائف الدينية والخروج على الدين، ويقر بأنه وجد رجال الجيش أرقى خلقًا من رجال الدين).

 

ويقول أريتينو ساخرًا من الكنيسة: (والحق إنه لأسهل على الإنسان أن يعثر على روما مستفيقة عفيفة من أن يعثر على كتاب صحيح).

 

وجوتشيارديني يصف روما فيقول: (أما بلاط روما فإن المرء لا يستطيع أن يصفه بما يستحق من القسوة، فهو العار الذي لا ينمحي أبد الدهر، وهي مضرب المثل في كل ما هو خسيس مخجل في العالم).

 

ويكاد بجيو يفرغ كل ما عرفه من ألفاظ السباب في التشنيع على فساد أخلاق الرهبان والقسيسين، ونفاقهم، وشرهم، وجهلهم، وغطرسته، ويقص فولينجو في كتاب أرلندينو هذه القصة نفسها.

 

ويشير ديورانت أن ذلك الفساد المستشري لم يكن قاصرا على أديرة الرجال فقط فيقول ويبدو أن الراهبات ملائكة الرحمة في هذه الأيام كان لهن نصيب في هذا المرح، وأنهن كن مرحات رشيقات في البندقية بنوع خاص، حيث كانت أديرة الرجال والنساء متقاربة قربًا يسمح لمن فيها بالاشتراك من حين إلى حين في فراش واحد، وتحتوي سجلات الأديرة على عشرين مجلدًا من المحاكمات بسبب الاتصال الجنسي بين الرهبان والراهبات).

 

ويقول أيضا في موضعا آخر: (وظل كرسي البابوية عدة سنين بعد ذلك لا ينال إلا بالرشا أو القتل أو رغبات النساء ذوات المقام السامي والخلق الدنئ وبقيت أسرة بثوفيلاكت أحد كبار الموظفين في قصر البابا ترفع البابوات إلى كراسيهم وتنزلهم عنها كما يحلو لها.

واستطاعت مريوزا أن تنجح في اختيار عشيقها سرجيوس الثالث لكرسي البابوية (904- 911م)).

 

فلا شك أن البذخ والترف التي كان يتنعم فيه رجال الكنيسة، إذا ما قورنت الحالة المزرية التي كان يعيشها الشعب؛ كانت أحد أسباب التدمير صورة الكنيسة كمكان للتعبد والتبتل بل تدمير مفهوم الدين من الأساس.

 

ونعرض في المرة القادة إن شاء الله أحد أسباب الثورة على الكنيسة، والتي عانى منها المسلمون في الأندلس وهي محاكم التفتيش.

 

ــــــــــــــــــــــ

المصادر:

مذاهب فكرية معاصرة أ/محمد قطب

 

(1) قصة حضارة، ول ديورانت، (21/83- 86).

(2) بترارك: شاعر إيطالي، عاش في الفترة من 1304م حتى 1374م وكان من مناصري الحركة الإنسانية في الكنيسة.

(3) جوفاني بوكاتشيو، كاتب إيطالي، هاجم رجال الدين حتى أصدرت الكنيسة الكاثوليكية فتوى بأنه كافر وفاجر، عاش في الفترة ما بين (1313-1375م).

 

 13 /8/ 1427هـ

6 /9/ 2006م

 

http://www.islammemo.cc                      المصدر: