نصف الطريق نحو الثورة الفرنسية نظرية إسحاق نيوتن(11)
تحدثنا في المقال السابق عن الاضطهاد الذي تعرض له العلماء على يد الكنيسة، والتي استندت بدورها على نصوص واهية في حربها ضد العلم، واليوم نكمل ما تبقى من حرب الكنيسة ضد العلم ونسلط الضوء على الحقبة التي تلت جاليليو وحتى الثورة الفرنسية عام 1789م.
ففي القرن السابع عشر تبلور النزاع واتخذ شكلاً جديداً؛ فقد أصبح النزاع بين تليسكوب جاليلو وحجج الكنيسة الواهية، نزاعاً بين النص الذي تعتمد عليه أدلتها، وبين العقل والنظر الذي استند إليه أصحاب النظريات الجديدة، وهنا كان الدور الأكبر على الفلاسفة.
وكان مذهب ديكارت أبرز المذاهب الفلسفية في هذا العصر، وقد دعا إلى تطبيق المنهج العقلي في الفكر والحياة واستثنى من ذلك الدين والعقائد الكنسية والنصوص المقدسة، وكان يرى (أن ميدان العلم الطبيعة، وموضوعه استغلال القوى الطبيعية، وأدواته الرياضة والتجربة، ويختص الدين بمصائر النفس في العالم الآخر، ويعتمد على الاعتقاد والتسليم، فلا مضايقة بين العلم والدين ولا سلطان لأحدهما على الآخر) (1).
وتلك الازدواجية لم تكن إلا مرحلة طبيعية في سلم التدرج من الإيمان المطلق بالوحي إلى الإنكار المطلق له.
ومع ذلك فقد تجرأ فلاسفة آخرون فهاجموا الكنيسة بكل صراحة، منتقدين النصوص الواهية التي تعتمد عليها الكنيسة.
وكان سبينوزا -بحكم يهوديته- أعنف هؤلاء، فقد طبق المنهج العقلي على الكتاب المقدس نفسه، ووضع الأسس التي قامت عليها مدرسة النقد التاريخي التي ترى أنه يجب أن تدرس الكتب الدينية على النمط نفسه الذي تدرس به الأسانيد التاريخية -أي: على أساس أنها تراث بشري وليست وحياً إلهياً.
أما جون لوك فقد خطا خطوة أبعد من ديكارت بأن طالب بإخضاع الوحي للعقل عند التعارض قائلاً: (من استبعد العقل ليفسح للوحي مجالاً فقد أطفأ نور كليهما، وكان مثله كمثل من يقنع إنساناً بأن يفقأ عينيه ويستعيض عنهما بنور خافت يتلقاه بواسطة المرقب من نجم سحيق) (2).
وقد تعرضت كتب ديكارت وسبينوزا ولوك وأضرابها للحرق والمصادرة، كما تعرضوا شخصياً للإيذاء والمضايقة من قبل الكنيسة، إلا أن تفجر البركان العلمي في كل مكان والخلافات الداخلية بين الطوائف المسيحية شغلتها عن إعطائهم ما يستحقون من الاهتمام.
وهكذا تتابعت الآراء الفلسفية التي كانت تهاجم الكنيسة بطريق مباشر وغير مباشر إلى أن ظهرت نظرية لإسحاق نيوتن.
ولا شك أن نظرية نيوتن من أعظم النظريات العلمية أثراً في الحياة الأوروبية، فهي التي وضعت الفكر المادي الغربي، وإليها يعزى الفضل الأكبر في نجاح كل من المذهب العقلي والمذهب الطبيعي.
ولد إسحاق نيوتن في السنة التي توفي فيها جاليلو 1642م، ويعد عمله تتميماً لما بدأه جاليلو، فقد مهد اكتشاف جاليلو لقانون البندول سنة 1604م الطريق أمام النظرية القائلة: (إنه من الممكن تفسير ظواهر الطبيعة بربط بعضها ببعض دون حاجة إلى تدخل قوى خارجية عنها) (3)، وبذلك كان هذا الاكتشاف الضئيل بمثابة النواة للمذهب الطبيعي والنظرية الميكانيكية اللذين كان لهما صدى واسع فيما بعد.
وقد حاربت الكنيسة هذه النظرية وشنعت على معتنقيها قائلة: (إن الأشياء لا تعمل بذاتها ولكن عناية الله هي التي تسيرها)، ولم تكن الكنيسة من سعة الأفق على جانب يسمح لها بتفهم عدم المنافاة بين نسبة الأفعال إلى الله - تعالى -باعتباره الفاعل الحقيقي، وبين نسبتها إلى الأسباب باعتبارها وسائط مباشرة، بل كان حنقها على كل جديد صارفاً لها عن ذلك.
واندفع الفلاسفة والعلماء وراء رد الفعل الأهوج في محاولة للتخلص من تسلط الكنيسة، فأنكروا عمل العناية الإلهية وربط الأسباب بالمسببات، معتقدين أن كل ما عرفت علته المباشرة فلا داعي لافتراض تدخل الله فيه حسب تعبيرهم.
فلما جاء نيوتن بنظرية الجاذبية مؤيدة بقانون رياضي مطرد؛ انبهرت عقول الفئات المثقفة، واتخذها أعداء الدين سلاحاً قوياً، حتى لقد سميت الثورة النيوتونية، وأحس هؤلاء بنشوة انتصار عظيمة، فقد أمكن تفسير الكون كله بهذا القانون الخارق، كما تأكدت صحة نظريات كوبرنيق وبرونو وجاليلو، وفي الوقت نفسه اهتز موقف الكنيسة وتداعت حججها الواهية أكثر من ذي قبل، ولجأت إلى التعسف والعنف.
والكلام عن آثار النيوتونية ينقلنا إلى القرن الثامن عشر، الذي كان دخوله إيذاناً بأفول نجم الكنيسة وولادة آلهة جديدة لا كنائس لها.
ثانياً: القرن الثامن عشر:
يتميز القرن الثامن عشر بظهور روح الشك العام في كل شيء تقريباً، ومع ذلك فقد ظهرت فلسفات إيجابية متنوعة يدور محورها حول كلمتين، هما في الواقع صنمان استحدثهما الهاربون من نيران الكنيسة، ليحلا محل إلهها المخيف، وهما: العقل والطبيعة.
أما العقل فلم يعد مقيداً بأغلال الثنائية الديكارتية، بل بدأ يبحث عن ذاته ويسلك طريقه لكي يتصرف كما لو كان إلهًا بالفعل، وتعالت أصوات الباحثين والفلاسفة، منادية بأن العقل هو الحكم الوحيد والعقل هو كل شيء، وما عداه فوهم وخرافة، الوحي يخالف العقل فهو أسطورة كاذبة، والمعجزات لا تتفق ومألوف العقل فهي خرافات بالية، والفداء والصلب والرهبانية...إلخ، كلها أباطيل مضللة وعقائد مرذولة لأنها لا تتسق مع العقل، والصنم الثاني كان الطبيعة.
يقول سول: صار لزاماً على الذين نبذوا الإيمان بالله كلية أن يبحثوا عن بديل لذلك ووجدوه في الطبيعة (4).
وربما كان أعدى أعداء الكنيسة آنذاك هو فولتير، ولنقتطف نماذج من نقده للدين ورجاله من كتابه (القاموس الفلسفي):
أول ما انتقد فولتير العقيدة المسيحية في التثليث وتجسيم الإله والصور المقدسة، وأنحى باللائمة على بولس الذي طمس المسيحية وحرفها، ولذلك كان الإيمان بالمسيحية في نظره هو الاعتقاد بأشياء مستحيلة أو بأشياء تستعصي على الفهم، فالحية تتكلم، والحمار يتحدث، وحوائط أريحا تتساقط بعد سماعها صوت الأبواق، أن الإيمان على هذا النحو هو على ما يقول إرازم هو الجنون.
أما الخطيئة الأولى فيرفضها فولتير ويعتبرها إهانة لله واتهاماً له بالبربرية والتناقض، وذلك للتجرؤ على القول بأنه خلق الأجيال البشرية وعذبها لأن أباهم الأول قد أكل فاكهة من حديقته (5).
إنه لا يمكن طاعة البشر باسم طاعة الله، لابد من طاعة البشر باسم قوانين الدولة ولقد جزعت الكنيسة من هذه الانتقادات والآراء جزعا شديداً، ولعنت فولتير وأشياعه وكفرتهم، وحرمت قراءة كتبهم وتعرض فولتير للمضايقة والاضطهاد من قبل رجال اللاهوت، حتى إنه قال مخاطباً إنسان ذلك العصر: أنت طائر في قفص محاكم التفتيش، لقد قصت محاكم التفتيش جناحيك (6).
وفي إنجلترا طور جيبون النقد التاريخي للمسيحية في كتابه سقوط الامبراطورية الرومانية واضمحلالها أما هيوم فقد ابتدع مذهب الشك المطلق، الذي كان ثورة نفسية على الإيمان المطلق طوال القرون الماضية.
وجدير بالذكر أن شيوع المذهب العقلي الطبيعي في عصر التنوير قد نتج عنه بالاعتماد على نظرية نيوتن مذهبان جديدان على العالم المسيحي ينمان عن التخبط والضياع:
الأول: مذهب المؤلهة الربوبيين دايزم Deism أو المؤمنين بإله مع إنكار الوحي، وهذا المذهب يمثل فكرة انتقالية لأن الوثبة من إله مسيحي إلى عدم وجود إله كانت مستحيلة كما يقول برنتن.
هذا المذهب هو أقرب انعكاس ممكن واضح لعالم نيوتن، الذي يخضع للنظام ويدور وفقاً للقانون، والإله في هذا المذهب هو الشخص المسئول عن التدبير والبناء وتحريك هذا العالم الآلي.
وكان من زعماء هذا المذهب فولتير وبوب ومعهم عدد آخر ممن كانوا يرون ضرورة الإيمان بالله - ولو أمام الجمهور - أما الوحي فأنكروه لأن إثباته يعني صحة تعاليم عدوهم الكنيسة، وليس معنى ذلك أن إيمانهم بالله يمكن أن يسمى ايماناً على الحقيقة، فإن كل عمل هذا الإله في نظرهم هو أنه خلق الكون ثم تركه يدور وفق القوانين المودعة فيه والتي أوضحها نيوتن، فهو يشبه صانع الساعة الذي يديرها ثم يدعها تتحرك من تلقاء نفسها. أما الإنسان فقد منحه العقل وتركه وشأنه، فهو وإن كان جزءاً من آلة الكون العظمى، إلا أنه عليه أن يستغل مواهبه ويستخدم عقله بما يتمشى مع قانون الطبيعة.
- الثاني: المذهب الإلحادي المادي: كما تقول حكمة فولتير إذا كان الله غير موجود فلا بد من اختراعه فالطبيعة تغني عنه، والاعتراف بوجوده هو نوع من الإقرار بصحة دعاوى الكنيسة، فالأولى أن نستبعد وجوده نهائيا إرغاماً لأنف الكنيسة على الأقل.
تلك هي الخطوط العامة في القرن الثامن عشر للصراع بين الكنيسة والدين، على أنه ينبغي أن ننبه إلى أن هذا الصراع كان مقتصراً على الفلاسفة والطبقات المثقفة، ولم يتجاوز ذلك إلى القاعدة الشعبية ويصبح قضية جماهيرية، إلا بعد الثورة الفرنسية التي قامت في أواخر هذا القرن سنة (1789م) وبقيامها رُسم معلم واضح من معالم التاريخ الأوروبي، وافتُتح عصر جديد من الصراع بين الدين واللادين يستحق أن يفرد له فصل مستقل.
تلك كانت صورة حرب الكنيسة مع العلم والتي أثمرت بعد ذلك التفسير المادي للتاريخ الإلحاد و عبادة الطبيعة.
وفي المقال القادم وبعد أن أنهينا العنصر الأول من أسباب الثورة على الكنيسة- نستعرض العنصر الثاني وهو فساد رجال الدين وفضائح الأديرة الأخلاقية.
ـــــــــــــــــ
(1) العلم والدين في الفلسفة المعاصرة، إميل بوترو، ص(19).
(2) قصة النزاع، ص(214).
(3) العلوم والدين، ص(19).
(4) المذاهب الاقتصادية الكبرى، جورج سول، ص(51).
(5) سلسلة تراث الإنساني، (8/78-80).
(6) مقتطفات من سلسة قراءات إنسانية، (8/80-87).
3 /8/ 1427هـ
27 /8/ 2006م