سورة النازعات ( 2 )
إعداد/ د. عبد العظيم بدوي
يقول - تعالى -: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى) [النازعات: 15-26].
تفسير الآيات
المقصود من ذكر هذا الطرف من قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون حَثُّ النبي - صلى الله عليه وسلم - على الصبر على ما يلقاه من الأذى والتكذيب؛ لأنَّ الله - تعالى -سيجعل العاقبة له كما جعلها مِنْ قبلُ لموسى-عليه السلام - وسيهلك من كذبه كما أهلك فرعون لما كذب موسى، وقد استفتحت الآيات بهذا السؤال: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى أي: هل أتاك يا نبينا حديث أخيك موسى الكليم؟ وهو سؤالٌ للتشويق، يستخدمه الناسُ في أحاديثهم، ليملك المتكلم مشاعر السامع وأحاسيسه، ويأخذ بسمعه وقلبه! هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى وطوًى اسمٌ للوادي المبارك المطهر، الذي بأسفل جبل الطّور، الذي كلّم اللَّـهُ عليه موسى، وناداه: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، وهذا النداءُ المختصر هنا قد فُصّل في سورة طه، قال - تعالى -: (وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) [طه: 5- 24]، والطغيان معناه مجاوزة الحد، والإسراف في الكفر والمعصية والظلم، ولكن انظر إلى الأسلوب الذي يأمر الله موسى - عليه السلام - أن يخاطب به هذا الطاغية: (فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى) هكذا؛ بأسلوب العرض اللطيف الطيب، كما تقول أنت لأخيك: هل لك أن تزورنا؟ هكذا مجرد عرض لطيف، من غير إلحاح ولا إزعاج، هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى أي: تتطّهر من دنس الكفر بالإيمان، ومن دنس الشرك بالتوحيد، ومن دنس المعصية بالطاعة، وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى فأنت عبدٌ لا ربٌّ، فهل أَهْدِيَك إلى ربك فتخشاه، وتتقيه، فإنه - سبحانه -: (أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) [المدثر: 56]، وهكذا يجب أن يكون أسلوب الدعاة، يجبُ على الدعاة أن يكونوا هينين لينين، فإنّ القول اللين أدعى للقبول، ولذا قال - تعالى -لموسى وهارون: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [طه: 44]، وقال - تعالى -لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل: 125]، وقال - تعالى -عن نبيه - صلى الله عليه وسلم -: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) [آل عمران: 159]، ولقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحثّ على الرفق واللين فيقول: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه». [صحيح: رواه مسلم وأبو داود] ويقول - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللَّـه رفيق يحبّ الرفق، ويُعطي على الرفق ما لا يُعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه». [رواه مسلم وأبو داود واللفظ لمسلم]
فلابد للدعاة من الأخلاق الحسنة، ولابدّ من الأسلوب الطيب، والكلمات الطيبة، والعبارات الحسنة، ولو مع أظلم الخلق وأفجرهم، فمهما كان ظلمُ الظالم، وفجور الفاجر، فلن يكون أظلم من فرعون، ولا أفجر منه، ومع ذلك فالله - تعالى -يقول لموسى ـ - عليه السلام - ـ: (فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى).
وقوله - تعالى -: (فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى) وفي السياق اختصار ظاهر، اقتضته الفصاحة والبلاغة؛ إذ ليس من البلاغة التفصيل في موضع الإجمال، ولا العكس، والمعنى: أنّ موسى - عليه السلام - لما جاء فرعون ودعاه إلى الإيمان أراه الآية الكبرى على صدقه، وهي العصا؛ ألقاها فإذا هي ثعبان مبين، (فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى)، كما قال - تعالى -: (قَالَ لِلْمَلأِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُون)َ [الشعراء: 34-84]. أمّا فرعون فقد انطلق يهدد ويتوعد، ويقول: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى، (آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ) [الشعراء: 94]، ولكن الله ما كان ليذره يفسد في الأرض بعد ما أنذره، فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى أي: انتقم الله منه انتقامًا جعله به عبرة ونكالاً لأمثاله من المتمردين، فأما أخذه في الدنيا فكما قال - تعالى -: (فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا)[الإسراء: 103]، أما في الآخرة فإنه (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) [هود: 98]، قال - تعالى -: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى)، فأهل الخشية هم الذين ينتفعون بآيات الله، وينتفعون بالمواعظ، وتنفعهم الذكرى، أما الجبابرة الطغاة الذين قست قلوبهم فإنهم (إِذَا ذُكِّرُوا لاَ يَذْكُرُونَ (13) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ(41) [الصافات: 13، 14]، (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ) [الزمر: 22]. نسأل المولى - سبحانه وتعالى - العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.