الوحدة الموضوعية في سورة الكهف

طارق مصطفى حميدة

‏مركز نون للدراسات القرآنية/ فلسطين

tariqhamida@yahoo.com

 

تحدث كثيرون عن الوحدة الموضوعية في سور القرآن الكريم بعامة، ونال سورة الكهف حظ وافر ‏من الاهتمام فيما كتبه صاحب الظلال والندوي والدكتور مصطفى مسلم، وعبد الحميد طهماز، ‏وربما غيرهم أيضاً، ويرى كاتب هذه السطور أن المساهمات السابقة، على ريادتها وقيمتها الكبيرة، ‏فإنها قد تتبعت بعض المحاور البارزة في السورة ولم تتحدث عن المحور الرئيس الذي تتفرع منه ‏سائر المحاور. ‏ إنه ولأجل التوصل إلى المحور الرئيس تحسن الإفادة من: ‏ ‏1)‏ اسم السورة. ‏ ‏2)‏ مطلع السورة وخاتمتها. ‏ ‏3)‏ ما ورد في السنة بشأنها. ‏ ‏4)‏ السورة السابقة والسورة اللاحقة لها.

أولاً: اسم السورة:

أخذت السورة اسمها من قصة الكهف، وهي تتحدث عن فتية من دعاة التوحيد يأمرهم الله - تعالى -‏أن يأووا إلى كهف، هرباً من قومهم الذين يحاربون التوحيد ولا يقبلون من الفتية إلا العودة في ‏ملتهم أو يرجمونهم حتى الموت، ويضرب الله على آذانهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا، ثم يبعثهم ‏ويُعثر عليهم، وتنتهي القصة بأن يقرر الذين غلبوا على أمرهم أن يتخذوا عليهم مسجدا. ‏ في بداية القصة موحدون مطاردون، وفي خلالها حفظ لهؤلاء وحماية من كل ما من شأنه أن يؤثر ‏فيهم؛ من الإنس والسباع والحشرات، ومن عدم الأكل والشرب، ومن الشمس التي تزاور عنهم إذا ‏طلعت وتقرضهم إذا غربت، ومن الأرض أن تأكل أجسادهم، فيقلبهم الله ذات اليمين وذات الشمال، ‏وصورة كلبهم باسطاً ذراعيه بوصيد الكهف، تعزز إيحاءات وظلال الحراسة والحماية، ثم يكون ‏انتصار الإيمان بالرغم من غياب الفتية المؤمنين بدليل بناء المسجد من قبل الفئة الغالبة. ‏ الكهف: كانت وظيفته حماية الفتية، وقد انتهت القصة فإذا الدين الذي كان مهدداً مطارداً قد عادت ‏الغلبة لأهله الذين يقررون اتخاذ "مسجد" على الكهف وأصحابه، وبالتالي فقد أظهرت القصة حفظ ‏المؤمنين وحفظ الدين، بالرغم من غياب المؤمنين. ‏

 

ثانياً: المطلع والختام:

بدأت سورة الكهف بقوله - تعالى -: ‏"الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، قيماً ‏لينذر بأساً شديداً من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً‏ "

وختام السورة:‏ ‏ " قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا ‏بمثله أبداً، قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل ‏عملاً صالحاً ولا يشرك به أحداً‏ ". ‏

في أول السورة أن الله - تعالى - لم يجعل لكتابه عوجا بل هو قيم، وربما وقع كثير من المفسرين في ‏خطأ القول أن الآيتين تؤكدان أن الكتاب مستقيم غير أعوج، لكن النص الكريم لم يقل: (ولم يجعل ‏فيه عوجاً)، بل قال: ‏"‏ ولم يجعل له عوجا‏‏ " أي ليس فيه قابلية للحرف والاعوجاج، كما ذكر في نظم ‏الدرر، وهذا شبه قوله - تعالى -: ‏‏" إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون‏"، والتعبير ب: " لم يجعل" ‏إشارة إلى أن الأصل في كلمات الله - تعالى -وكتبه أنها غير قابلة للاعوجاج والتحريف، لكنه - سبحانه -، ‏لحكمة منه، أذن بأن تعبث أيدي البشر بالكتب السابقة التي استحفظها الربانيين والأحبار، فيما تعهد ‏جل شأنه بحفظ القرآن، ومعنى أن الكتاب قيّم أي مهيمن على ما سواه كاشف تحريفها، ومؤيد لما ‏بقي من الحق فيها. ‏ وفي آخر السورة تأكيد لما جاء في مطلعها: ‏ ‏ "قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل ‏أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله أبداً" ويشبهه ما جاء في الحديث القدسي: (وأنزلت عليك كتابا ‏لا يغسله الماء) ، وقوله - عليه السلام - في ختام الكلمات التي علّمها ابن عباس - رضي الله عنهما -: (‏رفعت الأقلام وجفت الصحف) ، فضلاً عما تفيده الآية من لانهائية المعاني المستخرجة من ‏كلمات الله - تعالى -على امتداد الزمان والمكان، ويتأكد معنى حفظ كلمات الله خلال السورة الكريمة ‏في قوله - تعالى -: ‏‏ "لا مبدل لكلماته"‏‏[الكهف: 27]. ‏ وهنا يلاحظ أن مفهوم الحفظ الذي دلت عليه قصة الكهف، يؤكده مطلع السورة ومقطعها، فحفظ ‏الكتاب هو حفظ الدين، بل وحفظ المؤمنين أيضاً، كما يستفاد من قوله - تعالى -: ‏‏ "قيماً لينذر بأساً شديداً ‏من لدنه؛ فهذا الكتاب قيم ومهيمن غالب، وهو سائر بالمؤمنين إلى حيث يصبحون ذوي بأس ‏شديد، ولن يبقوا على ضعفهم البادي وقت النزول؛ وقصة ذي القرنين في أواخر السورة مثال على ‏ذلك.

ثالثاً: ما ورد في السنة الشريفة عن سورة الكهف: ‏ روى مسلم عن أبي الدرداء أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (من حفظ عشر آيات من أول ‏سورة الكهف عُصم من الدجال، وفي رواية، من آخر سورة الكهف). ‏ وهنا فالحديث الشريف يؤكد معنى الحفظ مرة أخرى، فالعصمة من الدجال، تعني الحفظ في أظهر ‏صوره، وهذا الحفظ ناتج من عدم انخداع المؤمنين بدجل الدجال وزيفه، لاهتدائهم بوحي الله - تعالى -، ‏ وتتجلى ميزة سورة الكهف لقارئها المؤمن بمضمونها في التفريق بين الذين يقعون في حبائل الدجال ‏لتوقفهم عند ما تراه الحواس، وأولئك الذين اهتدوا بوحي الله فعصمهم ونجاهم. ‏ ولقد ابتدأت قصة الكهف بقوله - سبحانه - مخاطباً نبيه محمداً ‏ (أم حسبت) لأجل تصحيح ما قد ‏يعلق بالحس والعقل من تصورات وأوهام ناتجة عن ثقلة الواقع المادي وما يظهر من قوة الباطل ‏وضعف الحق وأهله، وهنا فالله - تعالى -يؤكد أنه الأعلم وما يقوله هو الحق وإن بدا للحس غيره، وقد ‏ظهر بارزاً في قصة الخضر وموسى - عليهما السلام - كيف أن الحقيقة التي أعلمها الله - تعالى - للخضر ‏كانت خلاف ما ظنه موسى - عليه السلام - من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار، والزينة التي ‏جعلها - سبحانه - للدنيا، لأجل أن يتميز من يصدقون وحي الله - تعالى -بأنها(دنيا)، ممن يتوهمون، لوجود ‏الزينة، خلاف الحقيقة. ‏ إن حديث ابن عباس: كنت خلف النبي يوماً فقال: (يا غلام! إني‎ ‎أعلمك كلمات، احفظ الله ‏يحفظك‎ ‎، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم‎ ‎أن الأمة ‏لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو‎ ‎اجتمعوا على أن ‏يضروك بشيء، لم يضروك بشيء إلا قد كتبه الله عليك، جفت الأقلام ورفعت الصحف)، هذا ‏الحديث في رأي الكاتب هو تلخيص أو اقتباس من المحور الرئيس لسورة الكهف. ‏ وأما الأحاديث التي تربط بين سورة الكهف ويوم الجمعة، فسيأتي الحديث عنها - بإذن الله - فيما ‏بعد.

رابعاً: موقع سورة الكهف بين سورتي الإسراء ومريم: ‏ لقد ابتدأت السورة كما خُتمت بقضية حفظ كتاب الله - تعالى - وكلماته، وإذ أكد مطلع السورة حفظ ‏القرآن الكريم، فقد ألمح إلى أن ما سبقه من كتب الله - تعالى -لم يشملها حفظ الله - سبحانه -، وفي ذلك، ‏إشارة إلى أنها بهذه الصورة لا تعبر عن مراد الله ولا تستحق بالتالي أن تكون مرجعاً للمؤمنين ‏خاصة وللناس على وجه العموم. ‏ وإذن فالمحور الأول الذي ينبثق من حفظ الكتاب هو مرجعيته وحده، وإلغاء المرجعيات السابقة ‏بعدما حرفت الكتب؛ حيث إنه وحده كتاب الله - تعالى -، ولذلك جاء في السورة الكريمة: ‏‏ نحن نقص ‏عليك نبأهم بالحق‏، ولا تستفت فيهم منهم أحداً، ومن هنا يتكرر في سورة الكهف: ‏‏ "قل ربي ‏أعلم بعدتهم"، قل الله أعلم بما لبثوا، وينبثق عنه أيضاً انتقال الإمامة إلى محمد، الذي نزل عليه ‏هذا الكتاب المحفوظ. ‏ وكانت سورة الإسراء قد أعلنت انتقال القيادة الدينية من بني إسرائيل إلى محمد ‏وأمته، من خلال ‏رحلته ‏إلى بيت المقدس، التي كانت مركزاً لعدد من أنبياء بني إسرائيل، بسبب الفساد، بل ‏الإفساد الكبير الذي انتهى إليه بنو إسرائيل فلم يعودوا يصلحون لحمل الرسالة والإمامة الدينية، ‏ولذلك فقد كانت إمامة رسولنا بالأنبياء ليلة الإسراء رمزاً آخر على استلامه وأمته لأمانة الدين. ‏ وتؤكد سورة مريم المعنى ذاته بعد أن تستعرض عدداً من الأنبياء حيث تذكر أن الذين جاءوا من ‏بعدهم ضيعوا الصلاة التي هي عمود الدين ولم يحافظوا على ميراث النبوة: ‏‏ "أولئك الذين أنعم الله ‏عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل ومن هدينا واجتبينا ‏إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكيا، فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا ‏الشهوات فسوف يلقون غياً"‏[مريم: 58- 59]، ما يعني أن الراية ستنتقل إلى غيرهم. ‏ وقد لفت بعض المفسرين إلى أن مغزى اتباع موسى للخضر كي يتعلم منه، هو أن يحذو قومه ‏حذوه فيتبعوا محمداً . ‏ التوحيد وأبرز قضية في هذا الكتاب المحفوظ هي قضية التوحيد، ولذلك جاءت في مطلع السورة وختامها: ‏ففي المطلع حمد الله الذي أنزل على عبده الكتاب، وفي الختام تأكيد الكلام على لسان الرسول أنه ‏بشر / عبد، وأنه يوحى إليه. في البداية أن الكتاب ينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً، وفي الختام أن ‏طريق النجاة هو بالعمل الصالح، وأن لا يشرك بعبادة ربه أحداً. ‏ وقد زلت أقدام الأمم السابقة بانحرافهم عن التوحيد، الذي أهم ما فيه الفصل الواضح بين مقام ‏الألوهية ومقام العبودية، ولذلك يسترعي الانتباه اشتمال مطالع السور الثلاث: الإسراء والكهف ‏ومريم، على ما يبدد الأوهام التي قد تنجم عن إكرام الله - تعالى -أحد عباده بالنبوة أو الإسراء أو ‏الرحمة الخاصة، بتكرار لفظة: (عبده) في كل واحدة: ‏"‏ سبحان الذي أسرى بعبده، ‏‏ الحمد لله ‏الذي أنزل على عبده، ‏ ذكر رحمة ربك عبده زكريا، ثم يكون أول كلام عيسى - عليه السلام - ‏لقومه وهو في المهد: ‏‏ إني عبد الله‏‏[مريم]، حتى لا يتسرب الوهم بوجود خصائص إلهية لدى ‏عيسى‏ نتيجة معجزة الولادة والكلام في المهد وما سيتبعهما من إحياء الموتى وغيرها. ‏ والأمر ذاته يقال في وصف الله - تعالى -للخضر في قصته مع موسى - عليهما السلام -، (فوجدا عبداً من ‏عبادنا)، إذ لم يكتف - سبحانه - بالقول إنه (عبد) وإنما أتبعها بالقول (من عبادنا)؛ ذلك أن ما أجراه ‏- سبحانه - من الخوارق على يديه، وما أعلمه من الغيب الذي أخفاه حتى عن موسى حتى جعله ‏يتتلمذ عليه، كل ذلك قد يوقع في النفوس الضعيفة والعقول الخفيفة أن للخضر - عليه السلام - ميزة ‏على موسى، بل وأن له نسباً إلهياً، ومن هنا جاءت الآيات تبين أن الخضر مع كل ذلك لا يعدو ‏كونه عبداً، وأن ما ذُكر بشأنه لا يعطيه ميزة على سائر عباد الله - تعالى -ولا يخرجه عن أن يكون ‏واحداً من عدادهم، ولذلك جاء فيما روى البخاري من كلام الخضر لموسى - عليهما السلام -، أن عند ‏كل واحد منهما علماً علّمه الله - تعالى - إياه مما لم يعلمه الآخر، وكأن في اختيار مجمع البحرين مكاناً ‏لالتقاء الرجلين ما يشي بأن كلاً منهما بحر فيما علّمه الله، لا أن الخضر بحر وموسى نهر أو ‏بحيرة. ‏ ولعل فيما جاء عن قرار الذين غلبوا على أمرهم أن يتخذوا مسجداً على أصحاب الكهف، ما يشير ‏إلى بدايات الشرك عند الأقوام السابقة تحذيراً لأمة محمد ، من مثل صنيعهم. ‏ تصحيح الحسبان: ‏ يلفت النظر توجيه الخطاب في مطلع قصة الكهف إلى النبي،‏ أم حسبت أن أصحاب الكهف ‏والرقيم كانوا من آياتنا عجباً، ما يعني أن القصة مسوقة في تصحيح حسبان قد يتسرب بأن الآية ‏الربانية في حفظ الإيمان وأهله فريدة من نوعها ولا سبيل إلى تكرارها، والملاحظ أنه يتكرر في ‏السورة الكريمة موضوع التصويب، وهو أمر طبيعي، وما دام هذا الكتاب كتاب الله - تعالى - فإنه ‏المرجع، وما يخبر به هو الحق، وإن ظهر للناس غير ذلك، فإنه لا أعلم من الله - تعالى -، ولذلك فقد ‏تحدث صاحب الظلال عن سورة الكهف ودورها في تصحيح الفكر والنظر والسلوك والموازين، ‏فالسورة تؤكد أن الله - تعالى - جعل ما على الأرض زينة لها، ما يعني أن ما يظهر على السطح ليس ‏بالضرورة هو الحقيقة، ثم يأتي التعقيب على قصة الكهف بأمر النبي ،‏ واصبر نفسك مع الذين ‏يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من ‏أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً، إن المظهر الخارجي ربما يوهم بأن هؤلاء ‏المؤمنين لا مستقبل لهم، وأن القوة والمستقبل مع الذين بيدهم زينة الحياة الدنيا، فتؤكد السورة أن ‏أمر هؤلاء فرط غير متماسك وأن المستقبل الحقيقي في الدنيا والآخرة هو مع هؤلاء المستضعفين ‏الذين قد لا يملأون العيون فعليه أن يصبر نفسه معهم، وألا تعدو عيناه عنهم باتجاه من أغفل الله ‏قلبه واتبع هواه وكان أمره فرطا كمثل صاحب الجنتين، الذي حسب أنه خير عند الله لكونه أكثر من ‏صاحبه مالاً وولداً، وأنه مفضل في الآخرة كمثل تفضيله في الدنيا، فجاء رد صاحبه المؤمن ثم ‏الإحاطة بثمره ليصحح له سوء فهمه وليرسخ للمؤمنين ما يجيئهم من الوحي، ويستمر الجو - جو ‏التصحيح - في قصة موسى مع الخضر بمشاهدها الثلاثة، وحتى في قصة ذي القرنين فإن القوم ‏الذين لا يكادون يفقهون قولاً حسبوا ذا القرنين كغالب الملوك في الأرض فعرضوا عليه خرجا حتى ‏يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سداً. ‏ التناسب بين قصص السورة وعوداً إلى محور الحفظ الذي أبرزته بداية السورة وخاتمتها والقصة التي بها سميت السورة، ‏وحديث العصمة من الدجال، فالملاحظ أن هذا المعنى ينتظم أيضاً سائر قصص السورة الكريمة بدءاً ‏من حفظ أصحاب الكهف، ثم حفظ الرجل المؤمن أن يفتن أمام صاحب الجنتين، ثم حفظ السفينة، ‏فالوالدين المؤمنين، ثم كنز الغلامين اليتيمين، ثم حفظ القوم الذين كانوا لا يفقهون قولاً بإقامة الردم ‏الذي يحميهم من عدوان يأجوج ومأجوج، وكذلك فالبقاء هو للصالحات، وهذا الكتاب لا يغادر ‏صغيرة ولا كبيرة، ولا مبدل لكلمات الله من حيث اللفظ أو المعاني والسنن والقوانين. ‏ إن قصة الكهف، التي سميت بها السورة، كانت كفصل أول في رواية، وتبعتها القصص الأخرى ‏فصولاً تالية، أو هي ملخص وتفصيله ما بعده؛ فالسورة بدأت بما يشبه واقع المسلمين في مكة من ‏المطاردة والاضطهاد، ثم أرادت تصبيرهم على ما هم فيه بطمأنتهم على أنفسهم وعلى دينهم، ‏وبلفتهم إلى أن لله - تعالى -حكمة عظيمة في كل أمر، وأن الأمور ليست على ظاهرها دائما، ‏والمطلوب تسليم الأمر لله - تعالى -، فإن الله - تعالى -سيرعاهم ويحفظهم حتى يتم نوره، ويصير حالهم ‏إلى حال ذي القرنين فيفتحون المشارق والمغارب بالتوحيد، واسم ذي القرنين كما هو واضح، ‏يوحي بمعاني القوة والغلبة، كأنها تؤكد لهم أنهم صائرون إلى مثل حال ذي القرنين، وهو ما أشار ‏إليه أول السورة في قوله - تعالى -: ‏‏ "الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، قيماً ‏لينذر بأساً شديداً من لدنه "؛ فالله - تعالى -أنزل هذا الكتاب على عبده (لينذر بأساً شديداً من لدنه)، ‏والبأس الشديد يأتي من قوم أولي بأس شديد، في إشارة واضحة إلى ما سيصير إليه حال المؤمنين ‏إلى القوة بعد الضعف، وإلى الأمن بعد الخوف، وإلى التمكين بعد التخطف والمطاردة، ولعل مما ‏يفيده التعبير ب(من لدنه) أن ليس في واقع المؤمنين وقت نزول الآيات، ما يدل على قرب ‏امتلاكهم ذلك البأس، وبالتالي فهو بأس (لدنّي)، يوقن المؤمنون بالغيب أنه آت، ويستبعده الذين لا ‏يؤمنون إلا بما تلامسه حواسهم. ‏ ولا يستبعد الكاتب أن الذين كانوا يسألون ويكررون السؤال عن ذي القرنين هم الصحابة الكرام في ‏مكة، وسؤالهم هو سؤال المتعجل الذي يقول متى ينتهي اضطهادنا وننتصر بالدين كما حصل مع ‏ذي القرنين؟ أو يريدون التسلي بأخبار العزة والنصر للتخفيف من الواقع الأليم، فجاءت السورة ‏وقصصها بشكل عام تدعوهم إلى الصبر وعدم الاستعجال وتطمئنهم ‏أن وعد الله حق وأن الساعة ‏آتية لا ريب فيها ‏، كما تحقق الوعد لفتية الكهف، وفي التعقيب على قصة الكهف جاء الأمر ‏للرسول الكريم: ‏ "‏واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه"، وفي ‏قصة موسى والعبد الصالح يخاطب الخضر موسى ‏إنك لن تستطيع معي صبراً، ويتكرر الصبر ‏سبع مرات وبالذات في فواصل آيات القصة، والتي آخرها: ‏ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً، ‏ثم يأتي بعدها خبر ذي القرنين كأنما ليوحي بأن التمكين يجب أن يسبقه صبر كثير، وأن مآل الصبر ‏مع المؤمنين هو التمكين، وأن أشد ساعات الليل حلكة هي التي تسبق طلوع الفجر.‏ ‏ ثم جاءت قصة ذي القرنين "ذكراً"؛ ‏‏ سأتلو عليكم منه ذكرا‏، أي تذكيراً لهم بدورهم الرساليّ في ‏نشر التوحيد وحماية الضعفاء، جهاداً في سبيل الله - تعالى -والمستضعفين، كيلا يكون كل همهم ‏الخروج من الأزمة دون التفكير في المستقبل المطلوب، ومرة أخرى يأتي الحديث عن وعد الله، ‏لكن على لسان ذي القرنين، مقترناً بالحديث عن الآخرة، فالمؤمن لا ينسى في كل أحواله أنه صائر ‏إلى دار الجزاء، فيصبّره ذلك أيام الشدة، ويضبطه أيام العز والنصر فيمنع غروره وانحرافه، وقد ‏قيل لبني إسرائيل من قبل: ‏"‏ عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم من بعده فينظر كيف تعملون"‏‏.‏ ومن التناسب بين قصص الكهف وقصص مريم تكرر الرحمة في قصص السورتين، لكن الملاحظ أن ‏الرحمة في الكهف هي رحمة الحماية والمحافظة على المؤمنين والضعفاء، والرحمة في مريم هي ‏الرحمة بالمعين على الدعوة والورثة الذين يأخذون الراية عمن سبقهم. ‏ هو ما يلاحظ في الآيات التالية: "‏‏ إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك ‏رحمة.. " ‏‏[الكهف: 10]، ‏"‏ رحمة من ربك وما فعلته عن أمري‏‏" [الكهف: 82] كما قال الخضر ‏لموسى مؤولاً أفعاله الغريبة بأنها رحمة بالمساكين أصحاب السفينة التي يلاحقها الملك القرصان، ‏وبالوالدين اللذين قتل ابنهما كيلا يرهقهما طغياناً وكفراً، وباليتيمين إذ أقام الجدار ليحفظ لهما ‏كنزهما، ومثل ذلك قول ذي القرنين للقوم الذين لا يكادون يفقهون قولاً بعدما أقام ردما يمنع عنهم ‏عدوان يأجوج ومأجوج: ‏"‏ هذا رحمة من ربي"‏‏[الكهف: 98]. وأما الرحمة في مريم فهي رحمة ‏أصفياء الله المذكورين بمن يعينهم على الدعوة: (ذكر رحمة ربك عبده زكريا)، و(ووهبنا له من ‏رحمتنا أخاه هارون نبياً).

الكهف والجمعة والخلافة في الحديث: (من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق) ، ‏و(من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين). ‏ إن يوم الجمعة هو يوم الخلافة، لما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (خير يوم طلعت ‏فيه الشمس: يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا يوم ‏الجمعة)، فالخلق للخلافة والإخراج من الجنة لتسلم الخلافة. ‏ إن سورة الكهف تبين للمؤمنين الوظيفة المنوطة بهم والدور المطلوب منهم، وهو القيام بواجب ‏الخلافة وإعمار الأرض بشرع الله - تعالى -كما يبرز فيما قام به ذو القرنين من منع للفساد وزحف ‏نحو المشارق والمغارب لإقامة العدل ونشر الخير، بعد أن ترينا مشهداً لملك قرصان لا يشبع حتى ‏إنه ليلاحق المساكين في لقمة عيشهم. ‏ ومن هنا يتبين لنا سر اجتماع المسلمين يوم الجمعة وسر خطبة الجمعة، ومن ثم سر قراءة الكهف ‏في هذا اليوم العظيم.

 

12-07-2007

 

http://www.islamselect.com                    المصدر: