الإيمان بالألوهية ( 2- 2 )

 د.أحمد بن عبد الرحمن القاضي

 

الشرك في عبادة الله - تعالى -أكبر الكبائر، وأعظم الذنوب، قال - تعالى -: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) لقمان: 13، وفي الحديث المتفق عليه: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى، يا رسول الله. قال: الإشراك بالله) الحديث. وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الذنب أعظم؟ قال: (أن تجعل لله نداً، وهو خلقك) متفق عليه.

وقد رتب الله - تعالى -على الشرك، لعظم بشاعته، أحكاماً دنيوية وأخروية، منها:

1- عدم الغفران: قال - تعالى -: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً) النساء: 48

2- تحريم الجنة، والخلود في النار: قال - تعالى -: (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) المائدة: 72

3- حبوط جميع الأعمال: قال - تعالى -: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) الزمر: 65

4- إباحة الدم والمال: قال - تعالى -: (فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) التوبة: 5، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها) متفق عليه.

وقد ضل في هذا الباب طوائف من بني آدم، منهم:

1- عباد الأصنام: على اختلاف معبوداتهم؛ من شجر، وحجر، وإنس، وجن، وملائكة، وكواكب، وحيوانات، مما أغواهم به الشيطان.

2- القبوريون: الذين يدعون المقبورين، ويقدمون لهم النذور والقرابين، ويسألونهم جلب النفع، ودفع الضر.

3- السحرة، والمشعوذون، والكهان: الذين يعبدون الجن لقاء ما يخبرونهم به، أو يحضرونه لهم، أو يصنعونه لهم.

ولعظيم خطر الشرك في العبادة، حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأسباب الموصلة إليه، وسد الطرق المفضية إلى وقوعه. ومن أمثلة ذلك:

1- التحذير من الغلو في الصالحين: قال - صلى الله عليه وسلم -: (إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه. وقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم! إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله) رواه البخاري.

ومن الغلو في الصالحين، التوسل الممنوع، وهو نوعان:

أحدهما: توسل شركي مخرج من الملة: وهو دعاؤهم من دون الله؛ بقضاء الحاجات، وكشف الكربات.

الثاني: توسل بدعي: وهو التوسل إلى الله بما لم يشرعه الله، كالتوسل بذوات الصالحين، أو جاههم، أو حقهم، أو حرمتهم، ونحو ذلك.

والتوسل المشروع إنما يكون بالإيمان بالله، أو باسم من أسمائه، أو صفة من صفاته، أو بعملٍ صالح قدَّمه، أو طلب الدعاء من عبد صالح، كما قال عمر، - رضي الله عنه -: (اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا) رواه البخاري.

2- التحذير من الافتتان بالقبور: ومن صور ذلك:

أ‌- اتخاذها مساجد: فعن عائشة، - رضي الله عنها -، قالت: (لما نزل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم كشفها. فقال، وهو كذلك: (لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر ما صنعوا. ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً) متفق عليه. وقال: (ألا، وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد. ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك) رواه مسلم. ومعنى اتخاذها مساجد: أي قصد الصلاة عندها، وإن لم يبن عليها مسجد. فإن المسجد هو موضع السجود.

ب‌- البناء عليها، وأن يزاد عليها غير ترابها، وتجصيصها: عن أبي الهياج الأسدي، - رحمه الله -، قال: قال لي علي بن أبي طالب، - رضي الله عنه -: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ألا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته) رواه مسلم. وعن جابر بن عبد الله، - رضي الله عنه -، قال: (نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن تجصيص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه بناء) رواه مسلم. فيدخل في ذلك عقد القباب عليها، وتزويقها، وزخرفتها.

ت‌- شد الرحال إليها: لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) متفق عليه.

ث‌- اتخاذ قبره - صلى الله عليه وسلم - عيداً: قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا تجعلوا قبري عيداً) رواه أبو داود. والعيد: ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان.

3- التحذير من مشابهة المشركين، وأهل الكتاب: في اعتقاداتهم، وعباداتهم، وعاداتهم، المختصة بهم. قال - صلى الله عليه وسلم -: (خالفوا المشركين) متفق عليه، وقال: (خالفوا المجوس) رواه مسلم، وقال: (خالفوا اليهود) رواه أبو داود.

4- التحذير من التصوير: فعن عائشة أن أم سلمة، - رضي الله عنهما -، ذكرت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كنيسة رأتها بالحبشة، وما فيها من الصور، فقال: (أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور. أولئك شرار الخلق عند الله) متفق عليه.

5- التحذير من الألفاظ الشركية: ومن صور ذلك:

أ‌- الحلف بغير الله: لحديث: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) رواه الترمذي.

ب‌- التسوية في المشيئة: لقوله لمن قال له: ما شاء الله وشئت: (أجعلتني لله نداً! قل: ما شاء الله وحده) رواه النسائي.

ت‌- إسناد الفعل الكوني إلى غير الله: لقوله في الحديث القدسي: (وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب) متفق عليه.

6- التحذير من الأعمال الشركية: ومن صور ذلك:

أ‌- لبس الحلقة أو الخيط، في اليد، أو العنق، بقصد دفع البلاء أو رفعه: لحديث عمران بن حصين، - رضي الله عنهما- ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً في يده حلقة من صفر، فقال: (ما هذا؟ ) قال: من الواهنة. قال: (انزعها! فإنها لا تزيدك إلا وهناً، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً) رواه أحمد، وابن حبان.

ب‌- تعليق التمائم، والودع، والأوتار، والقلائد، لدفع العين: لحديث: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له) رواه أحمد وابن حبان والحاكم. وفي رواية عند أحمد، والحاكم: (من تعلق تميمة فقد أشرك)، ولحديث: (لا تبقين في بعير قلادة من وتر، أو قلادة، إلا قطعت) متفق عليه.

ت‌- الرقى والعزائم الشركية، والتولة: لحديث: (إن الرقى، والتمائم، والتولة، شرك) رواه أبو داود. والتوله: شيءٌ يصنعونه، يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها.

ث‌- الذبح في مواضع الشرك: لقوله - صلى الله عليه وسلم - لما سأله رجل نذر أن ينحر إبلاً ببوانه: (هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ ) قالوا: لا. قال: (فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ ) قالوا: لا. فقال: (أوف بنذرك) رواه أبو داود.

ج‌- التطير والتشاؤم: لحديث ابن مسعود، - رضي الله عنه -: مرفوعاً: (الطيرة شرك. الطيرة شرك) رواه أبو داود والترمذي.

 

* / قسم العقيدة - كلية الشريعة وأصول الدين - جامعة القصيم

 

4/3/1428

 

http://www.al-aqidah.com                      المصدر: