المساومة على السودان أصبحت علنية

28 يوليو 2007م

 

لن يتراجعوا حتى لو كان الضحية كل الشعب السوداني وليس أبناء درافور فقط.

الأمريكيون لا يريدون إلا نفط دارفور، وسيفعلون من أجله كل ما يستطيعون، ولن تكون مساومة الخرطوم على الاعتراف بالكيان الصهيوني مقابل وقف التصعيد الدولي في أزمة إقليم دارفور هي الأخيرة كما لم تكن الأولى.

قال وزير الداخلية السوداني الزبير بشير طه يوم السبت 28 يوليو 2007 في لقاء مع التنظيمات الشبابية والمدنية في العاصمة الخرطوم: إن مساومات جرت مع السودان من قبل واشنطن لإجبارها على الاعتراف بالكيان الصهيوني، كما طالت منع الدول الآسيوية من الاستثمار في النفط السوداني، مقابل إنهاء التصعيد الدولي في أزمة إقليم دارفور، وفقاً لما ذكرته وكالة الأنباء الألمانية.

واتهم طه المخابرات الأمريكية بتسريب أسلحة إلى دارفور، والسعي إلى خلخلة التوازن بين المجموعات السكانية في الإقليم، محملاً واشنطن مسئولية مقتل آلاف السودانيين في إقليم دارفور بعد توقيع اتفاق أبوجا، مشيراً إلى أن واشنطن تشعل نيران الفتنة الداخلية بين طوائف وعرقيات الإقليم وذلك عبر منح قادة المتمردين وثائق سفر، وتمويلهم، مما أدى إلى إطالة أمد الصراع في الإقليم، وتعطيل التنمية.

وفي إطار الضغوط الدولية المستمرة أصدرت منظمة "كرايسز جروب" الدولية تقريراً مشبوهاً تحت عنوان "استراتيجية لسلام شامل في السودان" حذرت فيه من احتمالات نشوب حرب أهلية جديدة في السودان، ودعت المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغوطه على الخرطوم لمنع اندلاع تلك الحرب - على حد زعمها -، كما طالبت أيضاً بإحداث تحول جذري في طريقة حكم البلد في إشارة لتغيير نظام الحكم في السودان.

وقامت بريطانيا وفرنسا يوم السبت 28 يوليو بطرح مشروع قرار جديد على مجلس الأمن يخول نشر قوة دولية أفريقية مختلطة من 26 ألف جندي في دارفور للإشراف على تنفيذ حكومة الخرطوم والجماعات المتمردة لاتفاق السلام الموقع بينهما في مايو 2006م.

وبالغ أندرو ناتسيوس المبعوث الأمريكي الخاص إلى السودان في انتقاد موقف الخرطوم من مسودة مشروع القرار الجديد، وصرح قائلاً: "يجب ألا تكون لها سلطة الاعتراض" وفق قوله.

وكانت بريطانيا وفرنسا قد هددتا السودان في وقت سابق باتخاذ إجراءات عقابية ضد الخرطوم إذا أعاقت ما يصفونها بجهود السلام (جهود الإذعان والخضوع) في إقليم دارفور.

عارض السودان مشروع القرار البريطاني الفرنسي، حيث هاجم الزبير طه وزير الخارجية السوداني توني بلير رئيس الوزراء البريطاني السابق، معتبراً أنه كان سكرتيراً لوزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، ومحذراً - في الوقت ذاته - الرئيس الفرنسى نيكولا ساركوزي من السير في الطريق الفاشل ذاته، فهو "لن يستطيع أن يملي أي شيء على السودان"، ورفض عبد المحمود عبدالحليم مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة مشروع القرار بشدة، واعتبر أن المشروع "قبيح جداً، بل أسوأ من المشروع الأول".

يذكر أن القرار الجديد يحدد موعداً مستهدفاً في 31 من ديسمبر المقبل لنقل السلطة من الاتحاد الأفريقي إلى قوة مختلطة من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة ستعمل في منطقة دارفور، إلا أنه من المتوقع أن يستغرق النشر الكامل للقوة عاماً.

وفي ذات السياق صعدت واشنطن ضغوطها على الخرطوم، حيث أدانت محكمة أمريكية في ولاية "فيرجينيا" يوم الجمعة 27 يوليو 2007 الحكومة السودانية في قضية تفجير المدمرة الأمريكية "كول" في اليمن عام 2000م بدعوى دعمها لتنظيم "القاعدة" التي تزعم قيامه بالعملية، وجاء حكم المحكمة بإدانة السودان رغم إن وزارة الخارجية الأمريكية اعترفت بعدم وجود أي صلة بين تنظيم "القاعدة" والحكومة السودانية، وأصدرت المحكمة حكمها الذي يُلزم "الخرطوم" بدفع 7.96 مليون دولار لعائلات بحارة أمريكيين قُتلوا في تفجير السفينة.

والخرطوم لا تنوي دفع أي مبالغ لعائلات القتلى لأنها تعترض على الحكم الجائر، بيد أن المحكمة الأمريكية رأت أنه يمكن سحب المال اللازم من أرصدة للحكومة السودانية لدى البنوك الأمريكية كانت قد جمدتها السلطات الأمريكية.

واتهم الرئيس السوداني عمر البشير الرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني جوردن براون بالمبالغة في التعاطي مع أزمة دارفور لإخفاء فشلهما في العراق خلال زيارته لمدينة الفاشر عاصمة دارفور الشمالي يوم الأحد 22 يوليو 2007م، وأشار إلى أن التصعيد هدفه تغطية الانتهاكات المرتكبة في العراق، وفشل الدولتين في احتواء الوضع الشائك هناك، بل تحدى البشير بوش أن يخطبا مباشرة أمام تجمعات شعبية في بغداد كما فعل هو أمس في دارفور مؤكداً أنه لا يوجد أي مسؤول أمريكي أو بريطاني يتجرأ على إعلان زيارته إلى العراق قبل موعدها.

وأبدى السودان استعداده للتفاهم مع المجتمع الدولي شريطة الابتعاد عن الإملاءات، ودون التنازل عن السيادة الوطنية، لكن لن يجد السودان من يحترم رغباته لأن القضية أكبر من ذلك.

ونسجل في ذلك قول المفكر الإسلامي الدكتور "محمد مورو" حيث يقول في هذا الشأن: "إن الصراع في دارفور كان اختراعاً غربياً أمريكياً بالكامل، مع ظهور الحقائق حول وجود بترول بكميات لا بأس بها في دارفور"، وتقول صحيفة لوس إنجليوس تايمز الأمريكية في تقرير لها من السودان: أن هناك كميات كبيرة من البترول في دارفور، وأن الحكومة أسندت عمليات البحث والتنقيب إلى شركات صينية وروسية، وهذا يجعل المسألة أكثر تعقيداً، حيث أن الولايات المتحدة ترغب في السيطرة على بترول السودان وغير السودان، وأكد الدكتور أن ذلك يرجع إلى حاجاتها المتزايدة إلى البترول في إطار الصراع الاقتصادي والاستراتيجي في العالم، والذي يشكل البترول العمود الفقري له.

إن الولايات المتحدة تعمل للسيطرة على القرن الأفريقي، ونجحوا في إثيوبيا، ويحاولون في الصومال، لكن السودان أرض المستقبل والموارد الطبيعية - المعادن خاصة البترول، المياه، الأرض الخصبة - تستعصي عليهم، لذلك بدأوا محاولات تقسيم السودان منذ زمن بعيد، ويكفي أن نعرف أن الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر عرض على الخرطوم من قبل حل مشكلة جنوب السودان مقابل التطبيع مع الكيان الصهيوني.

إن واشنطن بعد أن عجزت في إقناع الكثير من الدول بمشاركتها في احتلال العراق تريد الآن توريطها في دارفور لصالح الكيان الصهيوني الذي يبحث عن المياه - يذكر أن الكيان يعاني من أزمة في المياه الصالحة للاستخدام -، والبترول، وتأمين جبهة مصر في صراعه مع العرب.

وبعد ذلك ماذا يفعل السودانيون؟

السؤال موجه إليهم فقط للإجابة عن خطواتهم لمواجهة العدو الغربي الطامع لأن غيرهم سبقوهم بالسؤال للآخرين، وما زالوا حتى الآن يواجهون وحدهم المصير دون نصير، من فلسطين إلى الصومال.

http://www.islamicnews.net:المصدر