سورة آل عمران فضائل ولطائف ( 2 )
مصطفى البصراتي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعد:
فقد تحدثنا في الحلقة السابقة عن وجه تسمية سورة آل عمران وسببُ نزولها وما اشتملت عليه وفي هذه الحلقة نستكمل الحديث حول ما اشتملت عليه من فضائل ولطائف، فنقول مستعينين بالله:
وقال الشيخ الصابوني في «قبس من نور القرآن»: «سورة آل عمران من السور المدنية الطويلة، وقد اشتملت هذه السورة الكريمة على ركنين هامين: أولهما ركن العقيدة الإسلامية الصافية، مع ذكر الأدلة والبراهين على وحدانية رب العالمين، والثاني ركن التشريع، وبخاصة فيما يتعلق بأحكام الجهاد في سبيل الله.
أما الركن الأول: ركن العقيدة فقد تناولت الآيات الكريمة أدلة الوحدانية والنبوّة وإثبات صدق القرآن، وأنَّه تنزيل الرحيم الرحمن، وردت بالحجج الدامغة والبراهين القاطعة، على الشبهات التي أثارها أهل الكتاب «اليهود والنصارى» وإذا كانت سورة البقرة قد تناولت الحديث عن الزمرة الأولى من أهل الكتاب، وهم «اليهود» فكشفت عن خفاياهم ونواياهم، وأظهرت حقيقتهم وما انطوت عليه نفوسهم الشريرة، من خبث، ومكر، وكيد.
فإن سورة آل عمران قد تناولت الزمرة الثانية من أهل الكتاب، وهم النصارى، الذين جادلوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أمر السيد المسيح «عيسى بن مريم» عليه السلام فزعموا بنوَّته للَّه، وادعوا أنه ثالث ثلاثة، بل إن بعضهم غالى في شأنه، فزعم أنه هو الله، تجسد وتمثل في صورة بشر، إلى آخر ما افتراه النصارى، تعالى الله وتقدَّس عما يقول الظالمون علوًا كبيرا.
أما الركن الثاني: فقد تناول الحديث عن الجهاد والشهداء، وعن بعض الغزوات وبخاصة عن غزوة أحد وما فيها من دروس وعبر.
المقاصد التي سيقت لها هذه السورة والمقاصد التي سيقت لها هذه السورة إثبات الوحدانية لله - سبحانه وتعالى -، والإخبار بأن رئاسة الدنيا بالأموال والأولاد وغيرهما مما آثره الكفار على الإسلام غير مغنية عنهم شيئًا في الدنيا ولا في الآخرة، وأن ما أعد المتقين من الجنة والرضوان هو الذي ينبغي الإقبال عليه والمسارعة إليه، وفي وصف المتقين بالإيمان والدعاء والصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار ما يتعطف عليه كثير من أساليب هذه السورة، هذا ما كان ظهر لي أولاً، وأحسن منه أن نخص القصد الأول وهو التوحيد بالقصد فيها فإن الأمرين الآخرين يرجعان إليه، وذلك لأن الوصف بالقيومية يقتضي القيام بالاستقامة، فالقيام يكون على كل نفس، والاستقامة العدل كما قال - سبحانه -: قَائِمًا بِالْقِسْطِ [آل عمران: 81] أي بعقاب العاصي وثواب الطائع بما يقتضي للموفق ترك العصيان ولزوم الطاعة، وهذا الوجه أوفق للترتيب، لأن الفاتحة لما كانت جامعة للدين إجمالا جاء ما به التفصيل محاذيًا لذلك، فابتدئ بسورة الكتاب المحيط بأمر الدين، ثم بسورة التوحيد الذي هو سر حرف الحمد وأول حروف الفاتحة لأن التوحيد هو الأمر الذي لا يقوم بناء إلا عليه، ولما صح الطريق وثبت الأساس جاءت التي بعدها داعية إلى الاجتماع على ذلك، وأيضا فلما ثبت بالبقرة أمر الكتاب في أنه هدى وقامت به دعائم الإسلام الخمس جاءت هذه لإثبات الدعوة الجامعة في قوله - سبحانه -: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة: 12] فأثبت الوحدانية له بإبطال إلاهية غيره بإثبات أن لكل عبيده دعت سورة النساء إلى إقبالهم إليه واجتماعهم عليه، ومما يدل على أن القصد بها هو التوحيد تسميتها بآل عمران، فإن لم يعرب عنه في هذه السورة ما أعرب عنه ما ساقه - سبحانه وتعالى - فيها من أخبارهم بما فيها من الأدلة على القدرة التامة الموجبة للتوحيد الذي ليس في درج الإيمان أعلى منه، فهو التاج الذي هو خاصة الملك المحسوسة كما أن التوحيد خاصته المعقولة، والتوحيد موجب لزهرة المتحلى به فلذلك سميت الزهراء. [ذكره البقاعي في نظم الدرر]
وجوه التلازم بين سورة البقرة وآل عمران
ورد في صحيح مسلم تسمية آل عمران والبقرة الزهراوين ووجه تلازمها ومناسبتها لتلك السورة أن كثيرًا من مجملاتها تشرح بما في هذه السورة وأن سورة البقرة بمنزلة إقامة الحجة وهذه بمنزلة إزالة الشبهة ولهذا تكرر فيها ما يتعلق بالمقصود الذي هو بيان حقية الكتاب من إنزال الكتاب وتصديقه للكتب قبله والهدي إلى الصراط المستقيم، وتكررت آية قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا [البقرة: 136] بكمالها، ولذلك ذكر في هذه ما هو تال لما ذكر في تلك أو لازم له، فذكر هناك خلق الناس، وذكر هنا تصويرهم في الأرحام، وذكر هناك مبدأ خلق آدم، وذكر هنا مبدأ خلق أولاده، وألطف من ذلك أنه افتتح البقرة بقصة آدم وخلقه من تراب ولا أم، وذكر في هذه نظيره في الخلق من غير أب وهو عيسى، ولذلك ضرب له المثل بآدم، واختصت البقرة بآدم لأنها أول السور وهو أول في الوجود وسابق، ولأنها الأصل وهذه كالفرع والتتمة لها فاختصت بالأغرب، ولأنها خطاب لليهود الذين قالوا في مريم ما قالوا وأنكروا وجود ولد بلا أب ففوتحوا بقصة آدم لتثبت في أذهانهم فلا تأتي قصة عيسى إلا وقد ذكر عندهم ما يشهد لها من جنسها ولأن قصة عيسى قيست على قصة آدم والمقيس عليه لابد وأن يكون معلومًا لتتم الحجة
بالقياس فكانت قصة آدم والسورة التي هي فيها جديرة بالتقديم.
وقد ذكر بعض المحققين من وجوه التلازم بين السورتين أنه قال في البقرة في صفة النار: أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة: 42] مع افتتاحها بذكر المتقين والكافرين معًا وقال في آخر هذه: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 331]. فكأن السورتين بمنزلة سورة واحدة، ومما يقوي المناسبة والتلازم بينهما أن خاتمة هذه مناسبة لفاتحة تلك لأن الأولى افتتحت بذكر المتقين وأنهم المفلحون وختمت هذه بقوله - تعالى -: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران: 031، 022].
وافتتحت الأولى بقوله - تعالى -: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [البقرة: 4] وختمت آل عمران بقوله- تعالى -: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ [آل عمران: 991] وقد ورد أن اليهود قالوا لما نزل مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ [البقرة: 542، والحديد: 11]
يا محمد، افتقر ربك يسأل عباده القرض فنزل: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران:
181] وهذا مما يقوى التلازم أيضًا، ومثله أنه وقع في البقرة حكاية قول إبراهيم: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ [البقرة: 921] وهنا لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ [آل عمران: 461] إلى غير ذلك.
وقال العلامة البقاعي في «نظم الدرر»: ومناسبة هذا الأول (آل عمران) بالابتدائية لآخر ما قبلها (البقرة) أنه لما كان آخر البقرة في الحقيقة آية الكرسي وما بعدها إنما هو بيان، لأنها أوضحت أمر الدين بحيث لم يبق وراءها مرمى لمتعنت، أو تعجب من حال من جادل في الإلهية أو استبعد شيئًا من القدرة ولم ينظر فيما تضمنته هذه الآية من الآدلة مع وضوحه، أو إشارة إلي الاستدلال على البعث بأمر السنابل في قالب الإرشاد إلى ما ينفع في
اليوم الذي نفى فيه نفع البيع والخلة والشفاعة من النفقات، وبيان بعض ما يتعلق بذلك، وتقرير أمر ملكه لما منه الإنفاق من السماوات والأرض، والإخبار بإيمان الرسول واتباعه بذلك، وبأنهم لا يفرقون بين أحد من الرسل المشار إليهم في السورة وبصدقهم في التضرع برفع الأثقال التي كانت على من قبلهم من بني إسرائيل وغيرهم، وبالنصرة على عامة الكافرين، لما كان ذلك على هذا الوجه ناسب هذا الاختتام غاية المناسبة ابتداء هذه السورة بالذي وقع الإيمان به - سبحانه وتعالى -، وأحسن منه أنه لما نزل إلينا كتابه فجمع مقاصده في الفاتحة على وجه أرشد فيه إلى سؤال الهداية ثم شرع في تفصيل ما جمعه في الفاتحة، فأرشد في أول البقرة إلى
أن الهداية في هذا الكتاب وبيّنَ ذلك بحقية المعنى والنظم كما تقدم ـ إلى أن ختم البقرة بالإخبار عن خُلّص عباده بالإيمان بالمنزل بالسمع والطاعة، وأفهم ذلك مع التوجه بالدعاء إلى المنزل له أن له - سبحانه وتعالى - كل شيء وبيده النصر، عُلم أنه واحد لا شريك له حيّ لا يموت قيوم لا يغفل وأن ما أنزل هو الحق، فصرح أول هذه (آل عمران) بما أفهمه آخر تلك (البقرة)، كما يصرح بالنتيجة بعد المقدمات المنتجة لها فقال: (الله) أي الذي لا يذل من والاه ولا يعز من عاداه
لأن له الإحاطة بجميع أوصاف الكمال والنزاهة الكاملة من كل شائبة نقص.