سورة عبس ( 2 )

 

يقول الله - تعالى -: قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23) فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلاً (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ (32) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ 34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38)

ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أَوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ [عبس: 17-

42].

 

تفسير الآيات

قوله - تعالى -: قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ المرادُ بالإنسان هنا الكافر، بدليل تعجب الله - سبحانه - من كفرِ هذا الإنسان: مَا أَكْفَرَهُ أي: ما أعظم كفره! أو ما أكثر كفره! في حين أنّ دلائل الإيمان ماثلةٌ أمام عينيه، لا تخفى

على مَن كان له أدنى نصيب من نور البصيرة، وقوله - تعالى -: قُتِلَ الإِنْسَانُ دعاءٌ عليه بالموتِ والهلاك، ودعاءُ الله قضاء محكم، وأمر مُبرم. وقوله - تعالى -: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ تنبيهٌ للإنسان الكافرِ على أصل نشأته، الذي هو دليلٌ واضحٌ على وجود خالقه، واستحقاقه للعبادة، مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ، وهذه الآياتُ كقوله - تعالى -: يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: 6 - 8]، وقوله - تعالى -: فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ [الطارق: 5- 7]، وقوله - تعالى -: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون: 12- 14]، أفلا يدلّ ذلك على وجود اللطيف الخبير؟! قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ.

وقولُه - تعالى -: ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ اختلف العلماء في المراد بالسبيل، فقال بعضهم: السبيل هنا هو طريقُ خُروجِه من بطنِ أُمّه إلى هذه الدنيا، فتأمّل كيف يكونُ الجنين في بطن أمه قاعدًا رَأْسُه إلى أعلى، فإذا جاء وقت خروجه

انقلب على رأسه فكان إلى أسفل، حتى يخرج به، وتأمل كيف يتسع هذا المكان الضيق حتى يسمح بخروج مثل هذا الرأس منه، ولولا أنّ الله يسّره ما تيسّر.

وقال بعضُ العلماء: المراد بالسّبيل هنا طريق الخير وطريق الشّر، كما قال –تعالى-: إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان: 2، 3]، وكما قال - تعالى -: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد: 10]، أي بينا له الطريقين: طريق الخير وطريق الشر. وكلا القولين مقبول، وكلاهما مراد، لأنّ الله - تعالى -عمّ ولم يخصّص.

وقولُه - تعالى -: ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ، وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلاً [آل عمران: 145]، فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف: 34]، وقد أكرم اللهُ الإنسان «فأقبره» بعد موته، وجعل دَفْنَه

فَرْضًا على الأحياء، ولم يشأ الله - سبحانه - أن يجعل الإنسان بعد موته كسائر الميتات تُلْقَى على القمائم ونحوها فتأكلها السباع، وهذا مِنْ إكرام الله –تعالى- للإنسان، وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً [الإسراء: 70]. وقوله - تعالى -: ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ أي: بعثه بعد موته، والبعث والنشور واحد، قال الله - تعالى -: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ [الروم: 20]. وقوله - تعالى -: كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ فيه للعلماء قولان: الأوّل: أنّ الإنسان لم يقم بما أمره الله به حقّ القيام، بل هو مقصر أبدًا، وتقصير العاصي ظاهر، أما المطيعُ فإنّه مهما اجتهد في الطاعة فهو مقصرّ، لأن حقّ الله

عظيم، وقد أعلم اللهُ عباده بذلك فقال في آخر سورة المزمل: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا، ثم قال - سبحانه -: وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ [المزمل: 20]، فإنكم مقصرون وإنْ أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة، وأقرضتم الله قرضًا حسنًا، وقرأتم القرآن، فإنكم مقصرون، فاستغفروا الله.

بل أصرحُ من ذلك أنّ الله - تعالى -جمع بين الأمر بالاستقامة والأمر بالاستغفار، فقال: فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ [فصلت: 6].

والقول الثاني: أن قوله - تعالى -: كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ متعلّق بما قبله، وهو قوله - تعالى -: ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ والمعنى: أنه لم يتمّ بعدُ ما سبق به قضاءُ الله مما أمر أن يكون، فلذلك لا ينشر الناس ولا يبعثهم ولم يقضِ ما أمره، بل يؤخّر بعثهم حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً، ويومها يتحقق وَعْدُ الله بالبعث والنشور.

قال العلماء: في هذه الآيات إشارةٌ إلى الاستدلال بالنشأة الأولى على إمكان الثانية، كما قال - تعالى -: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ [الواقعة: 62]، وقد سبق بيان ذلك قريبًا، وقوله - تعالى -: فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أي ليتأمل فيه كلما قُدم له، ولينظر في الخطوات التي قطعها خطوةً خطوةً حتى وصل إليه في هذه الحال التي هو عليها بين يديه، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا أي: أنزلناه من السماء على الأرض، ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا، فشقّ الماءُ الأرض وتخلّل تربتها، فنبت الحبُّ والمودعُ فيها وارتفع حتى شقّ الأرض وظهر عليها، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا والحبّ والعنبُ معروفان، أما القضبُ فهو النباتُ الذي يؤكلُ رطبًا غضًا، ويُقْطعُ مرةً بعد أخرى، وجذوره في الأرض، كلما قُطعَ عاد، وهكذا، وقوله - تعالى -: وَزَيْتُونًا وَنَخْلاً (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا أي: كثيرةً الأشجار، قد التفّ شجرها بعضُه على بعض، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا والأبُّ: هو ما يخصّ البهائم مما ينبت في الأرض، مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ.

قوله - تعالى -: فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ: الصاخة هي صيحة يوم القيامة، هي النفخة التي ينفخها إسرافيل - عليه السلام -، سُميت كذلك لأنها تَصُخُّ الآذان من شدّتها، وتَحدُثُ بسببها أهوالٌ عظام تجعلُ الإنسانَ ينشغل بنفسه عن أقربِ الناس منه، وأحبّهم إليه، ولذا قال - تعالى -: فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ قال العلماء: بدأ الله - سبحانه - بذكر الحبيب ثم الأحبّ، فالأخُ حبيب، لكنّ الأبوين أحبّ، والزوجة أحبّ منهما، وأحبّ منها البنون، فإذا فرّ الإنسان من بنيه وهم أحبّ شيء إلى نفسه فلن يسأل عن غيرهم، لأنه قد أتاه ما يَشْغَلُه بنفسه عن كل شيء، ولذا قال - تعالى -: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ حتى إنّ الإنسان لينشغل بنفسه عن رؤية من حوله، ولذا لما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يُحْشَرُ الناس يومَ القيامة حفاةً عراةً غرلاً». قالت عائشة - رضي الله عنها -: يا رسول الله، النساء والرجال جميعًا، ينظر بعضهم إلى بعض ؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: «يا عائشة، الأمرُ أشدّ من أن ينظر بعضهم إلى بعض». لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ.

الله أكبر! ما أشدّ هول هذا اليوم! أيّ هولٍ هذا الذي يعمي الإنسان حتى لا يرى مَنْ حوله ولا يعرفهم! نسأل الله السلامة والعافية.

وقوله - تعالى -: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أَوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ أي أنّ النّاس في هذا الموقف يكونون قسمين: وجوهٌ مسفرةٌ أي: مستنيرة، ضاحكة مستبشرة أي مسرورة فرحة، ووجوهٌ مسودة عليها غبرة ترهقُها قترة، عياذًا بالله.

وهذه الآيات كقوله - تعالى -: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ

بِهَا فَاقِرَةٌ [القيامة: 22- 25]، وقوله - تعالى -: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران: 106]، وقوله - تعالى -: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (5) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (6) لاَ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ [الغاشية:2-10].

نسأل الله أن يبيض وجوهنا، ويثقل موازيننا، ويجعلنا من ورثة جنة النعيم.

 

 http://www.altawhed.com                     المصدر: