أطفالنا .. والقراءة ؟
د.قذلة بنت محمد القحطاني
تكوين عادة حب القراءة في نفوس أطفالنا أمر ليس باليسير، و هو في ذاته في غاية الأهمية، إذ أن القراءة طريق بإذن الله لطلب العلم، و هي منهج لعلماء و أئمة الدين في حياتهم، الواحد منهم يقرأ بالساعات الطوال، ولن يتحقق ذلك خصوصاً إذا كان الوالدان لا يحبان القراءة، و للأسف فإن هناك مقولة غدت تطلق علينا بأننا شعوب لا تقرأ.
فما مدى صحة هذه العبارة؟ و إذا كانت صحيحة إلى حد ما... فكيف لنا أن نجنب أطفالنا عواقبها و آثارها؟
إذا نظرت إلى الواقع من حولك تشاهد بيوتاً خالية من الكتب، كتب مصفوفة للديكور والزينة، كتب تراكم عليها الغبار، لا يعرف ما بداخلها، و لعله من الأفضل أن يتم البحث عن أحد المحسنين والمتطوعين لحملها و وضعها في مكان يتم الاستفادة منها، لأنها أصبحت في المنزل لا مكان لها، و خصوصاً بعد امتلأت كثيراً من هذه البيوت والفلل الراقية بالتحف والصور و ربما التماثيل المحرمة.
فضائيات، فيديو، إنترنت، ألعاب كمبيوتر... كل ذلك لم يترك مجالاً الكتب والقراءة حتى عند الكبار، فكيف بهؤلاء الأطفال الذين بهرتهم تلك الأشياء واستولت على عقولهم و أوقاتهم و شغلتهم حتى عن طعامهم و نومهم؟
ما هو الحل لنحبب لأطفالنا القراءة، و نجعلهم يتلذذون بها، بل تصبح جزء لا يتجزأ من حياتهم؟ و إني لأعرف بعض الأشخاص قد أصبحت القراءة حاجة أساسية كحاجته للطعام والشراب، بل إنه يجد عند تركها ألماً كألم الجوع والعطش!
إن الأمر يحتاج إلى تعاون و تضافر للجهود و دور يقوم به الأفراد والمؤسسات، و أول مسؤول في هذا هما الوالدان والمعلمون والمعلمات، خصوصاً معلمي اللغة العربية ـ و هم من طال تذمرهم من ضعف الثقافة المعرفية والحس اللغوي عند الطلاب....
وهذا الدور يتمثل في:
ـ الحث على القراءة و بيان فوائدها و آثارها واختيار مثل هذه المواضيع التي تغذي عند القارئ القدرة على التعبير والإملاء.
ـ تقديم المكافآت لرواد المكتبات المدرسية، والثناء عليهم أمام جميع الطلاب.
ـ تكوين مكتبة منزلية للطفل في غرفته، و لتكن عامرة بالجديد والجذاب و تمكين الطفل من ترتيبها، و تنظيمها.
ـ كذلك تهيئة مكان جيد و مريح للقراءة في ساحة المنزل.
ـ القراءة مع الأطفال، و ذلك لأخذ القدوة من الوالدين والتعود على القراءة.
ـ عمل اشتراك للطفل في مجلة هادفة أو برنامج قراءة و ليكن باسمه و يصل إلى مدرسته إن أمكن.
ـ لا نطلب المثالية في أطفالنا فنرضى باليسير، فسيأتي اليوم الذي يقرؤون بشغف إن هم أحبوا القراءة.
ـ الصبر على عبثهم مع التوجيه الدائم باحترام الكتب والمحافظة عليها و إخضاعه لعقوبات تتمثل في حرمانه من نزهة يحبها إن عبث بالكتب.
ـ كثرة زيارة المكتبات العامة واصطحاب الأطفال إليها للقراءة، إن وجدت.
ـ شراء الكتب والقصص التي يحبونها بشرط ألا تحوي أفكاراً منحرفة، و ترك الفرصة لهم أحياناً ليختاروا ما يعجبهم من المكتبة مع الإشراف والتوجيه.
ـ و ليت الأسرة اليوم توفر شيئاً و لو قليلاً من المبالغ التي تصرف في مدائن الألعاب، و أماكن الترفيه، واللعب، والمطاعم، لشراء كتب و قصص نافعة يقرؤوها الأولاد.
ـ القراءة بصوت عال أحياناً من قبل الوالدين ليسمع أطفالهم ما يقرؤونه، و هذا يحتاج إلى فن في الإلقاء والتشويق ليقبل عليه الأطفال و يجذب انتباههم.
ـ يطلب من الطفل أن يقرأ للوالدين قصة أو مقالاً مع تشجيعه والإنصات له.
ـ إعطاء الطفل فسحة من الوقت ليقرأ.
ـ ليكن هدف المربين الأول هو ترغيب الطفل في القراءة، والسعي لتحقيق هذا الهدف بكل الوسائل، وليحرص المعلمون والمعلمات في الصفوف المبكرة على تخصيص وقت للقراءة الحرة داخل الفصل، واستغلال أوقات الفراغ في زيارة المكتبة المدرسية، و عرض مجموعة من القصص التي تناسب سنهم و طلب القراءة منهم مع إجراء بعض الوسائل المرغبة في القراءة.
كطرح سؤال مثلاً: استخراج اسم ولد ورد في القصة أو اسم جديد أو كلمة تبدأ بحرف كذا....
ـ إثارة الحماس بينهم و يمكن تقسيمهم إلى مجموعات.
ـ و من الوسائل أيضاً ترك الفرصة لمعلمي الصفوف المبكرة لابتكار أنواع من الأنشطة في هذا الشأن، و عدم حصرهم في إتمام المنهج الدراسي فدورهم أعظم، و ليشجعوا من قبل المشرفين و أولياء الأمور.
ـ إقامة معرض كتب داخل المدارس بين آونة و أخرى، و عرض الجديد والمفيد، و إقامة معارض على مستوى الأحياء و مكاتب الإشراف التربوي.
هذا فيما يخص الأفراد، وأما المؤسسات فلتسع جاهدة لإقامة مكتبات للطفل في كل حي و شارع يمارس فيها الطفل هواية القراءة بكل حرية و دون قيد و لا شرط، و يمكّن فيها من الاستعارة بإشراف والديه.
و نستطيع القول جازمين إن مكتبات الطفل لم تحقق إلا نسبة ضئيلة من الواقع المأمول، فهي لا توجد إلا في بعض المناطق... والطفل فيها يخصص له يوم أو يومان فقط... و يفرض عليه المشاركة في أنشطة ربما لا يرغبها، و باقي الأيام يمكّن فيها من الحضور، فمتى يتعلم أطفالنا القراءة إذن؟
لذلك من الدور المأمول من المؤسسات تكوين لجان لدراسة " ماذا يقرأ أطفالنا " لشحذ الهمم واستقطاب المواهب والطاقات لتأليف قصص إسلامية و إخراج عمل متكامل مدروس بضوابط الشرع، بدلاً من قصص السحر والشعوذة والخرافة التي تمتلئ بها المكتبات، و بدلاً من قصص تهدف إلى ربح مادي على حساب عقول أبنائنا و بناتنا.
أخيراً نعود فنقول:
القراءة... القراءة... فهي طريق الإبداع والتفوق بإذن الله... و هي في الوقت نفسه تحتاج إلى صبر و مجاهدة، لتعود بعد ذلك لذة و أنساً، قال يحيى بن أبي كثير: " لا ينال العلم براحة الجسم".
و يقول ابن الجوزي ـ - رحمه الله - ـ: " تأملت عجباً، و هو أن كل شيء نفيس خطير يطول طريقه، و يكثر التعب في تحصيله ".
فإن العلم لما كان أشرف الأشياء، لم يحصل إلا بالتعب والسهر والتكرار و هجر اللذات والراحة.
3/5/1428 هـ