إيران بين فرض الحجاب وانتهاك العفة!

صباح الموسوي

24 رجب 1428هـ الموافق له 7- 8- 2007م

تشهد شوارع العاصمة طهران وسائر المدن الإيرانية الكبرى حملة ما يسمى بفرض قانون الحجاب، وقد صاحب هذه الحملة التي مر على بدئها أكثر من شهرين جدل واسع حول جدوى الطريقة التي يجري التعامل بها مع النسوة اللواتي يتم إيقافهن بسبب عدم التزامهن بتطبيق الحجاب، حيث تقوم جماعات الباسيج (مليشيات التعبئة الشعبية)، وقوى الشرطة المكلفة بالأمر؛ باستخدام العنف يصل حد الاعتداء بالضرب المبرح ضد من يتم إيقافهن، إضافة إلى الاعتقال الهمجي، ونقلهن إلى مراكز الاعتقال بصورة مسيئة جداً، مما يتسبب بإهانة كرامتهن أمام الرأي العام بطريقة بعيدة كل البعد عن الهدف المعلن من الحملة وهو فرض الحجاب كما يقال.

وفي إطار هذه الحملة شوهد عناصر متطرفة تقوم برش مادة الأسيد على النساء المتبرجات، وتهاجم الأقسام الداخلية للجامعات، وتقوم بضرب الطالبات، وتقوم كذلك بمهاجمة الحفلات الاجتماعية.

وقد انتقدت أوساط سياسية ودينية إيرانية عديدة الأسلوب المتبع في تطبيق ما يسمى بإجراءات فرض الحجاب قائلة: "أن الله فرض الحشمة والعفة على المرأة قبل الحجاب، وإن ما تقوم به الأجهزة المعنية من تعامل مع النساء اللواتي لا يلتزمن بتطبيق الحجاب يعد انتهاكاً لحشمة هؤلاء النسوة".

وكانت هذه الحملة قد تزامنت مع تصريحات وزير الداخلية مصطفى بور محمدي الذي دعى فيها إلى ترويج ما اسماه بثقافة (زواج) المتعة في المجتمع الإيراني، وهي دعوة سبق وأطلقها قبل أكثر من خمسة عشر عاماً مضت رئيس الجمهورية الإيرانية الأسبق، والرئيس الحالي لمجلس تشخيص مصلحة النظام علي أكبر هاشمي رفسنجاني الذي أكد فيها على لزوم دعم الحكومة لمسألة (زواج) المتعة أو ما يعرف بالزواج المؤقت كطريقة لحل المشاكل الجنسية للشباب حسب قوله.

وجاءت دعوة رفسنجاني هذه عقب انتهاء الحرب مع العراق التي خلفت أعداداً كبيرة من الأرامل، إضافة إلى ارتفاع نسبة البطالة، وتفشي حالة الفقر المعاشي؛ الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه آنذاك أمام مافيا الدعارة للاستفادة من الضوء الأخضر الذي منحه إياها الشيخ رفسنجاني لتقوم بعملها بفتح سوق الاتجار بالرقيق الأبيض تحت يافطة (زواج) المتعة.

وقد ساهمت الحماية الحكومية لمهنة ما بات يعرف في إيران بالدعارة المشرعنة (المتعة) في ارتفاع نسبة العاملات في هذه المهنة إلى 20% بحسب إحصائيات مراكز الدراسات الاجتماعية الممولة حكومياً.

في حين ترى مصادر إيرانية مستقلة إن النسبة أكبر من ذلك بكثير، غير أن المسؤولين لا يعلنون الحقيقة، ويعتقد المعارضون لهذا الأمر أن العمل في هذه المهنة يتجه نحو وقوع كوارث غير قابلة للتعويض في المجتمع الإيراني المحافظ.

ويؤكد أولئك المعارضون أن نسبة الممارسين للمتعة من الرجال المتزوجين أكثر من غيرهم، حيث تظهر الأرقام الرسمية أن نسبة الرجال المتزوجين الممارسين للمتعة تبلغ الأربعين بالمئة، مقابل نسبة العشرين بالمئة للرجال العزاب، وهنا يطرح المعارضون سؤالاً على الداعين إلى ترويج ثقافة (زواج) المتعة عن طريقة حلهم لعدم التوازن الحاصل طالما أنهم يقولون: أن في ترويج المتعة حلاً للرجال والنساء العازبين، متسائلين إذا ما كان (زواج) المتعة حل شرعي في الأصل أم ترشيد للفحشاء؟.

ويرى المعارضون أن من أبرز ما خلفه ويخلفه ما يسمى بالزواج الموقت أو (المتعة) هو تصاعد أعداد الأطفال المتولدين من (المتعة)، والذين ترفض السلطات الرسمية الإعلان عن أعدادهم الحقيقية، حيث يفتقد أكثرهم بطاقة هوية الأحوال المدنية، وليس هناك مكان للشك أنه وكما هو في دول العالم الأخرى فإن شبكات مافيا المخدرات، وجرائم القتل والسرقات، وغيرها من الجرائم الأخرى؛ تجند عناصرها من بين هؤلاء الأطفال الضائعين.

وعلى الرغم من دعم السلطات الرسمية لثقافة (زواج) المتعة إلا أن ذلك لم يمنع بعض التيارات المتشددة من القيام بالاعتداء، وقتل النسوة الشاغلات في هذه المهنة؛ مثلما حدث في مدينة مشهد قبل أكثر من عامين، حيث قام أحدهم بقتل أكثر من ستة عشر امرأة، وكذلك فعل شخص آخر في مدينة كرمان.

ويقول المعارضون: إن هذه الجرائم تتم على أيدي ما يعرف بالعناصر المدنية المنظمة، والتي تنتمي للأجهزة الأمنية السرية؛ التي غالباً ما يجند بعضها عناصره من بين فاقدي الهوية أو ما يسمون بأبناء المتعة، أضف إلى ذلك أن إفرازات زواج المتعة ليس ظاهرة أطفال الشوارع، وفاقدي الهوية وحسب؛ بل أن أحد أهم إفرازات هذه المهنة هو ضياع النساء اللواتي تنتهي مدة عقدهن وبقائهن من غير معيل، وانجرار أغلبهن إلى الانحراف والسقوط في مستنقع الرذيلة، وهذا ما أكده الدكتور "علي مهدوي" أحد الأخصائيين الاجتماعيين، وأستاذ جامعة طهران في لقاء له مع صحيفة "اعتماد"، فهو يؤكد أن قبول النساء بزواج المتعة في الأغلب يعود إلى فقدانهن المعيل والحماية الاجتماعية, وأن اغلب النساء المطلقات أو الأرامل يقبلن على (زواج) المتعة مع العزاب من الشباب من أجل الحصول على معيل، إلا أن اتساع هذه الظاهر في مجتمع ما زال يعد بكارة الفتاة شرطاً للزواج، ولا يعترف بأولاد المتعة أبناء شرعيين؛ قد أدى إلى حدوث اضطراب واختلال في موازين المجتمع الإيراني.

ويضيف أستاذ الاجتماع ذاته أن (زواج) المتعة قد استغل من قبل الرجال المتزوجين، وهيأ لهم الأرضية لممارسة غرائزهم الجنسية مع نساء أخريات، مما جعل هذه المهنة تكون السبب الرئيسي في أغلب الاختلافات العائلية التي تؤدي إلى الطلاق، الأمر الذي أدى بدوره إلى تصاعد حالات الطلاق، وكثرة أعداد المطلقات اللواتي مع الزمن يتحولن إلى ممارسة مهنة زواج المتعة.

من جهة أخرى فإن المشاكل المعيشية الناجمة عن البطالة والفقر لا تعطي للرجال فرصة الزواج الدائم، وبناء حياة أسرية مستقرة، وهذا ما أدى بدوره أيضاً إلى زيادة في أعداد العوانس والنساء اللواتي يقبلن على ممارسة مهنة (زواج) المتعة.

وبما أنه لا توجد هناك إرشادات وتعليمات لمنع الحمل والإنجاب، كما لا توجد قوانين وتشريعات لحماية مثل هذه الرابطة الجنسية؛ فقد أدى هذا الأمر إلى اتساع رقعة الفحشاء، وتزايد أعداد أبناء المتعة، مما أصبح يهدد بتحطيم البناء الاجتماعي للشعب الإيراني.

ويؤكد الدكتور مهدوي أن الأطفال الذين يولدون عن طريق (زواج) المتعة فإنهم بعد انقضاء مدة الاتفاق بين أبويهما يبقون من دون راعي أو معيل، ويصبحون في أغلب الأحيان من دون هوية لماذا؟ لأن الأب قد تركهما، والأم بقيت مع طفل محروم من أدنى حقوقه المدنية المتمثلة بالهوية أو الجنسية، وأن آباء هؤلاء الأطفال يتجهون إلى عقد زواج مؤقت آخر مستغلين عدم وجود ضوابط محددة لهذا الأمر.

وهكذا تستمر الحالة بالدوران دون أي التزام أو مسؤولية من الآباء لأطفالهم الذين هم ثمرة هكذا جرائم ترتكب باسم (زواج) المتعة، يذكر أن وزير الداخلية الإيراني مصطفى بور محمدي - وبعد الانتقادات التي واجهها من الأوساط الاجتماعية المحافظة - عاد وتنصل عن تصريحه الأول الداعي إلى دعم ثقافة مهنة ممارسة المتعة قائلاً: "إنه قد أسيئ فهم القصد من حديثه في هذا الشأن".

غير أن ذلك لم يمنع الأوساط السياسية والاجتماعية من الاستمرار في الجدل حول هذا الموضوع، حيث تتساءل هذه الأوساط عن جدوى فرض الحجاب بالأساليب العنيفة المتبعة حالياً من قبل السلطات الحكومية ما دام أن هذه السلطات ذاتها هي من يقوم بالتشجيع على انتهاك حشمة وعفة المرأة الإيرانية من خلال دعوتها إلى ممارسة مهنة (الزواج) المؤقت أو ما بات يطلق عليه بالدعارة المشرعنة.

فكثيراً ما يشاهد أن اللواتي يمارسن المتعة في شوارع مدن مشهد وقم، وفي مناطق شاه جراغ بمدينة شيراز، وفي مدينة ري وشاه عبد العظيم، وشارع ولي عصر في طهران؛ أغلبهن من المرتديات للشادور، لكن ذلك الشادور لم يحفظ لهن حشمتهن وعفتهن، بل وفر لهن الحماية من ملاحقة القوات المكلفة بفرض الحجاب.

http://www.islammemo.cc:المصدر