ماذا بعد قبول السودان بقرار مجلس الأمن؟

18 رجب 1428هـ الموافق له 1- 8- 2007م

توم بيتر

محرر صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" الأمريكية

منذ اندلاع قضية إقليم دارفور السوداني وهي تمثل نموذجاً بحق للكيل بمكيالين من قِبل الأطراف الغربية تجاه قضايا المسلمين، فبينما تغض الدول الغربية طرفها عن جرائم "إسرائيلية" بحق الفلسطينيين، وأخرى أمريكية بحق العراقيين، نجد تلك الدول ذاتها تجعل من خلافات عابرة، ونزاعات معتادة؛ قضية دولية، ومأساة متجددة، تستصرخ من أجلها مشارق الأرض ومغاربها، متجاهلة صرخات الأبرياء في أنحاء الأرض.

وبينما نجد الأطراف المعتدية في العراق وفلسطين تستأسد على قرارات الأمم المتحدة، ولا تعبأ لها، نجد أن الأطراف المسلمة في قضايا دارفور وغيرها لا تجد بداً من الخضوع لقرارات مجلس الأمن حتى وإن سلبتها السيادة.

ولكن بعد هذه المقدمة هل تقترب قضية دارفور على الانتهاء بعد الموافقة السودانية على القرار الأممي بنشر قوة دولية في الإقليم؟

عن قرار مجلس الأمن والموافقة السودانية عليها كتب الصحفي "توم بيتر" في صحيفة "كريستان ساينس مونتور" مقالاً تعرض فيها للظروف التي ساعدت في إخراج هذا القرار.

يتساءل "بيتر" في بداية مقاله هل يقترب نزاع دارفور من نهايته بعد قرار مجلس الأمن الذي وافق عليه بالإجماع يوم الثلاثاء لنشر قوة حفظ سلام دولية يبلغ عدد أعضائها 26.000 في إقليم دارفور، وهو القرار الذي حصل على دعم حكومات السودان والصين المؤيدة للسودان، غير أن بعض المراقبين يقولون إنه لا تزال هناك فرصة للفشل.

ستتكون القوة بشكل كبير وأساسي من الأفارقة، وتشمل 20 ألف جندي عسكري، وستة آلاف شرطي، وستعرف باسم مهمة الأمم المتحدة الأفريقية في دارفور (UNAMID)، ومن المتوقع اختيار قادة تلك القوة بحلول شهر أكتوبر، حيث تحل محل القوة الأفريقية المنتشرة حالياً والبالغ عددها 7000 جندي أفريقي بحلول نهاية العام الجاري.

وفي الشهور الاثني عشر الأولى سوف تندمج قوات الأمم المتحدة مع قوات الاتحاد الأفريقية في مهمة مشتركة، ومن المتوقع أن تتكلف عملية القوات "المختلطة" في عامها الأول أكثر من ملياري دولار، ويسمح قرار مجلس الأمن لمهمة حفظ السلام باللجوء لاستخدام القوة لحماية أفراد المهمة، وحماية حرية الانتقال لموظفي الإغاثة وحماية المدنيين.

من جهته وصف "بان كي مون" الأمين العام للأمم المتحدة قرار الأمم المتحدة الخاص بتلك المهمة بأنه "قرار تاريخي ولم يسبق له مثيل"؛ وذلك لصدوره بعد أشهر من محاولة السودان التأكيد على قدرتها على حل قضية دارفور بدون أي تدخل خارجي، وقال "كي مون" في خطابه أمام مجلس الأمن: أنت (بهذا القرار) ترسل إشارة واضحة وقوية بشأن التزامك لتحسين حياة سكان المنطقة، وإنهاء هذا الفصل المأساوي في تاريخ السودان.

أما بالنسبة للصين، والتي كانت تمثل حاجزاً أمام قرارات مجلس الأمن بشأن دارفور؛ والتي تعد إحدى مؤيدي السودان الأقوياء، والمستهلك الأول لنفطه، وعلى الرغم من أنها اعترضت على المحاولات السابقة لإدانة السودان أو معاقبتها، أو إرسال قوات لحفظ السلام إلى هناك؛ إلا إنها وافقت على هذا القرار، ويرى المسئولون البريطانيون أن السبب وراء ذلك يرجع إلى تنظيم الصين الألعاب الأولمبية العام المقبل؛ الأمر الذي جعلها تؤيد هذا القرار على حساب مصالحها النفطية في السودان.

وعقب الموافقة على دعم قوة الأمم المتحدة في دارفور، وصف السفير الصيني لدى الأمم المتحدة "وانج جوانجيا" اتفاقية السلام كشرط أساسي لاستمرار الاستقرار في دارفور، وأكد جوانجيا على أهمية التنمية في السودان، مشيراً إلى أن ضعف التنمية هو جذر جميع مشاكل دارفور، وأضاف "جوانجيا": يجب على المجموعة الدولية أيضاً أن يكون لديها مخطط طويل المدى يعمل على وضع استراتيجية تنموية وتحديثية لإقليم دارفور بالتشاور مع حكومة السودان، والمساهمة كذلك في توفير تنمية اقتصادية واجتماعية للإقليم؛ من أجل تحسين حالة الناس، واجتثاث مصدر النزاعات والخلافات.

وبالرغم من أن القرار لم يذكر عقوبات محددة في حالة عدم التزام السودان، إلا إن رئيس الوزراء البريطاني جوردن براون هدد بفرض عقوبات إذا استمرت حوادث القتل والعنف، وتكشف صحيفة "ذا إندبندنت" أن براون أرسل "تحذيراً صريحاً" إلى الحكومة السودانية يحذرها من تكرار محاولاتها لمنع تدخل القوات الدولية في دارفور، ويحذرها من الاعتراض على قرارات الأمم المتحدة.

وجاء في هذا التحذير: يجب أن نكون واضحين، لو منع أي طرف حدوث تقدم، ولو استمرت حالات القتل؛ فأنا وآخرون سوف نكثف جهودنا لفرض العقوبات الأخرى، وأضاف براون: أنا لست مستعداً لترك هذه المأساة تستمر بدون توقف.

ويرى الأمين العام للأمم المتحدة "بان كي مون": أن تلك البعثة سوف تحدث "فرقاً واضحاً وإيجابياً" على الرغم من التنازلات العديدة التي كان لا بد منها لجلب السودان إلى منضدة المفاوضات، ومن تلك التنازلات إزالة بند التهديد بفرض عقوبات من قرار مجلس الأمن، وإزالة بنود حادة أخرى؛ حتى يوافق المسئولون السودانيون على التعاون.

ويقول وزير الخارجية السوداني: القرار عملي، ويأخذ بعين الاعتبار أغلب مخاوفنا، نحن مرتاحون كثيراً لهذا القرار، ويضيف "أكول": يمكننا أن نتعاون ونتعايش مع هذا القرار، مشيراً إلى أن الحكومة ليس لديها مشاكل مع جدول مواعيد الانتشار، والتي تتوقع أن تستغرق سنة حتى يتم تشكيل القوة بأكملها، ويتابع أكول: الآن بما أننا كنا جزء من المناقشة فإننا بالتأكيد سوف نتعاون مع هذا القرار.

وبينما يعبر الكثيرون عن أملهم أن تنجح القوة الأممية في إنهاء مشاكل دارفور إلا إن مراقبين يرون أن هذا القرار غير كافٍ، ولا يعدو كونه سوى الخطوة الأولى في طريق الحوار، ويشير السفير البريطاني لدى الأمم المتحدة "إمير باري" إلى أن حكومة السودان ومتمردي دارفور سبقوا أن انتهكوا قرارات مجلس الأمن قبل ذلك.

ويقول باري: أزمة دارفور لن تنتهي برفع 15 يداً في هذه الغرفة (مجلس الأمن)، المعاناة لن تنتهي بتصويتنا.

ويبقي أن نقول أن قرار مجلس الأمن لا يعدو في حقيقة الأمر سوى تنفيذ لرغبة الدول الغربية، ولا يمس في جوهر الأمر أرض الواقع؛ لهذا شددت صحيفة التايمز البريطانية على أن القوة الجديدة ستواجه مستنقعاً من العداءات والصراعات المتشعبة في أرض موحشة ووعرة.

وأضافت في تحليل لها عن الموضوع أن الانتماءات العشائرية والولاءات القبلية لم تعد عاملاً مهماً في توفير الحماية لسكان دارفور؛ بعدما انقلبت القرية على القرية المجاورة، والجار على جاره، والمسلم على أخيه المسلم.

وأشارت الصحيفة إلى الفراغ الذي تركه غياب الدولة، وعجز قوات حفظ السلام الأفريقية، والجو المليء بنعرات وعداءات ترجع إلى قرون خلت، لكنها تعالج الآن بأسلحة القرن الحادي والعشرين، فمشكلة إقليم دارفور لن تحل بقوة أممية، ولم تكن في حاجة يوماً إلى هذا الضجيج، بل كانت في حاجة إلى دعم يقدم إلى الحكومة السودانية حتى تنتهي تلك الأزمة.

http://www.islammemo.cc:المصدر