التجاوزات في العلاج النفسي تحت مسميات غريبة

د. إبراهيم الخضير، استشاري الطب النفسي

 

 قبل فترة قصيرة عرضت علي إحدى الطبيبات اللاتي تعملن في الطب النفسي شهادات من شيء يطلق عليه معهد، يعطي دورات في علاجات نفسية حديثة، وكل ما عليك هو أن تذهب إلى أحد الدول الخليجية المجاورة لمدة بضعة أيام أو إذا كان لديك وقت أسبوعين أو ثلاثة، تتعلم فيها أشياء عن العلاج الذاتي تحت مسميات مختلفة، المهم أنك في آخر الأمر تكتشف أنك كنت ضحية من ضحايا الشعوذة الحديثة التي بدأت الآن تتخذ أسماء أجنبية؛ سواء أوروبية أو آسيوية، المهم مصطلحات لا أحد يعرف من أين أتت، وكل شخص يفسرها حسب المصلحة التي تصب فيه هذا التفسير!

 

وأخيراً إحدى المجلات الخليجية نشرت تحقيقاً كاملاً عن هذا الموضوع، وتطرقت المجلة إلى "البرمجة اللغوية العصبية" والتي تحدثت عنها في ثمان حلقات في هذه الصفحة على مدى ثمانية أسابيع. الجديد في هذا الأمر أن المجلة التقت شيوخاً وأشخاصاً لهم معرفة شرعية، وسألتهم عن ما يعرف بالبرمجة اللغوية العصبية، وقد كان هناك شبه إجماع (من الأشخاص الذين تحدثوا للمجلة من ناحية شرعية) بأن مفهوم البرمجة اللغوية العصبية يحمل مفاهيم غربية وكلمات تحمل معها نقض أصول الإسلام، والتأويل الباطني للكتاب والسنة وتجديد أفكار ومعتقدات القدرية والمعتزلة بشكل عصري. كذلك قالت المجلة بأن البرمجة اللغوية العصبية تحمل معتقدات من أهل الوثنية وأشكال وأنواع السحر بدعوى الشفاء الذاتي، والقوة والحياة الجديدة الخ.. وأشكالا من الكهانة وادعاء الغيب والتعامل مع الجن بستار مغلف بجمل من الشريعة الغراء والتقية المقتبسة من مذاهب الباطنية المعروفة. وعند سؤال هذا الشخص عن بعض الأشخاص المنسوبين للدين "المتدينون" (حسب تعبير المجلة!) أكثر دفاعاً عن البرمجة اللغوية العصبية، أجاب المسئول بأن هؤلاء لديهم ثقافة عامة عموميات دينية، غير متأصلين وغير متعلمين ومتبعين لركب العلماء الربانيين، أصولهم الشرعية ضعيفة جدا، ولذا من السهولة أن يستجيبوا لكل دعوة ظاهرها الخير.

 

وحول هل تتوافق البرمجة مع مدلولاتها؟ كانت الإجابة: بأنها لا تتوافق مع مدلولاتها، لأنه إذا لم يتوافق اللفظ مع دلالة المعنى يسقط الاحتجاج به ويكون ضرباً من ضروب الدجل والكذب ومادة للثرثرة واستهلاكاً تجارياً لجيوب كثير من المغرر بهم. وواصلت المجلة وصفها للبرمجة اللغوية العصبية بأنها منهج بدعي جديد أغلب من دخله يرى أنه أفضل من، أو مساو للشريعة الغراء من جانب جلب السعادة والخير والطمأنينة النفسية للناس.. وأنهم ينكرون أشد الإنكار على من يبين وينصح لهم كيف وهم الذين يدعون لضبط النفس وسعادتها إلخ.. أما صاحب الحق يعرف عنه تواضعه وقبوله الحق وعدم معاندته.

 

وتواصل المجلة حديثها عن أصحاب البرمجة بأن أصحاب البرمجة يرفعون شعار «تأثير المعتقدات والأفكار» التي تصل إلى التأثير في الأشياء وإخراجها عن نطاقها المألوف في تحريك الأشياء عن بعد وأنك تشفي نفسك بدون علاج بل بالأفكار. يقول د. محمد التكريتي عن البرمجة اللغوية العصبية في العالم العربي في كتابه «آفاق بلا حدود» ص (144): (إن شخصًا شفُي من مرضه عندما اعتقد أن شفاءه في دواء معين مع العلم بأنه ليس دواء في الحقيقة). أما أكثر ما لفت انتباهي في هذا التحقيق في هذه المجلة عن كثرة استخدام العاملين في مجال البرمجة اللغوية العصبية لآية قرآنية شهيرة، حتى أنني عندما حضرت أحد المحاضرات لشخص مشهور في الرياض يعمل في البرمجة اللغوية العصبية، هذه الآية التي تقول «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» حتى إنني كنت أستغرب من كثرة استخدام المحاضر لهذه الآية في كل شيء! في كثير من الأحيان تستغرب ما علاقة هذه الآية الكريمة بما يرغب هذا الشخص إيصاله إلى المستمع؟ في المجلة كانت الإجابة بأن استخدام هذه الآية هو من التأويل المحرف في كتاب الله عن معناه المقصود والموجود في جميع كتب التفسير، إلا ماخلا من كتب أهل البدع التي لا يحتج بها، قال الله - عز وجل -: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»، أي لا يغير حال الناس حتى يغيروا أفكارهم واعتقاداتهم في أمر معين، وتفسير الآية عند ابن كثير وغيره: ليس من أهل قرية ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله فيتحولون منها إلى معصية الله ولا تحول لهم مما يحبون إلى ما يكرهون، والفرق بين قولهم وقول الحق أنهم يركزون على أن الاعتقاد كفيل بتغيير الواقع ولذا ترى أن حالهم لا يركز على الالتزام والاتباع وكذلك لا ترى ميزان أعمالهم إلا مشابهة للنصارى.

 

فهل يستضيفون في دوراتهم علماء المسلمين؟ لماذا لا يستضيفونهم كما يستضيفون أساتذة من الشرق والغرب؟ (هذا في تلك الدولة الخليجية وليس في المملكة) ثم إن دليلاً آخر يؤكد أن الاعتقاد لا يؤثر بتغيير النية كما يزعمون.. فهؤلاء خيرة الخلق.. الأنبياء يأتون يوم القيامة ولم يؤمن معهم أحد، فقد مكث النبي - صلى الله عليه وسلم - خير الخلق ثلاثة عشر عاماً في مكة ولم يغير من حال أقرب أقاربه وقومه مع أنهم أعظم الناس اعتقاداً وإيماناً وسلوكاً وتأييداً من الله.. ونوح الذي هو من أولي العزم من الرسل، قال - تعالى -: «وما آمن معه إلا قليل» في دعوة استمرت 950 سنة.

 

إن المعنى الحق هو التغير الشامل وتحقيق العبودية لا مجرد الاعتقاد..

 

http://www.alfowz.com              المصدر: