قصة تلقين الصحابي أبي أمامة
علي حشيش
نواصل في هذا التحذير تقديم البحوث العلمية الحديثية للقارئ الكريم حتى يقف على حقيقة هذه القصة التي اشتهرت على ألسنة كثير من القصاص والوعاظ عند موت أحد من المسلمين وتسوية التراب على قبره حيث يقومون على رأس قبره بتلقينه متخذين من هذه القصة دليلاً على شرعية هذا العمل، وإلى القارئ الكريم بيان حقيقة هذه القصة.
أولاً: المتن:
رُوي عن سعيد بن عبد الله الأزدي قال: شهدت أبا أمامة وهو في النزع فقال: إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نصنع بموتانا؛ أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة؛ فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة؛ فإنه يستوي قاعدًا، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة فإنه يقول: أرشِدْنا رحمك الله، ولكن لا تشعرون، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وأنك رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا وبالقرآن إمامًا، فإن منكرًا ونكيرًا يأخذ واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا؛ ما نقعد عند من قد لُقِّن حجته، فيكون الله حجيجه دونهما».
فقال رجل: يا رسول الله، فإن لم يعرف أمه، قال: «فينسبه إلى حواء؛ يا فلان بن حواء». اهـ.
قلت: فلينظر القارئ الكريم إلى هذا المتن وما وضع فيه من لفظ: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - » ليجعلوا التلقين للميت بعد الدفن أمرًا من الأوامر التي أمر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخذون منه مشروعية التلقين.
ثانيًا: التخريج:
هذا الحديث الذي جاءت به القصة الواهية أخرجه الإمام الطبراني في «المعجم الكبير» (8/298) (ح7979) قال: حدثنا أبو عقيل أنس بن مسلم الخولاني حدثنا محمد بن إبراهيم بن العلاء الحمصي حدثنا إسماعيل بن عياش حدثنا عبد الله بن محمد القرشي عن يحيى بن أبي كثير عن سعيد بن عبد الله الأزدي قال: شهدت أبا أمامة
وهو في النزع...القصة.
وأخرج هذه القصة أيضًا القاضي الخلعي في «الفوائد» (2/55) عن أبي الدرداء، هاشم بن محمد الأنصاري، حدثنا عتبة بن السكن عن أبي زكريا عن جابر بن سعيد الأزدي قال: دخلت على أبي أمامة الباهلي وهو في النزع، فقال لي: يا أبا سعيد، إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نصنع بموتانا فإنه قال... فذكره.
ثالثًا: التحقيق:
القصة واهية، والحديث الذي جاءت به منكر
1- فالطريق الذي جاءت به القصة عند الطبراني في «المعجم الكبير» أورده الإمام الهيثمي في «مجمع الزوائد» (3/45) عن سعيد بن عبد الله الأزدي قال: شهدت أبا أمامة... الحديث.
وقال: «رواه الطبراني في «الكبير» وفي إسناده جماعة لم أعرفهم».
2- الاختلاف في اسم الراوي عن أبي أمامة:
أ- ففي رواية الخلعي أنه جابر بن سعيد الأزدي.
ب- وفي رواية الطبراني أنه سعيد بن عبد الله الأزدي، وهذا أورده ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (2/1/76) فقال: «سعيد الأزدي» لم ينسبه لأبيه، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً، فهو في عداد المجهولين.
قلت: قد تبين من قول الإمام ابن أبي حاتم أن سعيد بن عبد الله الأزدي مجهول، ومن قول الهيثمي السابق أن في إسناد الطبراني جماعة آخرين مثله في الجهالة مما جعل الإمام النووي، يقول في «المجموع» (5/304) بعد أن عزاه للطبراني: وإسناده ضعيف، وقال ابن الصلاح: «ليس إسناده بالقائم». اهـ.
3- وطريق القاضي الخلعي في «الفوائد» يزيد طريق الطبراني وهنًا على وهن، حيث إن إسناده ضعيف جدًا ومظلم لما فيه من مجهولين، وعتبة بن السكن قال الدارقطني فيه: «متروك الحديث»، وقال البيهقي: «واهٍ منسوب إلى الوضع». اهـ.
4- وكذلك ضعفه الحافظ العراقي في تخريج الإحياء (4/330). وقال الإمام الصنعاني في «سبل السلام» (1/578): ويتحصل من كلام أئمة التحقيق أنه حديث ضعيف والعمل به بدعة ولا يغتر بكثرة من يفعله...
5- ولقد نقل الشيخ الألباني - رحمه الله - كلام أئمة التحقيق: الإمام النووي والإمام ابن الصلاح والإمام العراقي والإمام الهيثمي والإمام الصنعاني، ويتحصل من كلامهم أن الحديث الذي جاءت به القصة غير صحيح، ثم قال - رحمه الله -: «وجملة القول أن الحديث منكر». وذلك في «الضعيفة» (2/64) (ح599).
قلت: ثم قال الإمام الصنعاني في «سبل السلام» (1/577): «وقال في المنار: إن حديث التلقين هذا حديث لا يشك أهل المعرفة بالحديث في وضعه». اهـ.
كذلك قال الإمام ابن القيم في «الزاد» (1/145): «حديث لا يصح رفعه». اهـ. أي لا يصح نسبته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
فمسألة التلقين ليس لها أصل في السنة الصحيحة المطهرة.
ولذلك عندما سُئل الإمام أحمد بن حنبل عن مسألة التلقين قال: «ما رأيت أحدًا فعل هذا إلا أهل الشام». نقله ابن القيم في «الزاد» (1/145)، وما فعلوا ذلك إلا بحديث ابن عياش هذا الذي رواه الطبراني عن أبي أمامة». اهـ.
قلت: ولقد بينا أنه حديث منكر لا يشك أهل المعرفة بالحديث في وضعه، والقصة واهية «قصة تلقين الصحابي أبي أمامة بعد دفنه».
ومسألة التلقين ليست من السنة، ولكن كما بين الإمام الصنعاني في «سبل السلام» (1/577) أن مسألة التلقين «مسألة حمصيّة»، ولذلك قال كما بينا آنفًا: «ويتحصل من كلام أئمة التحقيق أنه حديث ضعيف والعمل به بدعة ولا يغتر بكثرة من يفعله».
رابعًا: الصحيح الذي جاء في السنة عند الفراغ من دفن الميت:
عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا فرغ من دفن الميت وقف
عليه فقال: استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل».
هذا الحديث: صحيح أخرجه أبو داود في «السنن» (2/70)، والبيهقي في «السنن» (4/56)، وعبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» (ص129)، والحاكم في «المستدرك» (1/370) وقال: «صحيح الإسناد، ووافقه الإمام الذهبي في التلخيص» وقال: النووي (5/292): «إسناده جيد».
قلت: وحاول البعض أن يجعل من حديث عثمان هذا شاهدًا لحديث التلقين الذي رواه الطبراني عن أبي إمامة، ويُرَدُّ على هذا الوهم بأنه لا شهادة فيه لا في اللفظ ولا في المعنى. فالمتن في حديث عثمان ليس فيه إلا الدعاء للميت بعد الفراغ من دفنه، والاستغفار له فلا شهادة فيه متنًا، ولا شهادة فيه سندًا، لأن سند حديث أبي أمامة في التلقين منكر، والحديث كما بينا آنفًا لا يشك أهل المعرفة بالحديث بوضعه.
خامسًا: حديث البَرَاء بن عازب:
ويحاول البعض أن يتخذ من حديث البراء بن عازب شاهدًا على التلقين ولا شهادة فيه، فالحديث مناسبته ومتنه لا تلقين فيهما.
1- أما المناسبة: فحديث التلقين المنكر في قصة أبي أمامة فيه: «إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل يا فلان بن فلانة... » الحديث.
وحديث البراء كانت مناسبته أن الجنازة انتهوا بها إلى القبر، واللحد لم يعد، والميت لم يلحد ولم يفرغوا من دفنه وجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجلس الصحابة حوله حتى يتم اللحد ودفن الميت ليقف عليه كما بيَّنا آنفًا في حديث عثمان بن عفان: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل».
قلت: هذه هي السنة العملية والقولية للنبي - صلى الله عليه وسلم - عند الفراغ من دفن الميت كان يقف
على القبر يدعو له بالتثبيت، ويستغفر له ويأمر الحاضرين بذلك، أما حديث البراء لم يلحد الميت، ولم يفرغوا من دفنه، وحتى يُعَدَّ اللحد، جلس النبي - صلى الله عليه وسلم – وجلس الصحابة حوله، والرسول - صلى الله عليه وسلم - كانت جلسته ذِكْرًا، فذكَّر الحاضرين بالموت وما بعده حتى ينتهوا من إعداد اللحد ويفرغوا من دفن الميت فيقوم - صلى الله عليه وسلم - على قبره.
وليس في حديث البراء شاهد على التلقين، وليس فيه دليل على ما يفعله البعض إذا فرغوا من دفن الميت من القيام على رأس قبره وإلقاء خطبة، وإلى القارئ الكريم حديث البراء قال: «خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولمَّا يُلحد، فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجلسنا حوله، وكأن على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكت في الأرض، فجعل ينظر في السماء، وينظر إلى الأرض، وجعل يرفع بصره ويخفضه، ثلاثًا، فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر، مرتين، أو ثلاثًا ثم قال:
اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر (ثلاثًا) ثم قال: «إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال على الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت - عليه السلام - حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة (وفي رواية المطمئنة)، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، فذلك قوله - تعالى -: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ، ويَخْرُجُ كأطيب رائحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان ابن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا فيستفتحون له، فيفتح
له، فيشيعه من كل سماء مقربوها، إلى السماء التي تليها، حتى يُنتهى به إلى السماء السابعة، فيقول الله - عز وجل -: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ فيكتب كتابه في عليين ثم يقال: أعيدوه إلى الأرض، مِنْهَا خَلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان يُجْلسَانه فيقولان له: ما هذا الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيقولان له: وما عملك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به، وصدَّقت، فينادي منادٍ في السماء: أن قد صدق عبدي فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك،
هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، ثم يفتح له باب من الجنة، وباب من النار، فيقال: هذا منزلك لو عصيت الله أبدلك الله به هذا فإذا رأى ما في الجنة قال: رب عجل قيام الساعة كيما أرجع إلى أهلي ومالي.
وإن العبد الكافر - وفي رواية الفاجر - إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح من النار، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده فينزعها كما ينتزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبلول، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان ابن فلان، بأقبح الأسماء التي كان يسمى بها في الدنيا،
حتى يُنتهى به إلى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له، ثم يقرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله - تعالى -: لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، فيقول الله - عز وجل -:
اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان يجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك، فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمه، فيقال: محمد، فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقال: لا دريت ولا تلوت، فينادي مناد من السماء: أن كذب فافرشوا له من النار وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي
كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، ثم يقيض له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة لو ضرب بها جبل كان ترابًا، فيضربه ضربة حتى يصير بها ترابًا، ثم يعيده الله كما كان فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين، ثم يفتح له باب من النار، ويمهد من فرش النار فيقول: رب لا
تقم الساعة. اهـ.
قلت: هذه قصة حال الإنسان إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال على الآخرة، كما بينها الحديث الصحيح ليس فيها تلقين.
وهذا الحديث الصحيح أخرجه أبو داود في «سننه» (2/281)، والطيالسي (ح753)، وأحمد (4/287، 288، 295، 296)، والسياق له، والحاكم (1/37 - 40)، وقال: «صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي، وهو كما قالا، وصححه ابن القيم في «إعلام الموقعين» (1/214)، و«تهذيب السنن» (4/337)، ونقل فيه تصحيحه عن أبي نعيم وغيره.
وبهذا يتبين أن حديث البراء ليس فيه دليل على التلقين ولا القيام بالخطابة بعد الفراغ من دفن الميت ومن اتخذ الحديث شاهدًا فلا شهادة فيه.
لذلك قال الإمام الصنعاني في «سبل السلام» (1/577):
1- وأما من جعل: اسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل شاهدًا لحديث التلقين فلا شهادة فيه.
2- وكذلك أمر عمرو بن العاص بالوقوف عند قبره مقدار ما تنحر جزور ليستأنس بهم عند مراجعة رسل به لا شهادة فيه على التلقين». اهـ.
هذا ما وفقني الله إليه لبيان نكارة التلقين وبدعة العمل به.
وهو وحده من وراء القصد.