بين أعيادنا وأعيادهم
د. عبد الرحمن العشماوي
قال لي صاحبي: لماذا تكثر الأعياد في العالم الغربي، وتتعدَّد المناسبات المبتهجة في بلادهم، ونحن محصورون في عيدين لا ثالث لهما؟ ألا يدلُّ وجود أعيادٍ كثيرة عندهم (عيد الأم) و(عيد العمَّال) و(عيد الحب) و(عيد الزهور) وغيرها من الأعياد، على أنَّهم استطاعوا أن يتخلَّصوا من سيطرة ما اعتادوا عليه، ويصنعوا لأنفسهم من المناسبات السعيدة المبهجة ما يشاءون؟ بينما يدلُّ وقوفنا - نحن المسلمين - على عيدين مشروعين، على سيطرةٍ كاملة لما تعوَّدنا عليه وتوارثناه.
قلت له: إني أعذر مراهقتك على هذا الفهم الخاطئ لمعنى العيد في حياة الإنسان بصفة عامة، ومعناه عندنا نحن المسلمين بصفةٍ خاصة، مع أنك في سنِّك التي تبارح العشرين جديرٌ بأن تكون على إلمام كامل بهذه المسائل المرتبطة بالدِين لا بالعادات المتوارثة والتقاليد المتعارف عليها.
إنَّ العالم الغربيَّ - بارك الله فيك - قد كسر كل الحواجز، وتجاوز كل الحدود، ونحَّى كلَّ التعليمات الدينية التي تضبط حياة الناس ضبطاً عقدياً وفكرياً وأخلاقياً تتميز به حياة الإنسان عن حياة الحيوان، فأوصله ذلك إلى الحيرة والضياع الروحي، والجمود العاطفي، وألقى به في مهاوي المادّيات التي حوَّلت الإنسان إلى ما يشبه الآلة الصمَّاء التي تعمل لتنتج وتعيش.
لقد أصبحت القيم والمعايير الأخلاقية مرهونة بالمصالح الشخصية، وصارت الشهوات، والرغبات هي الطريق الأمثل إلى تحقيق الذات، وصار الإنسان المتخلِّف عن هذه المسيرة المادية المتفلِّتة من القيم محكوماً عليه بالتخلُّف عن ركب المدنيَّة الغربية اللاهثة، وعن مسيرة الحياة الصاخبة ذات البريق الذي يخفي وراءه غياهب الحيرة والقلق والاضطراب.
هنا أصبحت روابط الأسرة مبتورة إلا من بقايا لا تكاد تراها العين، وصارت مشاعر الأخوَّة والأبوَّة والبنوَّة، والتكافل الاجتماعي باهتةً في قلوب أكثر الناس الذين يعيشون في ظل تلك الحياة المنحرفة عن منهج الله.
فكان لا بدَّ من إيجاد مناسبات تعوِّض ذلك النقص الخطير تعويضاً شكلياً مظهرياً لا روح فيه، لأن حقائق ما يحتفلون به في أعيادهم المصنوعة مطمورة تحت ركام المادِّية القاتلة التي يعيشونها.
لقد فقد العامل عندهم الإحساس بلذة العطف والمودة والرحمة في التعامل، وأصبح مطالباً - بلا هوادة - بعمل يؤديه كالآلة إذا كان يريد أن يعيش، وسيف الأنظمة المسلول يبرق حول رأسه، وإذا لم يتحوَّل إلى آلةٍ فإنَّ الأرصفة وأبواب الحانات ستكون كفيلةً به، فجاءت فكرة (عيد العمَّال) تعويضاً لهم وتعبيراً عن مناصرتهم من الظلم الذي يقع عليهم، وهو تعبير شكلي ومناصرة مظهرية، وقد فقدت الأم معنى التقدير والعناية بها ورعايتها فجاءت فكرة (عيد الأم) وفقد الناس رجالاً ونساءً معنى الحب الحقيقي - في الغالب - فجاءت فكرة عيد الحب، وهي فكرة قديمة تموت وتبعث حسب الحاجة.
أما نحن المسلمين فأنت أيها الفتى أدرى بقيمة الترابط الأُسري، وعمق العلاقة بين الآباء والأمهات والأولاد، وحقوق العمَّال على من يستعملونهم، وأنت أدرى بالأوامر الدينية الواضحة الموافقة للفطرة السليمة في ذلك كلِّه، وذلك يؤكد لك أن أعيادهم دليل على الخلل الذي يسري في حياتهم.
إشارة
عيد الفطر، وعيد الأضحى عيدان عظيمان مرتبطان بعبادتين عظيمتين.