النسيان في ضوء القرآن ( 2 )

 توفيق علي مراد

 

من أسباب النّسيان:

أولاً: استحواذ الشيطان على القلب:

قال - تعالى -: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المجادلة: 19].

الحوذ: أن يتبع السائق حوذ البعير، أي: أدبار فخذيه فيعنف في سوقه، يُقال: حاذ الإبل يحوذها أي: ساقها سوقاً عنيفاً.

وقال الأصمعي: الأحوذي: هو المشمِّر في الأمور القاهر لها الذي لا يشذ عنه منها شيء.

وقالت عائشة - رضي الله عنها -  عن عمر بن الخطاب: كان أحوذياً نسيج وحده)(4).

(غـلـب على قولهـم بوسـوستـه وتزيـيـنه حـتـى اتبعوه فـكان مسـتـويـاً عليــهم، فلم يمـكنهـم مـن ذكره -عز وجل -بمـا زيّـن لهـم مـن الشهوات، فهم لا يذكرونه أصلاً لا بقلوبهم ولا بألسنتهم)(5).

وقال -تعالى -: {فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} [يوسف: 42].

 

وقال -تعالى -: {مَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ} [الكهف: 63].

 

ثانياً: ترك التقوى:

قال -تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [الحشر: 18 - 19].

(أمر -سبحانه -بتقواه ونهى أن يتشبّه عباده المؤمنون بمن نَسِيَه بترك تقواه. وأخبر أنه عاقب من ترك التقوى بأن أنساه نفسه، أي: أنساه مصالحها، ونعيمها، فأنساه الله ذلك كله جزاء لما نَسِيَه من عظمته وخوفه والقيام بأمره)(6).

 

ثالثاً: الترف والنعيم:

قال -تعالى -: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} [الزمر: 8].

وإذا أصاب الإنسانَ بلاءٌ وشدة ومرض تَذكَّر ربه، فاستغاث به ودعاه، ثم إذا أجابه وكشف عنه ضرَّه، ومنحه نِعَمه، نَسِيَ دعاءه لربه في حال الرفاهية.

 

رابعاً: التمتُّع بالمال والعافية:

قال -تعالى -: {قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْماً بُوراً} [الفرقان: 18].

أي: طال عليهم العمر حتى نسوا ما أنزلته إليهم على ألسنة رسلك من الدعوة إلى عبادتك وحدك لا شريك لك، حتى ساروا هلكى لا خير فيهم(7).

 

* آثار النسيان:

 

أولاً: الاستدراج:

 

قال -تعالى -: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} [الأنعام: 44].

(أي: أعرضوا عنه وتناسوه وجعلوه وراء ظهورهم، «فتحنا عليهم أبواب كل شيء» أي: فتـحنا علـيهم أبـواب الرزق من كل ما يختارون)(8).

وهذا استدراج منه -تعالى - وإملاء لهم، عياذاً بالله من مكروه.

قال الحسن البصري -رحمه الله -: (مُكِرَ بالقوم وربِّ الكعبة، أُعطوا حاجتهم ثم أُخِذوا).

 

وقال قتادة -رحمه الله -: (بَغَتَ القوم أمر الله، وما أخذ الله قوماً قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله فإنه لا يغترّ بالله إلا القوم الفاسقون)(9).

 

ثانياً: ضعف الإرادة:

قال -تعالى -: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} [طه: 115].

(ولقد وصينا آدم، وأمرناه وعهدنا إليه عهداً يقوم به، فالتزمه وأذعن له، وانقاد، وعزم على القيام به ومع ذلك نَسِيَ ما أُمر به، وانتقضت عزيمته الـمُحكمة فجرى عليه ما جرى، فصار عبرة لذرِّيته وصارت طبائعهم مثل طبيعة آدم، فنَسِيَ، فنَسِيَت ذرِّيته، فخطئ فخطئوا، ولم يثبت على العزم المؤكد وهم كذلك، وبادر بالتوبة من خطيئته، وأقرَّ بها واعترف، فغفرت له، ومن شابَه أباه فما ظلم)(1).

(وعهد آدم كان الأكل من كل الثمار سوى شجرة واحدة، تمثل المحظور الذي لا بدَّ منه لتربية الإرادة وتأكيد الشخصية، والتـحرر من رغائـب النفس وشهواتها بالـقدر الذي يحفـظ للروح الإنسـانية حريـة الانطلاق من الضرورات عندما تريد، فلا تستعبدها الرغائب وتقهرها.

وهذا هو المقياس الذي لا يخطئ في قياس الرُّقي البشري، فكلما كانت النفس أقدر على ضبط رغائبها والتحكم فيها والاستعلاء عليها كانت أعلى في سُلّم الرُّقي البشريّ، وكلما ضعفت أمام الرغبة وتهاوت كانت أقرب إلى البهيمية وإلى المدارج الأولى.

من أجل ذلك شاءت العناية الإلهية التي ترعى هذا الكائن الإنساني أن تعده لخلافة الأرض باختبار إرادته وتنبيه قوة المقاومة فيه، وفتح عينيه على ما ينتظره من صراع بين الرغائب التي يزينها الشيطان، وإرادته وعهده للرحمن، وها هي التجربة الأولى تُعلن نتيجتها)(2).

 

* نسيان الرُّسل والأنبياء:

أولاً: نسيان آدم -عليه السلام -(3):

قال -تعالى -: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} [طه: 115].

ثانياً: نسيان موسى -عليه السلام -عهده مع العبد الصالح «الخضر»:

{قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً}. [الكهف: 73]

(أي: لا تُعَسّر عليَّ الأمر، واسمح لي، فإن ذلك وقع على وجه النِّسيان، فلا تؤاخذني في أول مرة، فجمع بين الإقرار به والعذر منه، وأنه ما ينبغي لك أيها الخضر الشدة على صاحبك، فسمح عنه الخضر)(4).

 

قـال القرطـبي -رحمه الله -: (فيه دليل على أن النِّسيان لا يقتضي المؤاخذة، وأنه لا يدخل تحت التكليف ولا يتعلق به حكم)(5).

 

ثالثاً: نسيان يوشع بن نون:

قال -تعالى - على لسان يوشع بن نون: {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً} [الكهف: 63].

(قال له خادمه: أَتذكُرُ حين لجأنا إلى الصخرة التي اسـترحنا عندها؟ فإني نسيت أن أخبرك ما كان من الحوت، وما أنساني أن أذكر ذلك لك إلا الشيطان، فإن الحوت الميت دبَّتْ فيه الحياة، وقفز في البحر، واتخذ له فيه طريقاً، وكان أمره مما يُعْجَبُ منه)(6).

 

رابعاً: نسيان نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -:

من ذلك:

1 ـ «...صلى الظهر خمساً»(7).

2 ـ «.. وقام في ثنتين من الظهر ونسيَ الجلوس»(8).

 

*النّسيان لا يجوز في حق الله:

قال -تعالى -: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} [مريم: 64].

وقال -تعالى -: {لا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} [طه: 52].

(أي: لا يشـذ عـنه شـيء، ولا يفـوتـه صـغـير ولا كبـيـر، ولا ينسى شيئاً، ويصف علمه -تعالى - بأنه بكل شيء محيط وأنه لا ينسى شيئاً ـ تبارك وتعالى، وتقدّس وتنزّه ـ، فإن علم المخلوق يعتريه نَقْصان:

 

أحدهما: عدم الإحاطة بالشيء.

والآخر: نسيانه بعد علمه. فنزّه نفسه عن ذلك)(9).

 

*علاج النّسيان:

أولاً: ذكر الله:

قال -تعالى -: {وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [الكهف: 24].

يؤخـذ من عمـوم النص: (الأمر بذكر الله عند النِّسيان، فإنـه يزيلـه، ويُـذكّر العــبد ما سَـهَا عنـه، وكذلك يؤمر السـاهي الناسي لذكر الله، أن يذكر ربه ولا يكونن من الغافلين)(10).

قال ابن عباس -رضي الله عنهما -: «في الرجل يحلف قال له أن يستثني ولو إلى سنة»(11).

 

ثانياً: الدعاء:

عـن الأعرج قال: سمعت أبا هريرة -رضي الله عنه -يقول: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يُكثر الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والله الـمَوْعِدُ، كنتُ رجلاً مسكيناً، أخدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصَّفْقُ بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من يبسط ثوبه فلن ينسى شيئاً سمعه مني»، فبسطت ثوبي حتى قـضى حـديـثه، ثم ضمـمته إليّ، فما نسيت شيئاً سمعته منه(1).

 

ثالثاً: الاستعاذة من الشيطان:

لقوله -تعالى -: {فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} [يوسف: 42].

رابعاً: ترك المعاصي:

وقد أشار إليه الإمام الشافعي -رحمه الله -حين قال:

شكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حفظي * * * فأرشدني إلى ترك المعاصي

وأخبرني بأن العلمَ نــــورٌ  * * * ونورُ الله لا يُهدى لعاصـي

وقــال:

سهري لتنقيح العلوم ألذُّ من * * * وَصْلِ غانية وطيب عنــــاق

ونقري لألقي الترب عن أوراقها * * * أبهى من الدوكاء(2) والعشاق

وأبيتُ سهران الدّجى وتبيته نوماً * * * وتبغي بعد ذاك لحــــاقي

 

خامساً: تفريغ القلب من الشواغل الدنيوية.

وهناك أمور أخرى تساعد على التذكر وعدم النِّسيان، منها:

ـ تكـرار قراءة الشيء بوعي، وخصوصاً القرآن الكريم؛ فإن القارئ الذي لا يتـعاهد القـرآن يتـفلت منـه، وقارئ القرآن لا يخرف.

ـ كتابة ما يريد حفظه أو تذكره، فتقييد العلم بالكتابة.

ـ التؤدة والـتأنِّي أو التمهُّل.

ـ الراحة العقلية والقلبية والبدنية: وعدم الإجهاد الذي يكون بإفراط، وفي أول الأمر وآخره. تجمع بين شيئين، الطاعة مع الاهتمام والجِدّ والاجتهاد فذلك يجعل الإنسان ذاكراً متذكراً.

 

* من فضل الله على الأمة الإسلامية:

أولاً: تعليمهم الطلب ليعطيهم، ويرشدهم للسؤال ليثيبهم:

قال -تعالى - على لسان المؤمنين: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286].

هذا تعليم للعباد كيف يكون الدعاء: (أي قولوا: «يا ربنا اصفح عنا، ولا تعاقبنا على شيء قصَّرنا فيه، أو أخطأنا في فعله على غير قصد منا إلى المعصية»(3). أو تركنا فرضاً على جهة النِّسيان أو فعلنا حراماً كذلك أو أخطأنا أي: الصواب في العمل جهلاً منا بوجهه الشرعي)(4).

وهذا في غاية الكرم ونهاية الإحسان، يُعلِّمهم الطلب ليعطيهم، ويرشدهم للسؤال ليثيبهم، ولذلك قيل:

لو لم تُرِد نيل ما أرجو طلبه * * * من فيض جودك ما علمتني الطَّلبا(5)

(وهذا الدعاء يصوِّر لنا حال المؤمنين مع ربهم، وإدراكهم لضعفهم وعجزهم، وحاجتهم إلى رحمته وعفوه، وإلى مدده ودعوته، وإلصاق ظهورهم إلى ركنه، والتجائهم إلى كنفه، وانتسابهم إليه، وتجرُّدهم من كل ما عداه، واستعدادهم للجهاد في سبيله، واستمدادهم النصر منه.

فدائرة الخطأ والنسيان هي التي تحكم تصرف المسلم حين ينتابه الضعف البشري الذي لا حيلة له فيه. وفي مجالها يتوجه إلى ربه يطلب العفو والسماح. وليس هو التبجح ـ إذاً ـ بالخطيئة أو الإعراض عن الأمر أو التعالي عن الطاعة والتسليم أو الزيغ عن عمد وقصد.. ليس في شيء من هذا يكون حال المؤمـن مع ربـه، وليـس في شـيء مـن هـذا يطـمع فـي عفـوه أو سماحته إلا أن يتوب ويرجع إلى الله وينيب، وقد استجاب الله لدعاء عباده المؤمنين)(6).

ثانياً: عدم المؤاخذة بالخطأ والنسيان:

 

عن ابن عباس -رضي الله عنهما -قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنِّسيان وما استُكرهوا عليه»(7).

والأظهر ـ والله أعلم ـ أن النَّاسي والمخطئ إنما عُفي عنهما بمعنى رفع الإثم عنهما؛ لأن الأمر مرتَّب على المقاصد والنيات، والنَّاسي والمخطئ لا قصد لهما فلا إثم عليهما. وأما رفع الأحكام عنهما فليس مراداً من هذه النصوص، فيحتاج في ثبوتها ونفيها إلى دليل آخر(8).

 

http://www.soutulhaq.com          المصدر: